LOGINتنفّس ريان وقال مازحاً:
_ كنت أعتقد أن خالد سيتزوجها لأرتاح منها… ثم توقف فجأة، وكأن فكرة خطرت بباله، وقال بجدية: _ هل ستصبح نور مقيمة معنا في البيت؟ ضحكت لين على تفاجئه وقالت: _ نعم، نعم. ثم نهضت ودخلت إلى المنزل، وتبعها ريان بعد لحظات، لكنهم لم يكونوا يعلمون أن هناك عيوناً كانت تراقبهم منذ البداية… كانت أمل تقف بعيداً، وقد قررت الانسحاب عندما أدركت أن وجودها لم يعد يؤثر على ريان، لكنها الآن، وبنظرة حادة، همست لنفسها: _ يا ريان… لن أتركك بهذه السهولة. وفي الداخل، اجتمعت العائلة حول مائدة الغداء، ورحّب الجد بنور بحرارة بعد أن علم بما حدث لها، وحرص على الاطمئنان عليها، فشكرته بابتسامة خافتة قبل أن تعود إلى صمتها. تبادل الجميع أطراف الحديث، محاولين إضفاء جو من الألفة، حتى لا تشعر نور بثقل ما مرت به، وفجأة، التفتت العمة ياسمين إلى لين وقالت بابتسامة واسعة: _ لين، أريد أن أصبح جدة... ألا تفكران في إنجاب الأطفال؟ تجمدت لين في مكانها، واتسعت عيناها بدهشة، بينما تفاجأ ريان هو الآخر بالسؤال، فقد كان يعلم أن علاقتهما لم تصل إلى تلك المرحلة بعد، ولم يسبق لهما حتى مناقشة الأمر. ابتسمت لين بتوتر وقالت: _ في الحقيقة... لم نفكر في إنجاب الأطفال بعد. ثم سارعت إلى تغيير مجرى الحديث وهي تشير إلى خالد قائلة: _ ولماذا لا يتزوج خالد أولاً؟ دعه هو ينجب الأطفال، أما أنا وريان فما زلنا صغيرين. التفت إليها خالد رافعاً أحد حاجبيه، وقال مستنكراً: _ أتظنين أنني كبير في السن؟ أنا وريان في العمر نفسه! انفجرت نور ضاحكة، فضحك الجميع معها، بينما احمرّ وجه لين من شدة الإحراج. أما ريان، فاكتفى بابتسامة هادئة وهو ينظر إلى لين، ووحدها كانت تعلم الحقيقة... فمهما تطورت علاقتهما، كانت تشعر في أعماقها أنها لا تزال بعيدة عن التفكير في الأطفال، وهو ما جعل سؤال ياسمين يثقل قلبها أكثر مما أظهرته على وجهها. صعدت لين إلى غرفتها، وما إن دخلت حتى لحق بها ريان وأغلق الباب خلفه، ثم اقترب منها حتى حاصرها في زاوية الغرفة، ووضع يديه حول خصرها وهو ينظر إليها مبتسماً وقال: _ أحقاً لا تفكرين في إنجاب الأطفال؟ صدمت لين من كلامه وقبل أن تجيبه حملها ووضعها فوق السرير واقترب من وجهها وقال: _ أنا أريد ذلك. تفاجأت لين أكثر ثم اقترب ليقبلها، فازداد ارتباكها، ووضعت إصبعها على شفتيه مقاطعةً قبلته، وقالت بابتسامة خجولة: _ ليس الآن... أنسيت أنني في دورتي الشهرية؟ تنهد ريان بخيبة أمل واضحة، بينما ضحكت لين بخفة وهي تدفعه برفق بعيداً عنها، ثم أخرجت لسانها بمشاكسة، مما جعله يهز رأسه مبتسماً رغم استسلامه للأمر. مرّ يومان ونور تقضيهما في بيت جد ريان وخالد، وفي اليوم الثالث حسمت أمرها وقررت تجهيز حقائبها للعودة إلى منزلها، خاصة وأن مقابلة العمل المنتظرة ستكون في هذا اليوم بالذات. في الصباح، استيقظت بنشاط، وارتدت أجمل ما عندها، وكانت مستعدة تماماً للانطلاق إلى المقابلة، على أن تعود إلى بيتها مباشرة بعدها. وقفت في الأسفل تنتظر سيارة أجرة، وبينما كانت غارقة في أفكارها العميقة، ارتطمت بشخص ما فجأة، فتراجعت خطوة للوراء وقالت بتذمر: _ آه! كم أنتم أغبياء أيها الرجال! وكان هذا الشخص قد أمسك بها بسرعة قبل أن تسقط، ولكن ما إن سمع كلماتها حتى أفلتها ببرود، ففقدت توازنها وسقطت أرضاً، ليتسبب السقوط في كسر كعب حذائها! صاحت بألم وذهول: _ ماذا؟! لماذا فعلت هذا؟! رفعت رأسها لتجده خالد واقفاً يضحك بسخرية، فنهضت وهي تصرخ بغضب: _ ماذا سأفعل الآن؟! لماذا فعلت هذا؟! أجابها ببرود وهو ما زال يضحك بطريقة أشعلت غيظها: _ أنا لم أفعل شيئاً.. فقط شعرتُ فجأة بأنني غبي، لذلك أفلتكِ! كادت نور أن تعود إلى المنزل لتبديل حذائها، لكن الوقت داهمها ولم تعد تملك ترف الشجار معه، وهَم خالد بالمغادرة متوجهاً إلى سيارته، فأوقفته وهي تتصنع البراءة والرجاء: _ خالد، أرجوك لا أملك وقتاً.. هل يمكنك إيصالي إلى مكان المقابلة؟ وافق خالد قائلاً: _ بالتأكيد. فرحت نور وظنت أنها نجت، ولكن عندما اقتربت وهمّت بالصعود بحذائها المكسور، ضغط خالد على دواسة الوقود وتحرك بالسيارة فجأة! وأخرج يده من النافذة يلوح لها وهو يبتسم قائلاً: _ الرجال أغبياء! لا تثقي بأحد بعد الآن! تضاعف غضب نور حتى شعرت أن رأسها سينفجر، فأمسكت بحجر من الأرض ورمته خلف السيارة وهي تشتمه بحنق، فقد تسبب في تأخيرها وكسر حذائها أيضاً. استجمعت شتات نفسها وأوقفت سيارة أجرة أخرى وانطلقت. أمام الشركة ، نزلت نور من السيارة وهي تعدل ملابسها، وتدندن بالشتائم على خالد، محاولة السير بثبات وتوازن رغم حذائها المكسور. دخلت إلى قاعة الانتظار، فجذبت انتباهها أحاديث الفتيات القريبتين منها، حيث قالت إحداهن بنبرة قلقة: _ إن المدير صعب الإرضاء جداً، لقد رفض العديد من الموظفين لأسباب تافهة وبسيطة!أومأت نور موافقة دون تردد، ولملمت ملفات المشروع بدقة ثم انطلقت. ومع حلول الليل، وصلت إلى الفندق الفخم الذي سيقام فيه الاجتماع في إحدى قاعاته الخاصة. وما إن دخلت القاعة حتى انقبض قلبها؛ فقد لاحظت أنها المرأة الوحيدة بين عدد كبير من الرجال. كانت الطاولات مليئة بكؤوس الخمر، والضحكات المرتفعة الصاخبة تملأ المكان بطريقة مريبة.حافظت نور على هدوئها المهني وجلست في مكانها، ثم فتحت الملفات وبدأت تشرح تفاصيل المشروع بكل احترافية وثبات. لكن لم يمضِ وقت طويل حتى قطع حبل أفكارها اقتراب أحد المستثمرين الشباب؛ كان حسن المظهر وثرياً، إلا أن نظراته المتفحصة كانت تحمل شيئاً دنيئاً جعلها تشعر بالاشمئزاز.