Share

الفصل 26

last update publish date: 2026-07-25 20:11:55

فأعاد الدفتر إلى الدرج وهو يحاول كتم غضبه العارم وغليانه الداخلي. في تلك اللحظة دَفعت لين الباب ودخلت، فجذبها ريان نحو صدره بقوة شديدة ودفعها بغضب أعمى نحو السرير، فتفاجأت لين من حركته العنيفة والمفاجئة، واقترب هو منها حتى تلاحمت أنفاسهما الحارقة، وهمس في أذنها بنبرة تقطر هزءاً وغضباً:

_ أتحبينه إلى هذه الدرجة؟!

​صدمت لين من كلامه، ونظرت إليه برعب قائلة:

_ ماذا؟ عن ماذا تتحدث؟!

​اقترب ريان أكثر من أذنها ونطق بالاسم الذي زلزل كيانها:

_ أليكس!

سمعت لين الاسم فتجمدت الدماء في عروقها ولم تقو على الرد، وعندما رأى صمتها وذهولها، استنتج أن ظنونه صحيحة، فقال بغضب مكتوم يكاد يخنق حنجرته:

_ ألهذا السبب كلما اقتربتُ منكِ تمنعينني؟! تريدين أن تحافظي على نفسكِ من أجله؟!

​نظرت لين في عينيه المتوهجتين بغضب حارق، مما زاد من رعبها، فقالت بنبرة مرتجفة:

_ لا.. أنا...

​لكنه قاطعها بعنف، مستسلماً لغيرته وغضبه، وهوى يقبلها بقوة شديدة بينما كان صدره يعلو ويهبط من شدة الانفعال، فحاولت لين دفعه وهي تصرخ بخوف:

_ ريان! توقف!

​لكن نبرة صوتها المستغيثة أشعلت غضبه أكثر، فمضى يفتح أزرار فستانها دون وعي، وحاولت لين المقاومة بكل ما أوتيت من قوة لكن بنيته كانت أقوى، وعندما شعرت بيده تلامس صدرها ، تملكها الذعر الشديد، وبحركة لا إرادية رفعت يدها وضربته بصفعة قوية على وجهه، وصرخت فيه وعيناها تفيضان بالدموع:

_ قلت لك توقف!

​تراجع ريان خطوة للوراء، وعلامات الصدمة والجهد على وجهه، ثم أغلق أزرار قميصه بملامح متصلبة، وقال بنبرة باردة وجارحة:

_ إن كنتِ تحبينه إلى هذه الدرجة.. فيمكنكِ أن تعودي إليه!

​ثم التفت وخرج من الغرفة صافقاً الباب خلفه. ضمت لين ساقيها إلى صدرها، وانفجرت في بكاء مرير وهستيري وهي تتذكر الماضي.. تتذكر أول مرة رأت فيها ريان؛ كانت وقتها في الرابعة عشرة من عمرها، تتوجه إلى المتجر لتشتري بعض الأشياء، واكتشفت عند الدفع أنها نسيت نقودها وشعرت بإحراج قاتل أمام البائع، وفي تلك اللحظة، كان ريان قد عاد لتوه من الولايات المتحدة الأمريكية، فتدخل ودفع ثمن أغراضها لإنقاذها من الموقف. التفتت إليه لين وقتها بإعجاب شديد، وفي تلك الأثناء سمعت شخصاً ينادي خلفه: "سيد أليكس! سيد أليكس!"، فظنت خطأً أن اسمه أليكس، بينما كان النداء لشخص آخر هناك، ومنذ تلك اللحظة علق الاسم والوجه في قلبها، وفرحت أكثر عندما علمت لاحقاً أنه ابن عمها، فكتبت مذكراتها الطويلة عنه مستخدمة اسم "أليكس"؛ لأنها كانت تخشى دائماً أن يقع الدفتر في يد أحد فيكشف أمر حبها العظيم له. لكن السخرية القاتلة، أن ريان نفسه هو من قرأ هذه المذكرات الآن، وهو من يظن أن "أليكس" رجل آخر يشاركه قلب زوجته!

​ظلت لين تبكي بشدة وبحرقة حتى غلبها التعب ونامت في مكانها منكمشة على نفسها. وفي الخارج، خرج ريان وعيناه تتطاير منهما الشرار، فأمسك هاتفه واتصل بمساعده الخاص، وأمره بصوت صارم:

_ ابحث في كل تفاصيل حياة لين.. أريد كل شيء عن شخص يدعى أليكس!

