LOGINشروخ في الرقعة القديمة
جلست علياء على طرف الأريكة، ممسكة بقطعة البسكويت المتبقية في يدها، بينما تلاشت الابتسامة تدريجياً من وجهها ليحل محلها ذلك الهدوء الرصين الحاد . نظرت إلى يوسف الواقف أمامها بهالته الطاغية المعتادة، وقالت بنبرة منخفضة وجادة:— يوسف... هناك أمر طارئ يجب أن تعلمه. سليم الألفي عرفمكاني، وكان يقف بسيارته أسفل البناية طوال ليلة أمس .نظرت اليه علياء بتفحص لتري اثار كلماتها لكن لا شيء لم تتغير تعابيرعتبه الجذور الاولي للذكريات انطلقت السيارة التابعة لمالك عبر الطرقات السريعة في الصباح الباكر، مخترقة جدار الضباب الكثيف الذي يغلف أطراف مدينة ڤالورا كان الهواء بارداً و ناصعاً، و كلما ابتعدت العجلات عن شوارع المدينة الإسمنتية، كانت الأبنية الشاهقة و الزجاجية تتقلص في مرآة الرؤية الخلفية، ليحل محلها الأفق الريفي الممتد و المساحات الخضراء الشاسعة التي بدأت تتنفس تحت أشعة الشمس الذهبية الأولى.كان مالك يمسك بمقود القيادة براحته المعتادة، واضعاً نظارته الشمسية الكسولة، و يرتشف من كوب قهوته الساخن، بينما كان الكلب "رعد" يخرج رأسه من النافذة الخلفية مستمتعاً بتيارات الهواء الصباحية المتدفقة.أما علياء .. فكانت تجلس في المقعد الأمامي بجانبه، مسندة رأسها المتعب إلى زجاج النافذة، غائبة بالكامل عن ثرثرة مالك العفوية و نكاته المستمرة حول قيادته السيئة للسيارة. كانت عيناها معلقتين بالطريق الجانبي الضيق الذي دخلوه للتو، المؤدي مباشرة إلى حدود بلدة "الجنوب القديمةانحرفت السيارة نحو ممر ترابي محاط بأشجار الصفصاف العتيقة، لتهتز حركتها بخفة . و في تلك الثانية بالذات، أحست عليا
مرّ يومان كاملان من العمل المشترك و الهادئ داخل الصالة الصغيرة للشقة تحولت الطاولة الخشبية المستديرة إلى ورشة عمل حقيقية؛ امتلأت بخرائط جغرافية عريضة، و مخططات بيئية، و ملفات حسابية لتقدير الكلفة ومساحات الأراضي كانت الأجواء تفيض ببساطة وعفوية لم تعهدها علياء منذ شهور. مالك كان يحافظ على خفته المعتادة، يراجع الأكواد التقنية والربط الرقمي للمشروع بكسل وهو يرتشف قهوته، بينما كانت علياء تنغمس بذكائها الحسابي الفطري في إعادة هيكلة الميزانية وضبط نسب الأرباح المقترحة بعيداً عن جشع حيتان الشركات. الكلب "رعد" كان مستقراً كالعادة عند زاوية الغرفة، يراقب حركتهما الهادئة بنوع من المسؤولية الطريفة.في مساء اليوم الثاني، وضعت علياء قلمها جانباً، و نظرت إلى الخريطة الجغرافية المفرودة في منتصف الطاولة، و قالت بنبرة هادئة وعملية:— مالك... الأرقام والجدول المالي للمشروع أصبحت مضبوطة وقانونية بنسبة مئة بالمئة الآن. لكن كما أخبرتكَ سابقاً، هذا العمل لا يمكن حسمه من وراء الشاشات؛ نحن بحاجة لمعاينة ميدانية فعلية للأراضي المقترحة و التأكد من صلاحتها لشبكات الطاقة النظيفة اعتدل مالك
خيوط الدمي الغير مرئية في الدور الأخير لقصر إمبراطورية الكيلاني، حيث الهدوء أشبه بجوف معبد حجرى ناءٍ، كان يوسف الكيلاني يقف خلف مكتبه الفخم، بهيبته القويه التي تجعل اي غرفه تبدو اصغر مما هي عليه يرتدي بدلته السوداء التي تبرز عرض كتفيه و يحمل كوب قهوه في يده تتصاعد ابخرته المكتب يطل على أضواء المدينة التي بدأت تنعكس على الزجاج الشاهق للمكتب. ملامحه كانت صارمة، و عيناه المظلمتان تحملان ذات البرود و الثبات، لكن في أعماقه كان هناك ترقب هادئ .قطع صمت الجناح رنين هاتف يوسف الخاص. التقط الجهاز ببطء، و وجد اسم مالك التهامي يضيء الشاشة. سحب الخط، و ضغط الهاتف على أذنه دون أن ينطق بمقدمة. أتاه صوت مالك عبر السماعة مفعماً بذات النبرة الكسولة و الساخرة، لكنها حملت الليلة لمحة من الارتياح الذكي: — «أهلاً يا أخي الكبير... اتصلتُ فقط لأبلغك بأن التيار الكهربائي قد عاد للعمل في الشقة المقابلة بنجاح، بعد ان قومت بقطعه بنفسي ومفكّي الصغير قام بواجبه التكتيكي في قطع التيار و اعادته مره ثانيه على أكمل وجه .لم يتحرك فك يوسف، بل سأل بنبرة منخفضة و مخملية حملت اهت