ابتسم الرجل ابتسامة جانبية خبيثة وقال وهو يزيح أوراقها:_ "آنستي الجميلة... الحياة ليست عملاً وجدية فقط. هيا، اشربي معنا نخب هذه الصفقة أولاً." أجابته نور بثبات ونبرة جافة:_ "آسفة، أنا لا أشرب الخمر، وأنا هنا بصفتي مساعدة السيد خالد لمناقشة تفاصيل المشروع فقط. أرجو أن نحافظ على حدود الاحترام بيننا."ضحك الرجل بسخرية مستفزة، ثم اقترب منها أكثر وهمس بصوت منخفض ومقزز:_ "ا
لكن لين لم تتحمل رؤية صديقة عمرها وتوأم روحها في هذا الموقف المحرج؛ فنهضت من مكانها بسرعة فائقة وقبل الجميع، واندفعت نحو السلم لتمسك بيد نور بحنان، وضد ضحكات الخالات، نظرت لين إليهن بنظرة حازمة أسكتت الجميع، ثم التفتت إلى نور وقالت لها ضاحكة بنبرة ممتلئة بالحب والدفء لتنقذها:_ "يا إلهي يا نور! ما زلتِ تعشقين قميص الدب هذا؟ أقسم أنكِ تبدين الليلة الماضية واليوم كألطف عروس رأيتها في حياتي! تعالي، الجوع كافر وأنا لن أتناول إفطاري بدون صديقتي المقربة."في هذه الأثناء، وقف خالد هو الآخر بهدوء تام وبسرعة بديهته المعهودة، مكملاً ما فعلته لين ليفرض احترام زوجته أمام العائلة، وقال بنبرة رجولية دافئة:_ "لين معها حق يا نور، لا داعي للهروب.. تبدين بخير، والجوع لا ينتظر تغيير الملابس. اجلسي بجانبي."أنزلت كلمات لين وخالد السكينة على قلب نور المسكينة. تنهدت بارتياح وذهبت مع لين التي سحبتها من يدها وجعلتها تجلس بجانب خالد، بينما تولت لين سكب العصير لها ووضع الفطائر في طبقها وهي تغمز لها بمرح لتنسيها الإحراج.صعدت نور إلى الأعلى بسرعة البرق بمجرد أن انتهى الفطور لتتخلص من بقا
استدار ريان متوجهاً نحو الشرفة الكبيرة بخطوات ثقيلة، موليّاً إياها ظهره ليتيح لها فرصة ستر نفسها، بينما كان يقبض بيده على سياج الشرفة الحديدي بعنف، محاولاً إطفاء النيران التي تكاد تحرق صدره، منتظراً اللحظة التي سيتواجهان فيها وجهاً لوجه دون أقنعة. أما في غرفة خالد، فقد انقضت دقائق التوتر الثقيلة قبل أن تنفتح أبواب الحمام ببطء. خرجت نور وهي ترتدي ملابسها المريحة البسيطة، وكانت دقات قلبها تتسارع بفعل الخوف والحرج الشديد الذي كان يملأ كيانها في هذه الليلة الأولى لهما معاً. نظرت بطرف عينيها نحو الغرفة الهادئة، فوجدت خالداً مستلقياً على السرير بجسده الرياضي المرتخي، يراقب شاشة هاتفه بهدوء تام دون أن يرفع عينيه لكي لا يزيد من إحراجها. ابتلعت نور ريقها، وتوجهت نحوه بخطوات مترددة، ثم وقفت قريباً من طرف السرير وسألته بنبرة خافتة تكاد تُسمع: _ "أين سأنام؟" أهبط خالد هاتفه قليلاً، ونظر إليها بنظرات دافئة خالية من أي ضغط أو مكر، وأجابها بصوته الرزين المريح: _ "إن أردتِ، نامي على السرير وأنا معكِ، أو يمكنني أن آخذ وسادتي وأنام أنا على الأريكة.
