登入كان الطريق إلى المنزل أطول من المعتاد...
ليس لأن المسافة تغيرت، بل لأن أفكار سارة كانت أثقل من أن تسمح لها بالشعور بالوقت. كانت كلمات ليلى تتردد في رأسها بلا توقف. *"نحن نسكن في العمارة نفسها..."* *"أراه كل يوم..."* *"سيكون زوجي يومًا ما."* هزت رأسها أكثر من مرة محاولة التخلص من تلك الأفكار، لكنها كانت تعود في كل مرة بإلحاح أكبر. هل كانت ليلى تبالغ؟ أم أن هناك فعلًا شيئًا تخفيه؟ تنهدت وهي تعبر الزقاق الشعبي المؤدي إلى المنزل، ثم توقفت عند محل صغير اعتادت شراء عشاءها منه. ــ سندويش جبن... مع الطماطم والخيار، من فضلك. دفعت ثمنه، وأكملت طريقها حتى وصلت إلى المنزل. ألقت التحية على صاحبة المنزل، ثم صعدت إلى الطابق العلوي حيث غرفتها الصغيرة. قبل أن تدخل، وقفت للحظة أمام الطاولة الرخامية الموجودة في الممر. كانت لا تتجاوز مترًا ونصف، تتوسطها مغسلة قديمة، لكنها خالية تمامًا من أي أدوات مطبخ. لا أطباق... لا أكواب... ولا حتى غلاية صغيرة. منذ أن انتقلت إلى هنا، كانت تعتمد على الطعام الجاهز في كل وجباتها. لم يكن ذلك خيارًا تحبه، لكنه كان الحل الوحيد في غرفة لا تسمح حتى بإعداد كوب شاي. فتحت الباب ودخلت. أغلقت الباب خلفها، ثم وضعت حقيبتها على السرير وخلعت حذاءها بتعب. بدلت ملابس العمل بملابس منزلية مريحة، ثم حملت منشفتها واتجهت نحو الحمام المشترك. لحسن حظها... كانت الغرفة المجاورة ما تزال فارغة. منذ وصولها إلى هذا المنزل وهي تستفيد وحدها من الحمام، وكأنه جزء من غرفتها. لكنها كانت تعلم أن الأمر لن يدوم طويلًا. سيأتي يوم تؤجر فيه صاحبة المنزل الغرفة. وسيصبح عليها أن تتشارك المكان مع شخص غريب... وربما تضطر إلى انتظار دورها كل صباح. دخلت الحمام، وأغلقت الباب خلفها. انساب الماء الساخن فوق كتفيها، فتسلل إليه شيء من الراحة. شعرت وكأن الماء يغسل عنها تعب العمل... وضجيج الشارع... وحتى الأفكار التي أرهقتها منذ خروجها من الشركة. أغمضت عينيها لثوانٍ طويلة. كانت تحتاج إلى هذه الدقائق أكثر مما كانت تتخيل. ... بعد نحو نصف ساعة، عادت إلى غرفتها وقد بدا وجهها أكثر ارتياحًا. جلست فوق سريرها الصغير، وأسندت ظهرها إلى الحائط. فتحت كيس السندويش، وأخذت قضمة صغيرة وهي تتصفح هاتفها بلا تركيز. كانت صور الأصدقاء... والإعلانات... ومنشورات مواقع التواصل تمر أمامها، لكنها لم تكن ترى شيئًا منها. كلما أوشكت على نسيان ما قالته ليلى... عاد صوتها يتردد في رأسها من جديد. رن الهاتف فجأة. ارتجفت يدها قليلًا. نظرت إلى الشاشة... **أشرف.** تسارعت دقات قلبها. وفي اللحظة نفسها... عاد ذلك الشك الذي حاولت الهرب منه طوال الطريق. هل يخرج معها فعلًا؟ هل ينتظر اتصالها، بينما يفعل الشيء نفسه مع ليلى؟ بقي الهاتف يرن. كانت أصابعها معلقة فوق الشاشة. تجيب... أم تتركه يرن؟ وقبل أن ينقطع الاتصال، تذكرت فجأة... هي من طلبت منه أن يتصل بها مساء الجمعة حتى يخططا للقاء الغد. أغمضت عينيها للحظة، ثم ضغطت زر الإجابة. ــ ألو... وما إن وصلها صوته حتى شعرت بأن شيئًا في داخلها هدأ. ــ مساء الخير يا سارة. كان صوته كما تتذكره دائمًا... هادئًا... ودافئًا... ذلك الدفء الذي كان، في الماضي، قادرًا على تبديد أسوأ أيامها بكلمة واحدة. ارتسمت ابتسامة صغيرة على شفتيها دون أن تشعر. ــ مساء النور. ساد بينهما صمت قصير. ليس صمت الغرباء... بل صمت شخصين يعرف كل منهما الآخر جيدًا، ويبحث عن الكلمات المناسبة بعد غياب طويل. قطع أشرف الصمت وهو يضحك بخفة. ــ كنت أنتظر هذه المكالمة منذ أن خرجت من الشركة. رفعت حاجبيها باستغراب. ــ حقًا؟ ــ أقسم لك... طوال اليوم وأنا أفكر فقط متى ينتهي الدوام حتى أتصل بك. حتى زميلي لاحظ أنني شارِد أكثر من المعتاد. ضحكت لأول مرة منذ عودتها إلى المنزل. ــ لم أتوقع أن تكون متحمسًا إلى هذه الدرجة. ــ وكيف لا أكون؟ سكت لحظة، ثم قال بصوت أكثر هدوءًا: ــ اشتقت إليك كثيرًا يا سارة... كلمات قليلة... لكنها كانت كافية لتعيد إليها سنوات كاملة. أخفضت رأسها، وشعرت بحرارة تسري في وجنتيها. كم مرة حلمت أن تسمع هذه الجملة منه من جديد؟ همست بصوت خافت: ــ وأنا أيضًا... اشتقت إليك. ساد صمت آخر. لكنه هذه المرة كان مليئًا بالحنين. بدأ أشرف يحدثها عن أيامه في العمل، وعن ضغط الشركة، وعن المواقف الطريفة التي حدثت خلال الأسبوع، بينما كانت هي تستمع إليه بابتسامة صادقة، وتشاركه أخبارها هي الأخرى. كان الحديث يسير بسهولة... وكأن المسافة التي فصلتهما طوال تلك الأشهر لم تكن موجودة أصلًا. ثم قال بحماس واضح: ــ بالمناسبة... كنت أفكر في شيء. ــ ماذا؟ ــ كنا سنلتقي غدًا في مقهى، أليس كذلك؟ ــ نعم. ــ لكن... ما رأيك أن نغير الخطة؟ ابتسمت وهي تسأله بفضول: ــ وكيف؟ ــ بدل أن نجلس ساعة أو ساعتين ثم يعود كل منا إلى منزله... ما رأيك أن نقضي اليوم كله معًا؟ صمتت تستمع. أكمل بحماس طفولي لم تستمع إليه في صوته منذ سنوات: ــ نستكشف ضواحي المدينة... نتمشى... نتغدى معًا... وربما نزور أماكن لم يسبق لأي منا أن رآها. توقفت سارة عن الأكل. كانت الفكرة أجمل بكثير مما توقعت. كم مضى منذ آخر مرة خرجت معه في موعد حقيقي؟ منذ أيام الجامعة... منذ أن كانا يهربان من ضغط المحاضرات ليقضيا ساعات طويلة يتجولان في الشوارع، ويتحدثان عن أحلامهما التي بدت آنذاك قريبة المنال. ابتسمت وهي تشعر بأن قلبها عاد أخيرًا إلى نبضه الطبيعي. ــ أعجبتني الفكرة... بل أعجبتني كثيرًا. ابتسم أشرف ابتسامة شعرت بها رغم أنها لم ترها. ــ إذن اتفقنا. غدًا... لن يكون مجرد لقاء. سيكون يومًا نعوض فيه كل ما فاتنا. أغمضت سارة عينيها وهي تستمع إليه. وللمرة الأولى منذ أن سمعت حديث ليلى... اختفت كل شكوكها للحظات. أو هكذا ظنت...ظلت سارة تحدق في هاتفها، بينما كان اقتراح أشرف يتردد في رأسها بإلحاح. أن تبيت في شقته؟ لم تكن الفكرة مريحة تمامًا، ليس لأنها لا تثق به، بل لأن وجودها معه في مكان واحد، وفي هذا الوقت المتأخر، جعل قلبها أكثر اضطرابًا مما ينبغي. لكنها، مهما حاولت التفكير في الأمر، لم تجد أمامها خيارًا آخر. ففي هذه المدينة الكبيرة، لم يكن هناك سوى شخصين يمكنها اللجوء إليهما إن احتاجت إلى مساعدة؛ قريبتها رقية وأشرف. أما رقية، فلم يكن من اللائق أن تتصل بها في هذا الوقت المتأخر. كانت سارة متأكدة أنها، لو عرفت بما حدث، ستأتي فورًا لمرافقتها، رغم أن سكنها بعيد عن المكان. ولم تكن تريد إزعاجها، خصوصًا أنها ما زالت تشعر بالامتنان لكل ما فعلته من أجلها منذ وصولها إلى المدينة؛ فقد كانت رقية السبب في حصولها على هذه الوظيفة، وهي من ساعدتها في العثور على الغرفة التي تسكنها الآن. تنهدت سارة. لم يبقَ أمامها سوى أشرف. ــ ألو؟ جاء صوته عبر الهاتف، وكأنه انتشلها من أفكارها. ــ نعم؟ ــ هل أعود إليك؟ ترددت لحظة، ثم قالت بصوت خافت: ــ حسنًا... نعم. ــ سأجدك عند مدخل الحي. لم يمض وقت طويل حتى ظهرت
غادرا السوق الصغير ببطء، بينما كانت سارة تنظر إلى السوار بين الحين والآخر. لم تستطع إخفاء ابتسامتها. لاحظ أشرف ذلك، فضحك قائلًا: ــ يبدو أن الهدية أعجبتك أكثر مما تريدين الاعتراف. رفعت رأسها بسرعة. ــ لم أقل إنها لم تعجبني. ــ إذن؟ ــ لكنك لا تزال مسرفًا كما كنت. ضحك وهو يفتح باب السيارة لها. ــ وهل هناك إسراف في شراء شيء سيبقى معك؟ نظرت إلى السوار مرة أخرى. ــ سأحتفظ به. ــ هذا يكفيني. ... انطلقت السيارة من جديد، لكنهما لم يعودا مباشرة إلى المدينة. سلك أشرف طريقًا ضيقًا يمر بين الأشجار، حتى وصلا إلى نقطة مرتفعة تطل على سلسلة من الجبال المتداخلة. أوقف السيارة. ــ انزلي... أريد أن أريك مكانًا. ترجلت سارة، ثم سارت خلفه حتى وصلا إلى سور خشبي يطل على الوادي. كان المنظر يخطف الأنفاس. بدأت الشمس تميل نحو الغرب، وأخذت أشعتها الذهبية تنعكس فوق السفوح الخضراء، بينما كانت نسمات الهواء الباردة تحرك خصلات شعرها الطويل بهدوء. توقفت سارة إلى جانب أشرف دون أن تتكلم. التفت إليها، وفي اللحظة التي وقعت عيناه عليها، شعر بشيء يتغير في نظرته. كان يعرف أنها جميلة
لم تنم سارة تلك الليلة إلا لساعات قليلة. كلما أغمضت عينيها، وجدت نفسها تتخيل لقاء الغد، ثم تعود لتفتح عينيها من جديد وتنظر إلى شاشة هاتفها للتأكد من الوقت. ابتسمت لنفسها وهي تتنهد. منذ متى أصبحت تنتظر الصباح بهذه اللهفة؟ آخر مرة شعرت فيها بهذا الحماس كانت أيام الجامعة، حين كانت تخرج مع أشرف بعد انتهاء المحاضرات، يتجولان لساعات دون وجهة محددة، وكأن الوقت لا يملك سلطة عليهما. رن المنبه في السابعة صباحًا. لكنها كانت مستيقظة قبله بدقائق. وقفت أمام خزانتها الصغيرة، تحدق في ملابسها القليلة. أخرجت قميصًا أبيض، ثم أعادته مكانه. جربت فستانًا بسيطًا، ثم هزت رأسها. وفي النهاية اختارت بنطالًا جينز أزرق وقميصًا سماوي اللون، مع حذائها الرياضي الأبيض الذي كانت تحافظ عليه بعناية منذ سنوات. نظرت إلى نفسها في المرآة. ابتسمت. ــ جيد... لا أريد أن أبدو وكأنني بذلت جهدًا كبيرًا. ثم ضحكت من نفسها. ــ بينما فعلت ذلك فعلًا. ... في تمام التاسعة وخمسين دقيقة، كانت تقف أمام مبنى الشركة. الشارع هادئ على غير عادته في عطلة نهاية الأسبوع. كانت تنظر بين الحين والآخر إلى السيار