​ثم ركب سيارته وانطلق بغضب أعمى متوجهاً إلى منزله الآخر في المنطقة المجاورة، تاركاً خلفه سوء فهم يحرق الأخضر واليابس. غرق ريان في ظلام غضبه طوال الليل، يجرع كؤوس الأفكار السوداء التي نهشت عقله، ولم يغمض له جفن في منزله الآخر، وكان كل ما يراه أمامه هو جسد لين المرتجف تحت ضربات ثورته، والاسم اللعين "أليكس" الذي بات كالجمرة تكوي كبرياءه.

أما نور، فقد وصلت إلى شقتها، وألقت بحقيبتها جانباً، ثم جلست على مكتبها بجدية وبدأت تنجز المشروع والعرض التقديمي الذي ستقدمه غداً في الشركة. كانت تعمل بحماس والتوتر يرافقها، وبعد ساعات من التركيز تذكرت خالد، فابتسمت وأمسكت هاتفها لتتصل به. وفي الجانب الآخر، كان خالد يمسك هاتفه وينتظر اتصالها بفارغ الصبر، وما إن ظهر اسمها على الشاشة حتى رد بسرعة قائلاً:

_ نعم؟

قالت نور بنبرة رقيقة:

_ مرحباً خالد.. أرجوك، أنا أحتاج مساعدتك.

تنهد خالد براحة وقال بنبرة هادئة:

_ نعم، يمكنكِ سؤالي في أي وقت.

طرحت نور سؤالها الأول المتعلق بأوقات العمل والزملاء في الشركة، فأجابها خالد بكل وضوح وتفصيل. وعندما سألته بفضول عن خصال المدير وطباعه، ابتسم خالد وقال وهو يصف نفسه بكل ثقة:

_ المدير إنسان منظم جداً، وأهم شيء بالنسبة له هو احترام توقيت العمل من دون أي تقاعس أو إهمال.

كانت نور تدون كل كلمة يقولها بجدية، ثم سألته بفضول ومشاكسة:

_ خالد.. هل هو حقاً وسيم وغير متزوج كما يقال؟

اتسعت ابتسامة خالد وضحك بخفة على سؤالها وعفويتها، ثم قال:

_ نعم.. إنه وسيم جداً، وغير متزوج.

ثم سألها بمكر ونبرة مستفزة:

_ لكن لماذا تسألين؟ هل تفكرين في الزواج منه؟

ارتبكت نور وتلعثمت في كلامها، واحمرّت وجنتاها وهي تجيب بسرعة:

_ ماذا؟! بالتأكيد لا! أنا فقط أسأل لكي أعرف مع من أتعامل وكيف أتصرف معه غداً.. شكراً جزيلاً لك على كل هذه المساعدات يا خالد.

فأجابها بنبرة دافئة:

_ لا شكر على واجب.. تصبحين على خير.

ردت بنبرة هادئة:

_ تصبح على خير.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • انتي ملكي    الفصل 39

    أومأت نور موافقة دون تردد، ولملمت ملفات المشروع بدقة ثم انطلقت. ومع حلول الليل، وصلت إلى الفندق الفخم الذي سيقام فيه الاجتماع في إحدى قاعاته الخاصة. وما إن دخلت القاعة حتى انقبض قلبها؛ فقد لاحظت أنها المرأة الوحيدة بين عدد كبير من الرجال. كانت الطاولات مليئة بكؤوس الخمر، والضحكات المرتفعة الصاخبة تملأ المكان بطريقة مريبة.حافظت نور على هدوئها المهني وجلست في مكانها، ثم فتحت الملفات وبدأت تشرح تفاصيل المشروع بكل احترافية وثبات. لكن لم يمضِ وقت طويل حتى قطع حبل أفكارها اقتراب أحد المستثمرين الشباب؛ كان حسن المظهر وثرياً، إلا أن نظراته المتفحصة كانت تحمل شيئاً دنيئاً جعلها تشعر بالاشمئزاز.ابتسم الرجل ابتسامة جانبية خبيثة وقال وهو يزيح أوراقها:_ "آنستي الجميلة... الحياة ليست عملاً وجدية فقط. هيا، اشربي معنا نخب هذه الصفقة أولاً." أجابته نور بثبات ونبرة جافة:_ "آسفة، أنا لا أشرب الخمر، وأنا هنا بصفتي مساعدة السيد خالد لمناقشة تفاصيل المشروع فقط. أرجو أن نحافظ على حدود الاحترام بيننا."ضحك الرجل بسخرية مستفزة، ثم اقترب منها أكثر وهمس بصوت منخفض ومقزز:_ "ا

