LOGINتنفّس خالد بعمق وكأنه يحاول تهدئة القلق الذي بداخله، لكن ملامحه بقيت مشدودة ولم تختفِ آثار التوتر من عينيه. في تلك اللحظة، رنّ هاتفه، فنظر إليه بسرعة، ثم أجاب بجفاف:
_ نعم؟ جاءه صوت الطرف الآخر يبلّغه بأن مقابلات العمل جاهزة، فأجاب خالد دون تردد وبنبرة حازمة: _ أجّلها جميعاً. ساد صمت قصير من الطرف الآخر، ثم أضاف المتصل: _ حاضر. أغلق خالد الهاتف، ثم بقي واقفاً في مكانه للحظة، ينظر نحو باب الغرفة بصمت ثقيل، وكأن كل ما يهمه الآن ليس العمل ولا المواعيد، بل الاطمئنان على نور فقط. بعد أن اطمأنوا على نور، اتجه خالد إلى غرفته، وعادت لين لتبقى بقربها، بينما ذهب ريان إلى عمله. نامت نور، ثم استيقظت فجأة وهي تلهث بعد أن رأت كابوساً مرعباً فيه سيف، ففتحت عينيها بسرعة، وقلبها يخفق بقوة، ثم أخذت نفساً عميقاً عندما أدركت أن ما رأته كان مجرد حلم. نظرت حولها، فوجدت أن الليل قد حلّ، ورأت لين نائمة بجانبها، فبقيت لحظات تحاول تهدئة نفسها، ثم نهضت بهدوء حتى لا توقظها، وتوجهت إلى المطبخ لتشرب الماء. في تلك اللحظة، كان خالد مستيقظاً في المنزل، فسمع حركة خفيفة في الممر، وانتبه فوراً، ثم خرج من غرفته متجهاً بحذر نحو الصوت، ظنّاً منه أن نور قد استيقظت. في المطبخ، كانت نور قد وصلت بالفعل، ففتحت الخزانة وأخذت كأساً من الماء، ثم شربت بسرعة وهي ما تزال ترتجف قليلاً، محاولةً إقناع نفسها بأن كل شيء انتهى، لكن صورة سيف لم تفارق ذهنها. فجأة، سمعت صوت خطوات خلفها، فتوقفت في مكانها وتجمدت للحظة، ثم التفتت ببطء شديد، وكان خالد يقف عند مدخل المطبخ ينظر إليها بقلق واضح. ساد صمت قصير، قبل أن يقول بصوت هائدي: _ نور… لماذا لم تنامي؟ نظرت إليه نور للحظة دون أن ترد، ثم خفضت عينيها وكأنها لا تعرف كيف تشرح ما تشعر به. تقدّم خالد خطوة واحدة فقط، دون أن يقترب أكثر، وقال بنبرة أهدأ: _ كنتِ تتحركين، خفت عليكِ. في تلك اللحظة، لم تعد نور قادرة على حبس توترها، لكنها حاولت أن تبقى صامتة، فتمسّكت بالكأس بين يديها وكأنها تبحث عن شيء يثبتها ثم همست بصوت منخفض ومهتز: _ لم أستطع النوم… الكوابيس لا تتركني. ساد الصمت لحظة، ثم خفّف خالد ملامحه قليلاً، واقترب خطوة أخرى بحذر، وكأنه يخشى أن يخيفها أكثر، وقال بهدوء: _ هذا طبيعي بعد ما حدث… لكنكِ بأمان الآن. خفضت نور عينيها ولم ترد، فقط ارتجفت يداها قليلاً وهي تضع الكأس على الطاولة، محاولةً أن تبدو قوية، لكن ملامحها كانت تكشف العكس تماماً. أخذ خالد نفساً عميقاً، ثم أشار لها برفق: _ تعالي… لنرجع إلى الغرفة. هزّت نور رأسها بخفة، لكن خطواتها كانت بطيئة ومضطربة وهي تتبعه، وكان يمشي أمامها بهدوء، وكأنه يترك لها مساحة كي تشعر بالأمان. عندما وصلا إلى الغرفة، كانت لين لا تزال نائمة في