로그인نبضات الطواريء جلست علياء قرب المدفأة الصغيرة في المكتبة، تقلب صفحات دفترها الجلدي الصغير الذي امتلأ خلال الشهور الماضية بملاحظات كتبتها من ذاكرتها عن شبكات الشحن و التحويلات والصفقات القديمة التي كانت تديرها داخل إمبراطورية سليم الألفي.توقفت للحظة، ثم شطبت سطراً كاملاً بالقلم قبل أن تزفر بهدوء.خلال خمسة أشهر كاملة هنا، تغيرت أشياء كثيرة.في البداية كانت تكتب تلك الملاحظات بدافع الغضب و الرغبة في النجاة فقط… أما الآن، فقد أصبحت تكتب بعقل أكثر هدوءاً و تركيزاً.التقطت صوت خطوات يوسف خلفها.و للمرة الأولى منذ زمن طويل…لم يتوتر جسدها عندما اقترب رجل منها.رفعت عينيها نحوه بهدوء.كان يرتدي قميصاً رمادياً داكناً بأكمام مطوية قليلاً، بينما استقرت ساعته المعدنية الداكنة فوق معصمه كعادتها.توقفت عيناها عند الساعة للحظات.ثم ضيقت عينيها فجأة.مرة أخرى.الساعة نفسها.أو هكذا تبدو.أغلقت دفترها ببطء و هي تراقبه يقترب من الطاولة ليصب لنفسه قهوة سوداء.— بدأت أعتقد أنك تملك هوساً مرضياً بالساعات المتشابهة.رفع يوسف عينيه نحوها، ثم نظر إلى معصمه وكأنه انتبه للساعة للتو.— و هل هذا اكتشاف جديد؟
الحاضر كان الليل قد ابتلع مدينة ڤالورا بالكامل.خلف الجدران الزجاجية الشاهقة لمكتب سليم الألفي، بدت المدينة كغابة من الأضواء الباردة الممتدة بلا نهاية؛ أبراج عملاقة، طرق مبتلة بالمطر، وصفوف لا تنتهي من السيارات التي تتحرك كخلايا في جسد وحش لا ينام.لكن داخل المكتب…كان الصمت ثقيلاً بصورة غير طبيعية.جلس سليم خلف مكتبه الأسود الضخم، مرتدياً قميصاً داكناً مفتوح الزر العلوي، بينما استقرت بين أصابعه سيجارة انطفأت منذ دقائق طويلة دون أن ينتبه. بدا ثابتاً من الخارج كعادته؛ نفس الملامح الحادة، نفس الهيبة التي تخنق كل من يدخل هذا المكان.لكن كريم، الجالس أمامه، كان يرى الحقيقة.كان يرى الإرهاق المتوحش المختبئ خلف عيني صديقه.خمسة أشهر كاملة مرت منذ اختفاء علياء…وكل يوم منها كان ينهش شيئاً جديداً من روح سليم الألفي.ألقى كريم ملفاً صغيراً فوق المكتب، وقال بصوت منخفض لكنه جاد:— منصور السيوفي انتهى يا سليم.لم يرفع سليم عينيه.ظل ينظر إلى الورقة البيضاء بين أصابعه وكأنه لا يسمع.تنهد كريم وأكمل:— الرجل خسر نصف نفوذه في الميناء خلال ليلة واحدة فقط… و كل التقارير تؤكد أن يوسف الكيلاني لم يكن و
شقّت سيارة يوسف الكيلاني السوداء الضباب الكثيف الذي غلّف الضواحي الشمالية لمدينة ڤالورا، بينما انعكست أضواء الطريق الباهتة فوق هيكلها الداكن كأشباح عابرة.كانت المدينة تبدو بعيدة الليلة.صامتة أكثر من المعتاد.وكأن ڤالورا نفسها تحبس أنفاسها انتظارًا لما سيحدث داخل ذلك القصر الفرنسي المعزول عند أطرافها.توقفت السيارة أخيرًا أمام بوابة حديدية شاهقة.خلفها ارتفع قصر كلاسيكي غريب عن طراز المدينة الحديثة؛ جدران حجرية عاجية، نوافذ طويلة مضاءة بضوء ذهبي خافت، وحدائق هندسية مثالية بشكل يثير التوتر بدل الراحة.لكن أكثر ما جذب انتباه علياء…كان الحراس.رجال يرتدون حللًا سوداء متطابقة، يتحركون بصمت وانضباط يشبه وحدات النخبة العسكرية لا فرق الحماية الخاصة.ترجل يوسف أولًا.ثم التفت وفتح لها الباب بنفسه.حركة بسيطة…لكنها بدت شخصية أكثر من اللازم.اقتربت علياء، وشعرت للحظة بحرارة جسده وسط برد الليل، بينما انعكس الضوء الرمادي فوق ملامحه الحادة.كانت ترتدي فستانًا أسود مخمليًا طويلًا يغطي عنقها بالكامل، يخفي الندبة بعناية، لكن شيئًا في نظرتها الليلة كان مختلفًا.أكثر ثباتًا.أكثر خطورة.نظر يوسف إلي
