LOGINاقترب منها بخطوات حذرة للغاية، ثم انحنى قليلًا على ركبتيه نحوها، خالعاً سترته الجلدية السوداء الثقيلة، محاولاً تهدئتها والاقتراب دون أن يزيد من خوفها أو يذعرها.
قال بصوت منخفض جداً، دافئ ومهتز من شدة التأثر: _ نور… اهدي ، انتهى كل شيء، أنا هنا بجانبكِ، لن أسمح لأي كلب في هذا العالم أن يؤذيكِ أو يلمس خصلة من شعركِ بعد الآن... أنتِ بأمان معي. لكن نور لم تستطع الرد أو النطق، بل ازدادت شهقات بكائها وعويلها، ودفنت وجهها بين ذراعيها المرتجفتين أكثر، رافضة رؤية العالم. أخرج خالد هاتفه بسرعة واتصل بالشرطة بكلمات حازمة وصارمة من أجل أخذ سيف وتوجيه تهمة الشروع في الاغتصاب المشهود له، ثم التفت لنور برقة متناهية. وضع سترته الثقيلة الكبيرة حول جسدها وغطى به ثيابها الممزقة بالكامل، ثم انحنى وحملها برفق وأناة بين ذراعيه القويتين، ممسكاً بها بقوة لتستمد الأمان من صدره العريض، ووضعها في الكرسي الأمامي للسيارة بحذر، وقفل الأبواب. ثم اتجه بسيارته بسرعة نحو منزل العائلة الكبير لأنه ببساطة لا يعرف عنوان منزلها ولا يمكنه تركها في هذه الحالة المرعبة وحدها. في تلك اللحظة بالقصر، كانت لين تجلس في الحديقة الواسعة وحدها تشرب العصير وتنتظر أخبار خطتها، وعندما انفتح الباب الخارجي ودخل خالد وهو يحمل نور الشاحبة كالاموات بين ذراعيه ووجهه يقطر غضباً، انتفضت لين من مكانها وانطلقت نحوهما بسرعة والذعر يأكلها. اقتربت وهي في حالة ذهول وصدمة تامة، وعيناها معلّقتان بنور التي كانت ما تزال ترتجف بعنف وتبكي بصمت والغطاء يلفها وثيابها تظهر ممزقة من الأطراف. توقفت أمامهما وقالت بنبرة خائفة وقلق مميت: _ يا إلهي! ماذا حدث لها؟ ما بها نور؟ تكلّم يا خالد! لم يجب خالد عليها مباشرة ولم ينظر إليها حتى، بل كان منشغلاً بكليته وبكل حواسه بمحاولة تهدئة نور وتثبيت جسدها المرتجف بحنان بين ذراعيه لئلا تسقط. ثم قال بصوت منخفض وحاد يملؤه القهر: _ سأشرح لكِ كل شيء لاحقاً يا لين... امسكي الباب، إنها ليست بخير أبداً وتكاد تفقد وعيها. تراجعت لين قليلًا وهي تراقبهما برعب وقلق حقيقي، ثم فتحت له الطريق بسرعة وصعدت معه. دخل خالد إلى الداخل بخطوات واسعة وسريعة، وصعد الأدراج متجهاً مباشرة إلى جناح لين وريان الخاص لتوفر الراحة والخصوصية، ثم وضع نور على السرير الوثير برفق شديد وعناية فائقة كأنها زهرة نادرة. سحب الغطاء القطني الثقيل عليها حتى رقبتها ليمنحها الدفء، لكنها ظلت منكمشة بالكامل على نفسها في زاوية السرير، ترتجف كالسعفة وتبكي بصمت مرير وعيناها غارقتان. وقف خالد لحظة قرب رأسها، ينظر إليها بعجز تام وقلة حيلة واضحة لم يعهدها في نفسه قط، بينما كان التوتر والقهر يسيطران على ملامحه الرجولية المشدودة وعروق عنقه بارزة. وبقيت لين عند الباب تضع يدها على فمها تراقب المشهد بصمت خائف، وقلبها مثقل بالقلق والغموض، بينما خيّم على الغرفة شعور ثقيل وكئيب لا يقطعه سوى أنفاس نور المتقطعة والباكية... خرج خالد من الغرفة أخيراً ليعطيها مساحة، فأغلقت لين الباب وراءها واتجهت نحوه بسرعة، وفي تلك اللحظة كان ريان قد نزل من مكتبه بعد أن سمع الجلبة والصوت. اجتمع الثلاثة في الممر، فقالت لين بقلق حارق وعينين دامعتين: _ خالد! أرجوك تكلم، ماذا حدث لنور؟ ما بها وثيابها هكذا؟ أجاب خالد بصوت حاد،_ "سأشرح لاحقاً… لكنها ليست بخير." أجاب خالد بصوت حاد: _ لقد حاول حقير اغتصابها. تفاجأ ريان ولين، وساد الصمت للحظات من شدة الصدمة، ثم قالت لين بسرعة: _ من؟ من فعل ذلك لعلّه من اعداء نور ؟ فبدأ خالد يصفه ، وفجأة صاحت لين : _ هذا سيف! بالتأكيد ذلك الحقير! فقال ريان متفاجئاً: _ أليس خطيبها السابق؟ أجابت لين: _ نعم، لقد انفصلت عنه بعد معرفتها بخيانته لها، وكان يريد الانتقام منها بسبب تركها له. اشتدّ الغضب داخل خالد أكثر، وكأن الكلمات الأخيرة كانت كافية لإشعال ما تبقّى من هدوئه، فقبض على يده بقوة، ثم أدار وجهه قليلاً كأنه يحاول السيطرة على انفعاله حتى لا ينفجر من جديد. تقدّم ريان خطوة نحوه محاولاً تهدئته، وقال بصوت منخفض: _ الآن الأهم هو نور… يجب أن نطمئن عليها أولاً. أومأ خالد بصمت، لكن ملامحه كانت لا تزال مشدودة ومليئة بالغضب والقلق في آن واحد، فلم يكن عقله يفكر إلا في نور، وفي الحالة التي كانت عليها عندما حملها بين ذراعيه. في الداخل، كانت نور لا تزال في الغرفة، منكمشة على نفسها فوق السرير، ترتجف بصمت وتبكي دون توقف، وكانت كل ذكرى مما حدث تعود إليها دفعة واحدة، فتجعل أنفاسها تتسارع أكثر. اقتربت لين منها بحذر، وجلست بجانبها، ثم وضعت يدها على كتفها برفق وقالت بصوت خافت: _ نور… أنتِ بأمان الآن، لا أحد سيؤذيكِ. لكن نور لم تستطع الرد، فقط ازدادت دموعها، ودفنت وجهها بين يديها وكأنها تحاول الهروب من العالم كله. في الخارج، كان خالد لا يزال واقفاً، ينظر نحو الباب المغلق، وكأن عينيه تريدان اختراقه والوصول إليها، وكان يشعر بالعجز لأول مرة منذ بداية الموقف، وهذا الشعور كان يزعجه أكثر من الغضب نفسه. خرجت لين من الغرفة، فسألها خالد بلهفة: _ هل هي بخير؟ أجابت لين بهدوء: _ أتمنى ذلك… لقد نامت الآن.أومأت نور موافقة دون تردد، ولملمت ملفات المشروع بدقة ثم انطلقت. ومع حلول الليل، وصلت إلى الفندق الفخم الذي سيقام فيه الاجتماع في إحدى قاعاته الخاصة. وما إن دخلت القاعة حتى انقبض قلبها؛ فقد لاحظت أنها المرأة الوحيدة بين عدد كبير من الرجال. كانت الطاولات مليئة بكؤوس الخمر، والضحكات المرتفعة الصاخبة تملأ المكان بطريقة مريبة.حافظت نور على هدوئها المهني وجلست في مكانها، ثم فتحت الملفات وبدأت تشرح تفاصيل المشروع بكل احترافية وثبات. لكن لم يمضِ وقت طويل حتى قطع حبل أفكارها اقتراب أحد المستثمرين الشباب؛ كان حسن المظهر وثرياً، إلا أن نظراته المتفحصة كانت تحمل شيئاً دنيئاً جعلها تشعر بالاشمئزاز.