زاويتها، فدخلت نور بصمت وتوجهت إلى السرير، لكنها توقفت للحظة وكأنها تخاف أن تغمض عينيها من جديد. لاحظ خالد ذلك، فوقف عند الباب وقال بصوت منخفض: _ سأبقى قريباً… إذا احتجتِ أي شيء، أنا هنا. نظرت إليه نور للحظة، ولم تقل شيئاً، لكن نظرتها كانت أقل توتراً من قبل، وكأن وجوده وحده يكفي ليخفف عنها قليلاً. خرج خالد بهدوء وأغلق الباب نصف إغلاق، ثم وقف في الممر للحظة طويلة، يحدّق في الأرض بصمت ثقيل، قبل أن يقرر البقاء قريباً من الغرفة طوال الليل، فلم يشأ أن يبتعد عنها ولو خطوة واحدة، فاستقر في الممر وأسند ظهره على الحائط ونام هناك. استيقظت نور بعد أن شاهدت كابوساً آخر، ولكن عند رؤية خالد نائماً قرب الغرفة شعرت بالأمان ونامت مرة أخرى. في الصباح، استيقظ ريان فلم يجد خالد بجانبه، فاعتدل في مكانه باستغراب وخرج يبحث عنه في الممر، وما إن وصل حتى وجده نائماً أمام الغرفة، مسنداً رأسه إلى الحائط. ضحك ريان وهو يراه على تلك الحالة، ثم انحنى يهزه بخفة قائلاً: _ خالد… استيقظ. فتح خالد عينيه ببطء، ثم اعتدل فوراً وهو يمسك رقبته بتألم: _ آخ… رقبتي كأنها انكسرت. قهقه ريان وقال مازحاً: _ أتا يوم أراك فيه عاشقاً إلى درجة النوم في الممر. رمقه خالد بنظرة مرهقة، ثم قال ببرود: _ ابتعد عني الآن… واتجه خالد إلى غرفته كي يرتاح وينام. أما نور، فقد استيقظت وهي نشيطة، فغيرت ملابسها ووضعت بعض مستحضرات التجميل، ثم ذهبت لإيقاظ لين. وعندما رأتها لين، قالت بقلق: _ نور، هل أنتِ بخير؟ ابتسمت نور وقالت بثقة: _ نعم، أنا في أروع حال، لن أسمح لما حدث أن يكسّرني… نحن نعيش مرة واحدة. ضحكت لين وقالت وهي تحتضنها: _ هذه هي صديقتي نور! نزلتا معاً إلى الإفطار، وكانت نور تبحث بعينيها عن خالد، لكنها لم تجده، واستغربت لين بدورها من غيابه، فسألت ريان: _ أين خالد؟ أجاب ريان بهدوء: _ إنه نائم، لم ينم طوال الليل. عندها تذكّرت نور ما حدث في الامس فابتسمت ابتيسامة خفيفة من دون ان يراها احد . أنهوا الإفطار، ثم قال ريان بحماس: _ اليوم لا عمل لي، ما رأيكم أن نلعب قليلاً في الحديقة؟ هيا يا لين.أومأت نور موافقة دون تردد، ولملمت ملفات المشروع بدقة ثم انطلقت. ومع حلول الليل، وصلت إلى الفندق الفخم الذي سيقام فيه الاجتماع في إحدى قاعاته الخاصة. وما إن دخلت القاعة حتى انقبض قلبها؛ فقد لاحظت أنها المرأة الوحيدة بين عدد كبير من الرجال. كانت الطاولات مليئة بكؤوس الخمر، والضحكات المرتفعة الصاخبة تملأ المكان بطريقة مريبة.حافظت نور على هدوئها المهني وجلست في مكانها، ثم فتحت الملفات وبدأت تشرح تفاصيل المشروع بكل احترافية وثبات. لكن لم يمضِ وقت طويل حتى قطع حبل أفكارها اقتراب أحد المستثمرين الشباب؛ كان حسن المظهر وثرياً، إلا أن نظراته المتفحصة كانت تحمل شيئاً دنيئاً جعلها تشعر بالاشمئزاز.