قاطع سكون المكتبة الدافئ صوت نقرات سريعة و حازمة على الباب الخشبي الثقيل.اختفى ذلك الهدوء الناعم الذي غلّف الصباح خلال اللحظات الماضية فورًا، و كأن الهواء نفسه أدرك أن شيئًا غير اعتيادي يقترب.رفع يوسف عينيه ببطء نحو الباب.— ادخل يا عدنان.انفتح الباب مباشرة، و دلف عدنان بخطوات سريعة و مدروسة. كان يحمل بين يديه ملفًا جلديًا أحمر اللون، و ملامحه المشدودة تكفي وحدها لإدراك خطورة الأمر.توقفت أنفاس علياء قليلًا.خلال الأيام الماضية، رأت الكثير من الملفات والوثائق تمر عبر مكتب يوسف، لكنها لم تره يومًا يحمل ذلك اللون.أما يوسف…فتغيرت نظرته فورًا.لم يكن قلقًا.بل ذلك النوع من الحذر البارد الذي يظهر عندما يدخل لاعب غير متوقع إلى الرقعة.تقدم عدنان حتى توقف أمام الطاولة، ثم قال بصوت منخفض ومشدود:— سيدي… “المصنع” أرسل إشارة تحذيرية قبل دقائق. لقد وصلت طائرتها الخاصة إلى المطار الشمالي دون أي إعلان مسبق.ساد صمت قصير.ثم وضع يوسف كوبه ببطء شديد فوق الطاولة.— جولييت لوران؟أومأ عدنان مباشرة.— نعم سيدي. ووفقًا لمصادرنا، هي لا تحمل صفة مستثمرة هذه المرة… بل جاءت بتفويض كامل من المجلس الدولي
: دفء غامض عاد الضباب ليغلف مدينة ڤالورا في صباح اليوم الخامس، كثيفًا و باردًا حتى بدت النوافذ الشاهقة لقصر يوسف الكيلاني و كأنها تعزل العالم الخارجي تمامًا. لكن داخل القصر، كان هناك شيء مختلف قد تغيّر منذ ليلة المرفأ.شيء أكثر هدوءًا.و أكثر خطورة.في تمام الساعة الثامنة و ثلاث دقائق صباحًا، دخلت علياء الحسيني إلى المكتبة بخطوات هادئة. كانت ترتدي سترة صوفية رمادية ناعمة تبرز لون بشرتها شديده البياض وبنطلون ابرز نحافه خصرها ، و شعرها الطويل مرفوع بشكل فوضوي بسيط، بينما استقر دفترها الصغير تحت ذراعها كعادته.لكن هذه المرة…لم تكن الطاولة فارغة.فقد سبقته هي هذا الصباح.إبريق من الزنجبيل و الليمون كان يتصاعد منه البخار بهدوء فوق الخشب الداكن، و إلى جواره كوبان خزفيان.توقفت للحظة ترتب الأوراق أمامها، قبل أن تسمع خطواته.دخل يوسف بعد دقيقتين فقط، مرتديًا قميصًا أسود بسيطًا و ساعته المعدنية الداكنة التي انعكس فوقها الضوء الرمادي القادم من خلف الزجاج.لكنه لم يتجه فورًا نحو مقعده المعتاد.توقفت عيناه على الإبريق.ثم على الكوبين.ثم عليها.و لأول مرة منذ عرفته…رأت في نظرته شيئًا خاليًا
# الموسيقى التي لا تموتفي الحاضر…قصر يوسف الكيلاني لم تستطع علياء النوم فقررت النزول للمطبخ لشرب كوب حليب دافي ء ربما يساعدها على النوم القصر هادئ جدًاتوقفت خطوات علياء الحسيني عند باب القاعة الجانبية داخل قصر يوسف الكيلاني.كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل بقليل، والقصر غارقًا في ذلك السكون الثقيل الذي يجعل أي صوت يبدو أوضح من اللازم تسمع صوت موسيقى كلاسيكية خافتة قادمة من إحدى الغرف.تتبع الصوت…لتجد يوسف واقفًا وحده أمام البار الصغير داخل القاعة الجانبية، يرتب كأسه دون وعي بينما تدور أسطوانة قديمة.لكن الشيء الذي يضربها فعلًا…هو نوع الموسيقى.نفس المقطوعة التي كانت تعمل في كل ليلة داخل شقتها السرية مع سليم الألفي.هنا يتجمد شيء داخلها.و ربما يوسف لاحظ تغير وجهها و سالها :يوسف“هل تكرهين هذا النوع من الموسيقى؟”فترد بهدوء متوتر:“بل أتذكره أكثر مما ينبغي.” .لكن الشيء الذي يضربها فعلًا…هو نوع الموسيقى.نفس المقطوعة التي كانت تعمل في تلك الليلة .مقطوعة البيانو القديمة.هادئة.ناعمة.و مؤلمة بشكل لا يحتمل.تجمد شيء داخل صدرها فورًا.لثانية واحدة فقط، لم تعد ترى جدران الق