ابتسم الرجل ابتسامة جانبية خبيثة وقال وهو يزيح أوراقها:_ "آنستي الجميلة... الحياة ليست عملاً وجدية فقط. هيا، اشربي معنا نخب هذه الصفقة أولاً." أجابته نور بثبات ونبرة جافة:_ "آسفة، أنا لا أشرب الخمر، وأنا هنا بصفتي مساعدة السيد خالد لمناقشة تفاصيل المشروع فقط. أرجو أن نحافظ على حدود الاحترام بيننا."ضحك الرجل بسخرية مستفزة، ثم اقترب منها أكثر وهمس بصوت منخفض ومقزز:_ "ا
لكن لين لم تتحمل رؤية صديقة عمرها وتوأم روحها في هذا الموقف المحرج؛ فنهضت من مكانها بسرعة فائقة وقبل الجميع، واندفعت نحو السلم لتمسك بيد نور بحنان، وضد ضحكات الخالات، نظرت لين إليهن بنظرة حازمة أسكتت الجميع، ثم التفتت إلى نور وقالت لها ضاحكة بنبرة ممتلئة بالحب والدفء لتنقذها:_ "يا إلهي يا نور! ما زلتِ تعشقين قميص الدب هذا؟ أقسم أنكِ تبدين الليلة الماضية واليوم كألطف عروس رأيتها في حياتي! تعالي، الجوع كافر وأنا لن أتناول إفطاري بدون صديقتي المقربة."في هذه الأثناء، وقف خالد هو الآخر بهدوء تام وبسرعة بديهته المعهودة، مكملاً ما فعلته لين ليفرض احترام زوجته أمام العائلة، وقال بنبرة رجولية دافئة:_ "لين معها حق يا نور، لا داعي للهروب.. تبدين بخير، والجوع لا ينتظر تغيير الملابس. اجلسي بجانبي."أنزلت كلمات لين وخالد السكينة على قلب نور المسكينة. تنهدت بارتياح وذهبت مع لين التي سحبتها من يدها وجعلتها تجلس بجانب خالد، بينما تولت لين سكب العصير لها ووضع الفطائر في طبقها وهي تغمز لها بمرح لتنسيها الإحراج.صعدت نور إلى الأعلى بسرعة البرق بمجرد أن انتهى الفطور لتتخلص من بقا
استدار ريان متوجهاً نحو الشرفة الكبيرة بخطوات ثقيلة، موليّاً إياها ظهره ليتيح لها فرصة ستر نفسها، بينما كان يقبض بيده على سياج الشرفة الحديدي بعنف، محاولاً إطفاء النيران التي تكاد تحرق صدره، منتظراً اللحظة التي سيتواجهان فيها وجهاً لوجه دون أقنعة. أما في غرفة خالد، فقد انقضت دقائق التوتر الثقيلة قبل أن تنفتح أبواب الحمام ببطء. خرجت نور وهي ترتدي ملابسها المريحة البسيطة، وكانت دقات قلبها تتسارع بفعل الخوف والحرج الشديد الذي كان يملأ كيانها في هذه الليلة الأولى لهما معاً. نظرت بطرف عينيها نحو الغرفة الهادئة، فوجدت خالداً مستلقياً على السرير بجسده الرياضي المرتخي، يراقب شاشة هاتفه بهدوء تام دون أن يرفع عينيه لكي لا يزيد من إحراجها. ابتلعت نور ريقها، وتوجهت نحوه بخطوات مترددة، ثم وقفت قريباً من طرف السرير وسألته بنبرة خافتة تكاد تُسمع: _ "أين سأنام؟" أهبط خالد هاتفه قليلاً، ونظر إليها بنظرات دافئة خالية من أي ضغط أو مكر، وأجابها بصوته الرزين المريح: _ "إن أردتِ، نامي على السرير وأنا معكِ، أو يمكنني أن آخذ وسادتي وأنام أنا على الأريكة.