ابتسم الرجل ابتسامة جانبية خبيثة وقال وهو يزيح أوراقها:_ "آنستي الجميلة... الحياة ليست عملاً وجدية فقط. هيا، اشربي معنا نخب هذه الصفقة أولاً." أجابته نور بثبات ونبرة جافة:_ "آسفة، أنا لا أشرب الخمر، وأنا هنا بصفتي مساعدة السيد خالد لمناقشة تفاصيل المشروع فقط. أرجو أن نحافظ على حدود الاحترام بيننا."ضحك الرجل بسخرية مستفزة، ثم اقترب منها أكثر وهمس بصوت منخفض ومقزز:_ "ا
لكن لين لم تتحمل رؤية صديقة عمرها وتوأم روحها في هذا الموقف المحرج؛ فنهضت من مكانها بسرعة فائقة وقبل الجميع، واندفعت نحو السلم لتمسك بيد نور بحنان، وضد ضحكات الخالات، نظرت لين إليهن بنظرة حازمة أسكتت الجميع، ثم التفتت إلى نور وقالت لها ضاحكة بنبرة ممتلئة بالحب والدفء لتنقذها:_ "يا إلهي يا نور! ما زلتِ تعشقين قميص الدب هذا؟ أقسم أنكِ تبدين الليلة الماضية واليوم كألطف عروس رأيتها في حياتي! تعالي، الجوع كافر وأنا لن أتناول إفطاري بدون صديقتي المقربة."في هذه الأثناء، وقف خالد هو الآخر بهدوء تام وبسرعة بديهته المعهودة، مكملاً ما فعلته لين ليفرض احترام زوجته أمام العائلة، وقال بنبرة رجولية دافئة:_ "لين معها حق يا نور، لا داعي للهروب.. تبدين بخير، والجوع لا ينتظر تغيير الملابس. اجلسي بجانبي."أنزلت كلمات لين وخالد السكينة على قلب نور المسكينة. تنهدت بارتياح وذهبت مع لين التي سحبتها من يدها وجعلتها تجلس بجانب خالد، بينما تولت لين سكب العصير لها ووضع الفطائر في طبقها وهي تغمز لها بمرح لتنسيها الإحراج.صعدت نور إلى الأعلى بسرعة البرق بمجرد أن انتهى الفطور لتتخلص من بقا
استدار ريان متوجهاً نحو الشرفة الكبيرة بخطوات ثقيلة، موليّاً إياها ظهره ليتيح لها فرصة ستر نفسها، بينما كان يقبض بيده على سياج الشرفة الحديدي بعنف، محاولاً إطفاء النيران التي تكاد تحرق صدره، منتظراً اللحظة التي سيتواجهان فيها وجهاً لوجه دون أقنعة. أما في غرفة خالد، فقد انقضت دقائق التوتر الثقيلة قبل أن تنفتح أبواب الحمام ببطء. خرجت نور وهي ترتدي ملابسها المريحة البسيطة، وكانت دقات قلبها تتسارع بفعل الخوف والحرج الشديد الذي كان يملأ كيانها في هذه الليلة الأولى لهما معاً. نظرت بطرف عينيها نحو الغرفة الهادئة، فوجدت خالداً مستلقياً على السرير بجسده الرياضي المرتخي، يراقب شاشة هاتفه بهدوء تام دون أن يرفع عينيه لكي لا يزيد من إحراجها. ابتلعت نور ريقها، وتوجهت نحوه بخطوات مترددة، ثم وقفت قريباً من طرف السرير وسألته بنبرة خافتة تكاد تُسمع: _ "أين سأنام؟" أهبط خالد هاتفه قليلاً، ونظر إليها بنظرات دافئة خالية من أي ضغط أو مكر، وأجابها بصوته الرزين المريح: _ "إن أردتِ، نامي على السرير وأنا معكِ، أو يمكنني أن آخذ وسادتي وأنام أنا على الأريكة.