  • انتي ملكي    الفصل 38

    لكن لين لم تتحمل رؤية صديقة عمرها وتوأم روحها في هذا الموقف المحرج؛ فنهضت من مكانها بسرعة فائقة وقبل الجميع، واندفعت نحو السلم لتمسك بيد نور بحنان، وضد ضحكات الخالات، نظرت لين إليهن بنظرة حازمة أسكتت الجميع، ثم التفتت إلى نور وقالت لها ضاحكة بنبرة ممتلئة بالحب والدفء لتنقذها:_ "يا إلهي يا نور! ما زلتِ تعشقين قميص الدب هذا؟ أقسم أنكِ تبدين الليلة الماضية واليوم كألطف عروس رأيتها في حياتي! تعالي، الجوع كافر وأنا لن أتناول إفطاري بدون صديقتي المقربة."​في هذه الأثناء، وقف خالد هو الآخر بهدوء تام وبسرعة بديهته المعهودة، مكملاً ما فعلته لين ليفرض احترام زوجته أمام العائلة، وقال بنبرة رجولية دافئة:_ "لين معها حق يا نور، لا داعي للهروب.. تبدين بخير، والجوع لا ينتظر تغيير الملابس. اجلسي بجانبي."أنزلت كلمات لين وخالد السكينة على قلب نور المسكينة. تنهدت بارتياح وذهبت مع لين التي سحبتها من يدها وجعلتها تجلس بجانب خالد، بينما تولت لين سكب العصير لها ووضع الفطائر في طبقها وهي تغمز لها بمرح لتنسيها الإحراج.صعدت نور إلى الأعلى بسرعة البرق بمجرد أن انتهى الفطور لتتخلص من بقا

  • انتي ملكي     الفصل 37

    استدار ريان متوجهاً نحو الشرفة الكبيرة بخطوات ثقيلة، موليّاً إياها ظهره ليتيح لها فرصة ستر نفسها، بينما كان يقبض بيده على سياج الشرفة الحديدي بعنف، محاولاً إطفاء النيران التي تكاد تحرق صدره، منتظراً اللحظة التي سيتواجهان فيها وجهاً لوجه دون أقنعة. ​أما في غرفة خالد، فقد انقضت دقائق التوتر الثقيلة قبل أن تنفتح أبواب الحمام ببطء. خرجت نور وهي ترتدي ملابسها المريحة البسيطة، وكانت دقات قلبها تتسارع بفعل الخوف والحرج الشديد الذي كان يملأ كيانها في هذه الليلة الأولى لهما معاً. ​نظرت بطرف عينيها نحو الغرفة الهادئة، فوجدت خالداً مستلقياً على السرير بجسده الرياضي المرتخي، يراقب شاشة هاتفه بهدوء تام دون أن يرفع عينيه لكي لا يزيد من إحراجها. ابتلعت نور ريقها، وتوجهت نحوه بخطوات مترددة، ثم وقفت قريباً من طرف السرير وسألته بنبرة خافتة تكاد تُسمع: _ "أين سأنام؟" ​أهبط خالد هاتفه قليلاً، ونظر إليها بنظرات دافئة خالية من أي ضغط أو مكر، وأجابها بصوته الرزين المريح: _ "إن أردتِ، نامي على السرير وأنا معكِ، أو يمكنني أن آخذ وسادتي وأنام أنا على الأريكة.