انتهى الحفل الصاخب وأُغلقت قاعة الاحتفال الكبرى، ليتوجه كل شخص إلى غرفته تاركاً خلفه أضواء الثريات الكريستالية المتلألئة. كانت لين تمشي في ممرات القصر الطويلة بخطوات متثاقلة، ينهش التعب جسدها من أثر السهرة الطويلة والإشراف على الضيوف، لكن الإرهاق الأكبر كان في عقلها وقلبها؛ حيث كانت أفكارها مبعثرة ومحترقة بسبب ريان، كلماته الحادة، وقبلته العاصفة التي ما زالت تستشعر حرارتها على شفتيها.دخلت غرفتها وأغلقت الباب خلفها، متنهدةً بارتياح ظاهري بحثاً عن ملاذ آمن يخفف عنها عبء هذه الليلة. بدأت لين في تغيير ملابسها ونزعت فستانها الأنيق بالفعل، وفجأة، ومن دون سابق إنذار أو طرقة باب واحدة، انفتح الباب واندفع ريان إلى داخل الغرفة كالإعصار!جفلت لين وتراجعت خطوة إلى الخلف، واتسعت عيناها بصدمة وخوف حاولت جاهدة إخفاءه، وحملت فستانها بسرعة تحاول أن تغطي به جسدها وقليلاً من عريها المفاجئ أمام نظراته المتفحصة. لكن ريان لم يمنحها فرصة للتفكير؛ تقدم بخطوات واسعة وحاسمة، وعيناه تشتعلان ببريق مظلم يمزج بين الغيرة والتملك، ولم يتوقف حتى حاصرها تماماً بين جسده الضخم والجدار، حارماً إياها من أي مف
وفي هذه الأثناء، وسط الحشود والمهنئين وأضواء الثريات الكريستالية المتلألئة، كان هناك إعصار آخر يدور في الخفاء؛ إذ كانت لين تبدو كالحورية الليلة، ترتدي فستاناً أنيقاً يبرز جمالها الهادئ وتتنقل بوقار لتشرف على راحة الضيوف، ولم تكن تعلم أن هناك عينين صقريتين لريان يراقب كل التفاتة منها وكل ابتسامة توزعها على الحاضرين. ثلاثة أيام من النوم على الأريكة واحتراق عقله بلغز "أليكس" جعلت ريان يصل لقمة جنونه وغليان دمه غيرَةً وتملكاً. استغل ريان لحظة وقوف لين بمفردها قريباً من ممر الشرفة الهادئ، فتقدم بخطوات سريعة وحاسمة وحاصرها بجسده الضخم خلف أحد الأعمدة الكبيرة، هامساً بنبرة رجولية حادة تفيض بالوعيد: "ثلاثة أيام يا لين.. ثلاثة أيام تظنين فيها أنكِ انتصرتِ ببرودكِ؟ انظري إليّ عندما أحدثكِ، فمهما طال صمتي وكبريائي، لن يتغير واقع أنكِ الليلة وكل ليلة.. ملكي أنا وحدي!" التقت عيناهما في مواجهة نارية صامتة، لين تخفي برودها دقات قلبها العنيفة، وريان يحاول بكبريائه إخفاء حيرته وعذابه. لم تمنحْه لين جواباً، بل رفعت ذقنها بكبرياء ونظرت في عينيه بنظرة باردة تحدّت بها ثورته، وكأنها تخبره أن كل
ألقى ريان نظرة سريعة نحو لين، فوجدها ترتشف عصيرها ببرود شديد، وعلى شفتيها الكرزيتين ابتسامة سخونة ونصر لا تخفى عليه، وكأنها تستمتع برؤيته يتخبط في صدماته وإحراجه واحدة تلو الأخرى.حاول ريان تدارك الموقف وتغطية ملامح الذهول، فتنحنح وعدل من جلسته وقال بصوت رجولي هادئ محاولاً استعادة وقاره:_ "أوه.. مبارك لكِ يا نور، صدمتني المفاجأة فقط لأنني لم أكن أعلم بالترتيبات.. وخالد رجل شهم وس يصونكِ حتماً. أهلاً بك يا مصطفى مجدداً في بيتك، اعذرني على سوء الفهم قبل قليل.. فـ ضغوط العمل في الشركة جعلتني مشتت الذهن بعض الشيء اليوم."نظر إليه مصطفى بذكاء كأنه فهم خلفيات تلك الغيرة لكنه مرر الموقف بلطف قائلاً: "لا عليك يا سيد ريان، مقدر تماماً.".وفجأة، قطع هذا التوتر الصامت رنين هاتف ريان المصحوب باهتزاز قوي. شعر براحة داخلية لأن هذا الاتصال جاء في وقته لينقذه من نظرات لين الساخرة التي كانت ترتشف عصيرها ببرود تام وتراقب تخبطه بنصر خفي.استأذن ريان بصوت رجولي جاف، ووقف مبتعداً عن الطاولة ببضع خطوات ليجيب على الهاتف. كان المتصل مساعده الشخصي الذي كلفه بالبحث، وجاء صوته جاداً وسريعاً عبر الخط:_ "سي







