LOGINأغلقت نور الهاتف وقلبها يخفق بطريقة غريبة، بينما بقي خالد ينظر إلى شاشة هاتفه والابتسامة لا تفارق وجهه، وهو يفكر في ملامحها غداً عندما تكتشف الحقيقة في مكتبه.
وضعت نور الهاتف جانباً وهي تتنفس الصعداء، وعادت بتركيز كامل إلى حاسوبها لتضع اللمسات الأخيرة على مشروعها. كانت الأفكار تتدفق في رأسها بنشاط، وكلما تذكرت كلمات خالد عن "المدير المنظم والصارم" زادت من دقة التفاصيل، حتى نامت أخيراً فوق مكتبها من شدة التعب والجهد. في الصباح الباكر، استيقظت نور على صوت المنبه؛ قفزت بلهفة، ارتدت بدلتها الرسمية الأنيقة بعد أن تأكدت تماماً من سلامة حذائها الجديد، ثم انطلقت متوجهة إلى مقر الشركة والتوتر ينهش قلبها. ما إن خطت داخل الشركة حتى توجهت مباشرة إلى قاعة الاجتماعات الكبرى حيث كانت لجنة التحكيم تجلس بانتظارها. وقفت بثبات، وبدأت في عرض أفكارها ومشروعها بذكاء مفرط وثقة عالية لفتت أنظار جميع الحاضرين، وكانت تجيب عن أدق الأسئلة بطلاقة أذهلت اللجنة. وفجأة، فُتح الباب الخلفي للقاعة، فساد الصمت وتراجع الموظفون باحترام، ليدخل رجل يرتدي حلة سوداء فاخرة تنضح بالهيبة والوقار. لم تلتفت نور في البداية، وظلت مركزة على الشاشة وهي تقول بنبرة واثقة: _ "وبناءً على هذه الدراسة، فإن الأرباح المتوقعة للربع الأول ستتضاعف..." فقاطعها صوت مألوف جداً قائلاً بعمق: _ "تحليل ممتاز، وقراءة ذكية للمؤشرات." تجمّدت نور في مكانها؛ فهذا الصوت ليس غريباً عليها أبداً! التفتت ببطء شديد، لتتسع عيناها بصدمة ألجمت لسانها. كان خالد يقف هناك، واضعاً يديه في جيبي بنطاله، والابتسامة الجذابة والماكرة التي تعرفها جيداً ترتسم على شفتيه. صاح أحد أعضاء اللجنة مرحباً: _ "أهلاً بك يا سيد خالد.. كنا نناقش عرض الآنسة نور." نظرت إليه نور بذهول، وهَمست بنبرة غير مسموعة من شدة الصدمة: _ "أنت؟! أنت هو المدير؟! الخبير والمنظم والوسيم؟!" تقدم خالد بخطوات هادئة حتى وقف أمامها مباشرة، ونظر إلى عينيها المتسعتين قائلاً بنبرة هادئة حملت الكثير من التسلية: _ "نعم يا نور... أنا هو المدير السيئ، المنظم، الذي يكره التقاعس... والحمد لله أنني وسيم كما أكدتُ لكِ بالأمس في الهاتف!" احمرّ وجه نور حتى كاد يشتعل إحراجاً، وتمنت لو أن الأرض تنشق وتبتلعها في تلك اللحظة؛ تذكرت أسئلتها الصامتة والعلنية، ورسائلها، وكيف مدح نفسه أمامها بكل ثقة! تراجع الموظفون بذكاء وانسحبوا من القاعة ليتركوا لهما المساحة، فالتفتت نور بحدة وقالت بارتباك يحاول الاختباء خلف الغضب: _ "أنت خدعتني! كنت تعلم كل شيء وصمتَّ لتسخر مني في مكتبي!" ضحك خالد بخفة، واقترب منها خطوة إضافية قائلاً بنبرة صادقة: _ "لم أخدعكِ، أنتِ من سألتني إن كنت أعمل هنا، وأنا بالفعل أعمل في شركتي. ثم إن عرضكِ اليوم كان مذهلاً حقاً... وأنتِ مقبولة رسمياً لتكوني المساعدة الأولى في مكتبي الخاص." نظرت إليه بشك يحميه التوتر: _ "مساعدة لك؟ أم لتمارس عليّ سلطتك وتنتقم للحجر الذي رميته خلف سيارتك؟" فقال بابتسامة مستفزة: _ "نعم، يمكنني التفكير في الانتقام." مرّ أسبوع كامل على هذا الحال. اعتادت نور على كونها مساعدة خالد، وبدأت ترتاح في التعامل معه تدريجياً، فهو لم يعاملها بسوء أو ينتقم منها أبداً كما كانت تخشى، بل على العكس، كان يوجهها بلطف ويحاط بظلها في العمل بكثير من الاهتمام والاحترام، مما جعل التوتر الذي بينهما يذوب يوماً بعد يوم. أما لين، فقد قضت أسبوعاً كاملاً وهي تنتظر ريان أن يعود أو يتصل، كانت تجلس في غرفتها والوقت يمر عليها كأنه دهر، وقلبها معلق بأمل واهن. في المقابل، كان ريان غارقاً في أفكاره السوداء وشكوكه التي لم تتركه ينام. وفي تلك اللحظة، اتصل به مساعده الخاص مجدداً وقال: _ "سيدي.. لقد بحثتُ في كل ماضي السيدة لين، ولكن لا يوجد أي شخص بهذا الاسم إطلاقاً في سجلاتها." أجابه ريان بغضب مكتوم وعناد أعمى: _ "ابحث أكثر! بالتأكيد هناك شخص ما يخفي نفسه! لا يمكن أن تكتب كل هذا لشخص وهمي!" ثم أغلق الخط في وجهه بعصبية. وبدافع من كبريائه الجريح وغضبه الذي لم يهدأ بعد، أمسك هاتفه وأرسل إلى لين رسالة نصية باردة قال فيها: _ "سأحضر أوراق الطلاق قريباً، ويمكنكِ بعدها أن تعيشي حياتكِ كما تشائين.. ففي الأخير، نحن لم يربط بيننا أي شيء." قرأت لين الرسالة، وفوراً امتلأت عيناها بالدموع التي انهمرت على وجنتيها بحرقة. همست بصوت مكسور: _ "لم يربط بيننا شيء؟ صحيح.. هو لم يربطه معي أي شيء ويريد الطلاق بهذه السهولة.. ولكن ماذا عن حبي؟ ماذا عن السنوات التي ضاع فيها قلبي لشخص ظنّه رجلاً آخر وهو أمامه؟" حاولت لين بقلب يرتجف وأصابع مرتجفة أن تكتب له رسالة طويلة توضح له فيها الحقيقة كاملة، وتشرح له من هو "أليكس" وكيف أن هذا الاسم لم يكن سوى لقب له هو منذ أن كانت في الرابعة عشرة من عمرها.. لكنها عندما ضغطت على زر الإرسال، تفاجأت بأن الرسالة لم تصل، لتكتشف بصدمة أكبر أنه قام بحظرها من كل مكان!أومأت نور موافقة دون تردد، ولملمت ملفات المشروع بدقة ثم انطلقت. ومع حلول الليل، وصلت إلى الفندق الفخم الذي سيقام فيه الاجتماع في إحدى قاعاته الخاصة. وما إن دخلت القاعة حتى انقبض قلبها؛ فقد لاحظت أنها المرأة الوحيدة بين عدد كبير من الرجال. كانت الطاولات مليئة بكؤوس الخمر، والضحكات المرتفعة الصاخبة تملأ المكان بطريقة مريبة.حافظت نور على هدوئها المهني وجلست في مكانها، ثم فتحت الملفات وبدأت تشرح تفاصيل المشروع بكل احترافية وثبات. لكن لم يمضِ وقت طويل حتى قطع حبل أفكارها اقتراب أحد المستثمرين الشباب؛ كان حسن المظهر وثرياً، إلا أن نظراته المتفحصة كانت تحمل شيئاً دنيئاً جعلها تشعر بالاشمئزاز.