  • انتي ملكي    الفصل 36

    انتهى الحفل الصاخب وأُغلقت قاعة الاحتفال الكبرى، ليتوجه كل شخص إلى غرفته تاركاً خلفه أضواء الثريات الكريستالية المتلألئة. كانت لين تمشي في ممرات القصر الطويلة بخطوات متثاقلة، ينهش التعب جسدها من أثر السهرة الطويلة والإشراف على الضيوف، لكن الإرهاق الأكبر كان في عقلها وقلبها؛ حيث كانت أفكارها مبعثرة ومحترقة بسبب ريان، كلماته الحادة، وقبلته العاصفة التي ما زالت تستشعر حرارتها على شفتيها.​دخلت غرفتها وأغلقت الباب خلفها، متنهدةً بارتياح ظاهري بحثاً عن ملاذ آمن يخفف عنها عبء هذه الليلة. بدأت لين في تغيير ملابسها ونزعت فستانها الأنيق بالفعل، وفجأة، ومن دون سابق إنذار أو طرقة باب واحدة، انفتح الباب واندفع ريان إلى داخل الغرفة كالإعصار!​جفلت لين وتراجعت خطوة إلى الخلف، واتسعت عيناها بصدمة وخوف حاولت جاهدة إخفاءه، وحملت فستانها بسرعة تحاول أن تغطي به جسدها وقليلاً من عريها المفاجئ أمام نظراته المتفحصة. لكن ريان لم يمنحها فرصة للتفكير؛ تقدم بخطوات واسعة وحاسمة، وعيناه تشتعلان ببريق مظلم يمزج بين الغيرة والتملك، ولم يتوقف حتى حاصرها تماماً بين جسده الضخم والجدار، حارماً إياها من أي مف

  • انتي ملكي    الفصل 35

    وفي هذه الأثناء، وسط الحشود والمهنئين وأضواء الثريات الكريستالية المتلألئة، كان هناك إعصار آخر يدور في الخفاء؛ إذ كانت لين تبدو كالحورية الليلة، ترتدي فستاناً أنيقاً يبرز جمالها الهادئ وتتنقل بوقار لتشرف على راحة الضيوف، ولم تكن تعلم أن هناك عينين صقريتين لريان يراقب كل التفاتة منها وكل ابتسامة توزعها على الحاضرين. ثلاثة أيام من النوم على الأريكة واحتراق عقله بلغز "أليكس" جعلت ريان يصل لقمة جنونه وغليان دمه غيرَةً وتملكاً. استغل ريان لحظة وقوف لين بمفردها قريباً من ممر الشرفة الهادئ، فتقدم بخطوات سريعة وحاسمة وحاصرها بجسده الضخم خلف أحد الأعمدة الكبيرة، هامساً بنبرة رجولية حادة تفيض بالوعيد: "ثلاثة أيام يا لين.. ثلاثة أيام تظنين فيها أنكِ انتصرتِ ببرودكِ؟ انظري إليّ عندما أحدثكِ، فمهما طال صمتي وكبريائي، لن يتغير واقع أنكِ الليلة وكل ليلة.. ملكي أنا وحدي!" التقت عيناهما في مواجهة نارية صامتة، لين تخفي برودها دقات قلبها العنيفة، وريان يحاول بكبريائه إخفاء حيرته وعذابه. لم تمنحْه لين جواباً، بل رفعت ذقنها بكبرياء ونظرت في عينيه بنظرة باردة تحدّت بها ثورته، وكأنها تخبره أن كل

  • انتي ملكي    الفصل 34

    ألقى ريان نظرة سريعة نحو لين، فوجدها ترتشف عصيرها ببرود شديد، وعلى شفتيها الكرزيتين ابتسامة سخونة ونصر لا تخفى عليه، وكأنها تستمتع برؤيته يتخبط في صدماته وإحراجه واحدة تلو الأخرى.​حاول ريان تدارك الموقف وتغطية ملامح الذهول، فتنحنح وعدل من جلسته وقال بصوت رجولي هادئ محاولاً استعادة وقاره:_ "أوه.. مبارك لكِ يا نور، صدمتني المفاجأة فقط لأنني لم أكن أعلم بالترتيبات.. وخالد رجل شهم وس يصونكِ حتماً. أهلاً بك يا مصطفى مجدداً في بيتك، اعذرني على سوء الفهم قبل قليل.. فـ ضغوط العمل في الشركة جعلتني مشتت الذهن بعض الشيء اليوم."​نظر إليه مصطفى بذكاء كأنه فهم خلفيات تلك الغيرة لكنه مرر الموقف بلطف قائلاً: "لا عليك يا سيد ريان، مقدر تماماً.".​وفجأة، قطع هذا التوتر الصامت رنين هاتف ريان المصحوب باهتزاز قوي. شعر براحة داخلية لأن هذا الاتصال جاء في وقته لينقذه من نظرات لين الساخرة التي كانت ترتشف عصيرها ببرود تام وتراقب تخبطه بنصر خفي.​استأذن ريان بصوت رجولي جاف، ووقف مبتعداً عن الطاولة ببضع خطوات ليجيب على الهاتف. كان المتصل مساعده الشخصي الذي كلفه بالبحث، وجاء صوته جاداً وسريعاً عبر الخط:_ "سي

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status