انتهى الحفل الصاخب وأُغلقت قاعة الاحتفال الكبرى، ليتوجه كل شخص إلى غرفته تاركاً خلفه أضواء الثريات الكريستالية المتلألئة. كانت لين تمشي في ممرات القصر الطويلة بخطوات متثاقلة، ينهش التعب جسدها من أثر السهرة الطويلة والإشراف على الضيوف، لكن الإرهاق الأكبر كان في عقلها وقلبها؛ حيث كانت أفكارها مبعثرة ومحترقة بسبب ريان، كلماته الحادة، وقبلته العاصفة التي ما زالت تستشعر حرارتها على شفتيها.دخلت غرفتها وأغلقت الباب خلفها، متنهدةً بارتياح ظاهري بحثاً عن ملاذ آمن يخفف عنها عبء هذه الليلة. بدأت لين في تغيير ملابسها ونزعت فستانها الأنيق بالفعل، وفجأة، ومن دون سابق إنذار أو طرقة باب واحدة، انفتح الباب واندفع ريان إلى داخل الغرفة كالإعصار!جفلت لين وتراجعت خطوة إلى الخلف، واتسعت عيناها بصدمة وخوف حاولت جاهدة إخفاءه، وحملت فستانها بسرعة تحاول أن تغطي به جسدها وقليلاً من عريها المفاجئ أمام نظراته المتفحصة. لكن ريان لم يمنحها فرصة للتفكير؛ تقدم بخطوات واسعة وحاسمة، وعيناه تشتعلان ببريق مظلم يمزج بين الغيرة والتملك، ولم يتوقف حتى حاصرها تماماً بين جسده الضخم والجدار، حارماً إياها من أي مف
وفي هذه الأثناء، وسط الحشود والمهنئين وأضواء الثريات الكريستالية المتلألئة، كان هناك إعصار آخر يدور في الخفاء؛ إذ كانت لين تبدو كالحورية الليلة، ترتدي فستاناً أنيقاً يبرز جمالها الهادئ وتتنقل بوقار لتشرف على راحة الضيوف، ولم تكن تعلم أن هناك عينين صقريتين لريان يراقب كل التفاتة منها وكل ابتسامة توزعها على الحاضرين. ثلاثة أيام من النوم على الأريكة واحتراق عقله بلغز "أليكس" جعلت ريان يصل لقمة جنونه وغليان دمه غيرَةً وتملكاً. استغل ريان لحظة وقوف لين بمفردها قريباً من ممر الشرفة الهادئ، فتقدم بخطوات سريعة وحاسمة وحاصرها بجسده الضخم خلف أحد الأعمدة الكبيرة، هامساً بنبرة رجولية حادة تفيض بالوعيد: "ثلاثة أيام يا لين.. ثلاثة أيام تظنين فيها أنكِ انتصرتِ ببرودكِ؟ انظري إليّ عندما أحدثكِ، فمهما طال صمتي وكبريائي، لن يتغير واقع أنكِ الليلة وكل ليلة.. ملكي أنا وحدي!" التقت عيناهما في مواجهة نارية صامتة، لين تخفي برودها دقات قلبها العنيفة، وريان يحاول بكبريائه إخفاء حيرته وعذابه. لم تمنحْه لين جواباً، بل رفعت ذقنها بكبرياء ونظرت في عينيه بنظرة باردة تحدّت بها ثورته، وكأنها تخبره أن كل
ألقى ريان نظرة سريعة نحو لين، فوجدها ترتشف عصيرها ببرود شديد، وعلى شفتيها الكرزيتين ابتسامة سخونة ونصر لا تخفى عليه، وكأنها تستمتع برؤيته يتخبط في صدماته وإحراجه واحدة تلو الأخرى.حاول ريان تدارك الموقف وتغطية ملامح الذهول، فتنحنح وعدل من جلسته وقال بصوت رجولي هادئ محاولاً استعادة وقاره:_ "أوه.. مبارك لكِ يا نور، صدمتني المفاجأة فقط لأنني لم أكن أعلم بالترتيبات.. وخالد رجل شهم وس يصونكِ حتماً. أهلاً بك يا مصطفى مجدداً في بيتك، اعذرني على سوء الفهم قبل قليل.. فـ ضغوط العمل في الشركة جعلتني مشتت الذهن بعض الشيء اليوم."نظر إليه مصطفى بذكاء كأنه فهم خلفيات تلك الغيرة لكنه مرر الموقف بلطف قائلاً: "لا عليك يا سيد ريان، مقدر تماماً.".وفجأة، قطع هذا التوتر الصامت رنين هاتف ريان المصحوب باهتزاز قوي. شعر براحة داخلية لأن هذا الاتصال جاء في وقته لينقذه من نظرات لين الساخرة التي كانت ترتشف عصيرها ببرود تام وتراقب تخبطه بنصر خفي.استأذن ريان بصوت رجولي جاف، ووقف مبتعداً عن الطاولة ببضع خطوات ليجيب على الهاتف. كان المتصل مساعده الشخصي الذي كلفه بالبحث، وجاء صوته جاداً وسريعاً عبر الخط:_ "سي