ابتسم الرجل ابتسامة جانبية خبيثة وقال وهو يزيح أوراقها:_ "آنستي الجميلة... الحياة ليست عملاً وجدية فقط. هيا، اشربي معنا نخب هذه الصفقة أولاً." أجابته نور بثبات ونبرة جافة:_ "آسفة، أنا لا أشرب الخمر، وأنا هنا بصفتي مساعدة السيد خالد لمناقشة تفاصيل المشروع فقط. أرجو أن نحافظ على حدود الاحترام بيننا."ضحك الرجل بسخرية مستفزة، ثم اقترب منها أكثر وهمس بصوت منخفض ومقزز:_ "ا
لكن لين لم تتحمل رؤية صديقة عمرها وتوأم روحها في هذا الموقف المحرج؛ فنهضت من مكانها بسرعة فائقة وقبل الجميع، واندفعت نحو السلم لتمسك بيد نور بحنان، وضد ضحكات الخالات، نظرت لين إليهن بنظرة حازمة أسكتت الجميع، ثم التفتت إلى نور وقالت لها ضاحكة بنبرة ممتلئة بالحب والدفء لتنقذها:_ "يا إلهي يا نور! ما زلتِ تعشقين قميص الدب هذا؟ أقسم أنكِ تبدين الليلة الماضية واليوم كألطف عروس رأيتها في حياتي! تعالي، الجوع كافر وأنا لن أتناول إفطاري بدون صديقتي المقربة."في هذه الأثناء، وقف خالد هو الآخر بهدوء تام وبسرعة بديهته المعهودة، مكملاً ما فعلته لين ليفرض احترام زوجته أمام العائلة، وقال بنبرة رجولية دافئة:_ "لين معها حق يا نور، لا داعي للهروب.. تبدين بخير، والجوع لا ينتظر تغيير الملابس. اجلسي بجانبي."أنزلت كلمات لين وخالد السكينة على قلب نور المسكينة. تنهدت بارتياح وذهبت مع لين التي سحبتها من يدها وجعلتها تجلس بجانب خالد، بينما تولت لين سكب العصير لها ووضع الفطائر في طبقها وهي تغمز لها بمرح لتنسيها الإحراج.صعدت نور إلى الأعلى بسرعة البرق بمجرد أن انتهى الفطور لتتخلص من بقا
استدار ريان متوجهاً نحو الشرفة الكبيرة بخطوات ثقيلة، موليّاً إياها ظهره ليتيح لها فرصة ستر نفسها، بينما كان يقبض بيده على سياج الشرفة الحديدي بعنف، محاولاً إطفاء النيران التي تكاد تحرق صدره، منتظراً اللحظة التي سيتواجهان فيها وجهاً لوجه دون أقنعة. أما في غرفة خالد، فقد انقضت دقائق التوتر الثقيلة قبل أن تنفتح أبواب الحمام ببطء. خرجت نور وهي ترتدي ملابسها المريحة البسيطة، وكانت دقات قلبها تتسارع بفعل الخوف والحرج الشديد الذي كان يملأ كيانها في هذه الليلة الأولى لهما معاً. نظرت بطرف عينيها نحو الغرفة الهادئة، فوجدت خالداً مستلقياً على السرير بجسده الرياضي المرتخي، يراقب شاشة هاتفه بهدوء تام دون أن يرفع عينيه لكي لا يزيد من إحراجها. ابتلعت نور ريقها، وتوجهت نحوه بخطوات مترددة، ثم وقفت قريباً من طرف السرير وسألته بنبرة خافتة تكاد تُسمع: _ "أين سأنام؟" أهبط خالد هاتفه قليلاً، ونظر إليها بنظرات دافئة خالية من أي ضغط أو مكر، وأجابها بصوته الرزين المريح: _ "إن أردتِ، نامي على السرير وأنا معكِ، أو يمكنني أن آخذ وسادتي وأنام أنا على الأريكة.