كان الطريق إلى المنزل أطول من المعتاد... ليس لأن المسافة تغيرت، بل لأن أفكار سارة كانت أثقل من أن تسمح لها بالشعور بالوقت. كانت كلمات ليلى تتردد في رأسها بلا توقف. *"نحن نسكن في العمارة نفسها..."* *"أراه كل يوم..."* *"سيكون زوجي يومًا ما."* هزت رأسها أكثر من مرة محاولة التخلص من تلك الأفكار، لكنها كانت تعود في كل مرة بإلحاح أكبر. هل كانت ليلى تبالغ؟ أم أن هناك فعلًا شيئًا تخفيه؟ تنهدت وهي تعبر الزقاق الشعبي المؤدي إلى المنزل، ثم توقفت عند محل صغير اعتادت شراء عشاءها منه. ــ سندويش جبن... مع الطماطم والخيار، من فضلك. دفعت ثمنه، وأكملت طريقها حتى وصلت إلى المنزل. ألقت التحية على صاحبة المنزل، ثم صعدت إلى الطابق العلوي حيث غرفتها الصغيرة. قبل أن تدخل، وقفت للحظة أمام الطاولة الرخامية الموجودة في الممر. كانت لا تتجاوز مترًا ونصف، تتوسطها مغسلة قديمة، لكنها خالية تمامًا من أي أدوات مطبخ. لا أطباق... لا أكواب... ولا حتى غلاية صغيرة. منذ أن انتقلت إلى هنا، كانت تعتمد على الطعام الجاهز في كل وجباتها. لم يكن ذلك خيارًا تحبه، لكنه كان الحل الوحيد في غرفة لا تسمح حتى بإعداد كو
انقضت الساعات الأخيرة من الدوام بهدوء على غير العادة. كانت سارة منهمكة في ترتيب الملفات التي كلفت بها، تراجع كل ورقة بعناية قبل أن تضعها في مكانها الصحيح، مستعينة بالملاحظات التي شرحها لها أيمن في الصباح. لم تكن المهمة سهلة، لكنها شعرت بشيء من الرضا وهي ترى آخر ملف يستقر فوق الكومة المرتبة أمامها. أغلقت الملف الأخير، ثم حملت الأوراق واتجهت إلى مكتب أيمن. ــ انتهيت. رفع أيمن رأسه عن شاشة الحاسوب، ثم أخذ الملفات منها وبدأ يقلبها بسرعة. توقفت سارة تراقب تعابير وجهه، تنتظر أن يعثر على خطأ ما. مرّت ثوانٍ بدت لها أطول من المعتاد. ثم أغلق آخر ملف، وأعاد ترتيبها كما كانت. ــ ممتاز... لم أجد أي ملاحظة. ارتسمت ابتسامة خفيفة على وجه سارة دون أن تشعر. ــ شكرًا. ــ يبدو أنك تتعلمين بسرعة، وهذا سيوفر علينا الكثير من الوقت لاحقًا. هزت رأسها بخجل، ثم عادت إلى مكتبها تجمع أغراضها استعدادًا للمغادرة. في الجهة الأخرى، كانت ريم قد أغلقت حاسوبها هي أيضًا. اقتربت منها وهي تحمل حقيبتها. ــ هيا؟ ابتسمت سارة. ــ هيا. خرجتا معًا من المكتب، وساد بينهما صمت مريح، قطعه صوت خطوات سريعة خلفهما. ـ
... كان الهواء الخارجي أكثر لطفًا من حرارة المكتب، والشمس تميل ببطء نحو الغروب، ناشرة لونًا برتقاليًا فوق المباني. سارت في الطريق المعتاد. أصبحت تحفظه عن ظهر قلب؛ البقالة عند الزاوية، محل الخضر، بائع الذرة، رائحة الخبز الساخن المنبعثة من الفرن الصغير، وضحكات الأطفال الذين يركضون بين الأزقة الضيقة. كانت هذه التفاصيل، رغم بساطتها، تجعل المكان يبدو أقل قسوة. اشترت قطعة خبز وبعض الجبن لتوفر ثمن وجبة كاملة، ثم تابعت سيرها وهي تفكر في مصاريف الأيام القادمة. "يجب أن أكون أكثر حذرًا... لم يبق معي الكثير." كلما اقتربت من الحي الذي تسكن فيه، تغيرت الأصوات. ازدادت ضوضاء الباعة، وتعالت أصوات الدراجات النارية، واختلطت روائح الطعام بروائح الدخان والغبار. ثم... سمعت صرخة. رفعت رأسها تلقائيًا. في منتصف الزقاق، كان شابان يتشاجران بعنف. تبادلا اللكمات وسط تجمع صغير من الناس. بعضهم يراقب بصمت. وآخرون يحاولون الفصل بينهما دون جدوى. توقفت سارة. لم تكن تملك طريقًا آخر إلى المنزل. ابتلعت ريقها، ثم قررت المرور بسرعة من جانب الجدار. "لن أنظر إليهما... فقط اعبري." شدت حق