جلست علياء على الأريكة المقابلة و هي تضع أكواب الشاي فوق الطاولة الصغيرة. أما مالك فكان يتأمل الشقة حوله باهتمام حقيقي. — شقتك مختلفة. رفعت حاجبها. — مختلفة كيف؟ أشار إلى الجدران. — لا أعرف... هادئة أكثر لو كانت هذه شقتي لوجدتِ أسلاكاً و أجهزة و قطعاً إلكترونية في كل زاوية. نظرت حولها ثم قالت: — لهذا السبب تحديداً ليست شقتك. ضحك مالك. في الأسفل، كان رعد مستلقياً بكل راحة و كأنه صاحب المكان. نظرت إليه علياء. — بالمناسبة، يبدو أن كلبك تأقلم بسرعه فتح مالك فمه باعتراض مصطنع. — اعتقد انه احبك ارتشفا الشاي وسط صمت لثواني . لم يكن ذلك الصمت المحرج الذي يحتاج إلى كلمات، بل ذلك النوع النادر الذي يجعل وجود شخص آخر أمراً مريحاً. بعد لحظات قال مالك: — هل يمكنني أن أسألك شيئاً؟ — تفضل. — منذ كم سنة و أنت تعملين في الإدارة المالية؟ أجابت بعد تفكير قصير: — ما يقارب خمس سنوات. أطلق صفيراً خافتاً. — لهذا السبب إذاً. — لهذا السبب ماذا؟ — لهذا السبب اكتشفتِ خطأ فاتورة شركة الإنترنت في أول أسبوع من سكنك هنا. ضحكت بخفة. — كان خطأ واضحاً. — لا، كان يحتاج إلى شخص مهووس بالأر
استيقظت علياء في الصباح لتكتشف أن الشقة غارقة في ظلام تام و صمت غريب. حاولت ضغط أزرار الإنارة عدة مرات لكن دون جدوى، لتدرك أن التيار الكهربائي قد انقطع بالكامل عن وحدتها . تنهدت بقلة حيلة، و ارتدت سترة قطنية مريحة، ثم فتحت باب الشقة و خرجت لتتفحص خزانة القواطع الكهربائية المعلقة في الممر الخارجيخرج مالك بتكاسل و هو يمسك بكوب قهوته الصباحية، و شعره مبعثر كالعادة، و بجانبه "رعد" الذي أطلق حركة خفيفة بذيله فور رؤيتها . توقف مالك مستنداً بجسده إلى حافة الباب، و نظر إلى حيرتها أمام اللوحة بابتسامة كسولة، و قال بنبرة مشاكسة:— أوه، صباح الخير يا جارتي العزيزة. هل قررتِ خوض معركة مبكرة ضد الأسلاك الكهربائية هذا الصباح ؟التفتت علياء نحوه، و ضمت ذراعيها، و قالت بنبرة حادة حاولت بها إخفاء حرجها:— بدلاً من إلقاء النكات و التعليقات الساخرة يا سيد مالك، هل يمكنك استخدام وقت فراغك الطويل هذا في إخباري
في العتمة الهادئة للشقة المجاورة لعلياء، كان مالك التهامي مسترخياً على أريكته الجلدية، يقلب هاتفه بين يديه بينما كان كلبه الضخم ممدداً عند قدميه بلا اكتراث.اهتز الهاتف، فظهرت على الشاشة رسالة اتصال من يوسف الكيلاني.رفع مالك حاجباً وضغط زر الإجابة.— مساء الخير أيها الرجل المشغول.جاءه صوت يوسف هادئاً كعادته:— علياء عادت إلى البناية منذ قليل.نظر مالك إلى السقف و قال مستسلماً:— و ها قد بدأت التعليمات.تجاهل يوسف تعليقه و أكمل:— بما أنك تسكن أمامها مباشرة، أبقِ عينك مفتوحة على الممر. إذا لاحظت أي شيء غريب أخبرني فوراً.— حاضر يا سيدي امرك مطاع .— مالك.— نعم اخي الكبير ؟— لا تزعجها.اتسعت ابتسامة مالك.— أنا؟ لماذا يفترض الجميع أنني مصدر الإزعاج دائماً؟يوسف: — لأنك مصدر الإزعاج دائماً.ضحك مالك وهو يهز رأسه.مالك — هذه افتراءات.يوسف — الأسبوع الماضي جعلت الجيران يخرجون إلى الممر لأنك كنت تحاول تعليم كلبك العواء مع الموسيقى.نظر مالك إلى الكلب.مالك — أولاً، كانت تجربة علمية محترمة.رفع الكلب رأسه عند سماع صوته ثم عاد للنوم.تابع مالك:— وثانياً، هو من بدأ.سمع زفير يوسف المست