انتهى الحفل الصاخب وأُغلقت قاعة الاحتفال الكبرى، ليتوجه كل شخص إلى غرفته تاركاً خلفه أضواء الثريات الكريستالية المتلألئة. كانت لين تمشي في ممرات القصر الطويلة بخطوات متثاقلة، ينهش التعب جسدها من أثر السهرة الطويلة والإشراف على الضيوف، لكن الإرهاق الأكبر كان في عقلها وقلبها؛ حيث كانت أفكارها مبعثرة ومحترقة بسبب ريان، كلماته الحادة، وقبلته العاصفة التي ما زالت تستشعر حرارتها على شفتيها.دخلت غرفتها وأغلقت الباب خلفها، متنهدةً بارتياح ظاهري بحثاً عن ملاذ آمن يخفف عنها عبء هذه الليلة. بدأت لين في تغيير ملابسها ونزعت فستانها الأنيق بالفعل، وفجأة، ومن دون سابق إنذار أو طرقة باب واحدة، انفتح الباب واندفع ريان إلى داخل الغرفة كالإعصار!جفلت لين وتراجعت خطوة إلى الخلف، واتسعت عيناها بصدمة وخوف حاولت جاهدة إخفاءه، وحملت فستانها بسرعة تحاول أن تغطي به جسدها وقليلاً من عريها المفاجئ أمام نظراته المتفحصة. لكن ريان لم يمنحها فرصة للتفكير؛ تقدم بخطوات واسعة وحاسمة، وعيناه تشتعلان ببريق مظلم يمزج بين الغيرة والتملك، ولم يتوقف حتى حاصرها تماماً بين جسده الضخم والجدار، حارماً إياها من أي مف
وفي هذه الأثناء، وسط الحشود والمهنئين وأضواء الثريات الكريستالية المتلألئة، كان هناك إعصار آخر يدور في الخفاء؛ إذ كانت لين تبدو كالحورية الليلة، ترتدي فستاناً أنيقاً يبرز جمالها الهادئ وتتنقل بوقار لتشرف على راحة الضيوف، ولم تكن تعلم أن هناك عينين صقريتين لريان يراقب كل التفاتة منها وكل ابتسامة توزعها على الحاضرين. ثلاثة أيام من النوم على الأريكة واحتراق عقله بلغز "أليكس" جعلت ريان يصل لقمة جنونه وغليان دمه غيرَةً وتملكاً. استغل ريان لحظة وقوف لين بمفردها قريباً من ممر الشرفة الهادئ، فتقدم بخطوات سريعة وحاسمة وحاصرها بجسده الضخم خلف أحد الأعمدة الكبيرة، هامساً بنبرة رجولية حادة تفيض بالوعيد: "ثلاثة أيام يا لين.. ثلاثة أيام تظنين فيها أنكِ انتصرتِ ببرودكِ؟ انظري إليّ عندما أحدثكِ، فمهما طال صمتي وكبريائي، لن يتغير واقع أنكِ الليلة وكل ليلة.. ملكي أنا وحدي!" التقت عيناهما في مواجهة نارية صامتة، لين تخفي برودها دقات قلبها العنيفة، وريان يحاول بكبريائه إخفاء حيرته وعذابه. لم تمنحْه لين جواباً، بل رفعت ذقنها بكبرياء ونظرت في عينيه بنظرة باردة تحدّت بها ثورته، وكأنها تخبره أن كل
ألقى ريان نظرة سريعة نحو لين، فوجدها ترتشف عصيرها ببرود شديد، وعلى شفتيها الكرزيتين ابتسامة سخونة ونصر لا تخفى عليه، وكأنها تستمتع برؤيته يتخبط في صدماته وإحراجه واحدة تلو الأخرى.حاول ريان تدارك الموقف وتغطية ملامح الذهول، فتنحنح وعدل من جلسته وقال بصوت رجولي هادئ محاولاً استعادة وقاره:_ "أوه.. مبارك لكِ يا نور، صدمتني المفاجأة فقط لأنني لم أكن أعلم بالترتيبات.. وخالد رجل شهم وس يصونكِ حتماً. أهلاً بك يا مصطفى مجدداً في بيتك، اعذرني على سوء الفهم قبل قليل.. فـ ضغوط العمل في الشركة جعلتني مشتت الذهن بعض الشيء اليوم."نظر إليه مصطفى بذكاء كأنه فهم خلفيات تلك الغيرة لكنه مرر الموقف بلطف قائلاً: "لا عليك يا سيد ريان، مقدر تماماً.".وفجأة، قطع هذا التوتر الصامت رنين هاتف ريان المصحوب باهتزاز قوي. شعر براحة داخلية لأن هذا الاتصال جاء في وقته لينقذه من نظرات لين الساخرة التي كانت ترتشف عصيرها ببرود تام وتراقب تخبطه بنصر خفي.استأذن ريان بصوت رجولي جاف، ووقف مبتعداً عن الطاولة ببضع خطوات ليجيب على الهاتف. كان المتصل مساعده الشخصي الذي كلفه بالبحث، وجاء صوته جاداً وسريعاً عبر الخط:_ "سي