انتهى الحفل الصاخب وأُغلقت قاعة الاحتفال الكبرى، ليتوجه كل شخص إلى غرفته تاركاً خلفه أضواء الثريات الكريستالية المتلألئة. كانت لين تمشي في ممرات القصر الطويلة بخطوات متثاقلة، ينهش التعب جسدها من أثر السهرة الطويلة والإشراف على الضيوف، لكن الإرهاق الأكبر كان في عقلها وقلبها؛ حيث كانت أفكارها مبعثرة ومحترقة بسبب ريان، كلماته الحادة، وقبلته العاصفة التي ما زالت تستشعر حرارتها على شفتيها.دخلت غرفتها وأغلقت الباب خلفها، متنهدةً بارتياح ظاهري بحثاً عن ملاذ آمن يخفف عنها عبء هذه الليلة. بدأت لين في تغيير ملابسها ونزعت فستانها الأنيق بالفعل، وفجأة، ومن دون سابق إنذار أو طرقة باب واحدة، انفتح الباب واندفع ريان إلى داخل الغرفة كالإعصار!جفلت لين وتراجعت خطوة إلى الخلف، واتسعت عيناها بصدمة وخوف حاولت جاهدة إخفاءه، وحملت فستانها بسرعة تحاول أن تغطي به جسدها وقليلاً من عريها المفاجئ أمام نظراته المتفحصة. لكن ريان لم يمنحها فرصة للتفكير؛ تقدم بخطوات واسعة وحاسمة، وعيناه تشتعلان ببريق مظلم يمزج بين الغيرة والتملك، ولم يتوقف حتى حاصرها تماماً بين جسده الضخم والجدار، حارماً إياها من أي مف
وفي هذه الأثناء، وسط الحشود والمهنئين وأضواء الثريات الكريستالية المتلألئة، كان هناك إعصار آخر يدور في الخفاء؛ إذ كانت لين تبدو كالحورية الليلة، ترتدي فستاناً أنيقاً يبرز جمالها الهادئ وتتنقل بوقار لتشرف على راحة الضيوف، ولم تكن تعلم أن هناك عينين صقريتين لريان يراقب كل التفاتة منها وكل ابتسامة توزعها على الحاضرين. ثلاثة أيام من النوم على الأريكة واحتراق عقله بلغز "أليكس" جعلت ريان يصل لقمة جنونه وغليان دمه غيرَةً وتملكاً. استغل ريان لحظة وقوف لين بمفردها قريباً من ممر الشرفة الهادئ، فتقدم بخطوات سريعة وحاسمة وحاصرها بجسده الضخم خلف أحد الأعمدة الكبيرة، هامساً بنبرة رجولية حادة تفيض بالوعيد: "ثلاثة أيام يا لين.. ثلاثة أيام تظنين فيها أنكِ انتصرتِ ببرودكِ؟ انظري إليّ عندما أحدثكِ، فمهما طال صمتي وكبريائي، لن يتغير واقع أنكِ الليلة وكل ليلة.. ملكي أنا وحدي!" التقت عيناهما في مواجهة نارية صامتة، لين تخفي برودها دقات قلبها العنيفة، وريان يحاول بكبريائه إخفاء حيرته وعذابه. لم تمنحْه لين جواباً، بل رفعت ذقنها بكبرياء ونظرت في عينيه بنظرة باردة تحدّت بها ثورته، وكأنها تخبره أن كل
ألقى ريان نظرة سريعة نحو لين، فوجدها ترتشف عصيرها ببرود شديد، وعلى شفتيها الكرزيتين ابتسامة سخونة ونصر لا تخفى عليه، وكأنها تستمتع برؤيته يتخبط في صدماته وإحراجه واحدة تلو الأخرى.حاول ريان تدارك الموقف وتغطية ملامح الذهول، فتنحنح وعدل من جلسته وقال بصوت رجولي هادئ محاولاً استعادة وقاره:_ "أوه.. مبارك لكِ يا نور، صدمتني المفاجأة فقط لأنني لم أكن أعلم بالترتيبات.. وخالد رجل شهم وس يصونكِ حتماً. أهلاً بك يا مصطفى مجدداً في بيتك، اعذرني على سوء الفهم قبل قليل.. فـ ضغوط العمل في الشركة جعلتني مشتت الذهن بعض الشيء اليوم."نظر إليه مصطفى بذكاء كأنه فهم خلفيات تلك الغيرة لكنه مرر الموقف بلطف قائلاً: "لا عليك يا سيد ريان، مقدر تماماً.".وفجأة، قطع هذا التوتر الصامت رنين هاتف ريان المصحوب باهتزاز قوي. شعر براحة داخلية لأن هذا الاتصال جاء في وقته لينقذه من نظرات لين الساخرة التي كانت ترتشف عصيرها ببرود تام وتراقب تخبطه بنصر خفي.استأذن ريان بصوت رجولي جاف، ووقف مبتعداً عن الطاولة ببضع خطوات ليجيب على الهاتف. كان المتصل مساعده الشخصي الذي كلفه بالبحث، وجاء صوته جاداً وسريعاً عبر الخط:_ "سي







