登入انقضت الساعات الأخيرة من الدوام بهدوء على غير العادة.
كانت سارة منهمكة في ترتيب الملفات التي كلفت بها، تراجع كل ورقة بعناية قبل أن تضعها في مكانها الصحيح، مستعينة بالملاحظات التي شرحها لها أيمن في الصباح. لم تكن المهمة سهلة، لكنها شعرت بشيء من الرضا وهي ترى آخر ملف يستقر فوق الكومة المرتبة أمامها. أغلقت الملف الأخير، ثم حملت الأوراق واتجهت إلى مكتب أيمن. ــ انتهيت. رفع أيمن رأسه عن شاشة الحاسوب، ثم أخذ الملفات منها وبدأ يقلبها بسرعة. توقفت سارة تراقب تعابير وجهه، تنتظر أن يعثر على خطأ ما. مرّت ثوانٍ بدت لها أطول من المعتاد. ثم أغلق آخر ملف، وأعاد ترتيبها كما كانت. ــ ممتاز... لم أجد أي ملاحظة. ارتسمت ابتسامة خفيفة على وجه سارة دون أن تشعر. ــ شكرًا. ــ يبدو أنك تتعلمين بسرعة، وهذا سيوفر علينا الكثير من الوقت لاحقًا. هزت رأسها بخجل، ثم عادت إلى مكتبها تجمع أغراضها استعدادًا للمغادرة. في الجهة الأخرى، كانت ريم قد أغلقت حاسوبها هي أيضًا. اقتربت منها وهي تحمل حقيبتها. ــ هيا؟ ابتسمت سارة. ــ هيا. خرجتا معًا من المكتب، وساد بينهما صمت مريح، قطعه صوت خطوات سريعة خلفهما. ــ انتظراني. التفتتا في الوقت نفسه. كانت ليلى تلوح لهما بيدها وهي تسرع نحوهما قبل أن تلحق بهما عند باب المصعد. ــ كدتما تتركانني وحدي. ضحكت ريم. ــ كنت أظنك ستتأخرين كالعادة. ــ أنهيت كل شيء في آخر لحظة... كالعادة أيضًا. دخلت الثلاث إلى المصعد. أغلقت الأبواب، وبدأت المقصورة تهبط ببطء. ما إن تحرك المصعد حتى بدأت ليلى تتحدث مع ريم بحماس. ــ هل انتهيت من التقرير الذي طلبه جاد؟ ــ تقريبًا، بقيت لي بعض التعديلات فقط. ــ وأنا كذلك... لكنني لن ألمسه غدًا، أريد أن أنسى العمل يومين كاملين. ابتسمت ريم. ــ لديك خطط لنهاية الأسبوع؟ أضاء وجه ليلى. ــ بالطبع، سنذهب أنا وأختي للتسوق. هناك متجر افتتح مؤخرًا ويقولون إن ملابسه رائعة. ــ كنت أفكر أيضًا في شراء بعض الأشياء. ــ إذًا تعالي معنا. ــ ربما أفعل. وقفت سارة إلى جانبهما تستمع بصمت. لم يوجه إليها أحد الدعوة، ولم يكن ذلك يزعجها. حتى لو فعلوا... فهي تعرف مسبقًا أنها ستعتذر. لم تكن تملك ما يكفي من المال لشراء ما تحتاجه، فكيف بما لا تحتاجه؟ كانت قد رتبت مصروفها للشهر بدقة، وأي مبلغ إضافي قد يعني أن تستغني عن شيء أهم. اكتفت بابتسامة صغيرة وهي تراقب أرقام الطوابق تتناقص فوق الباب. توقف المصعد أخيرًا. خرجت الفتيات الثلاث من المبنى، لكن ليلى لم تتجه نحو الشارع مباشرة. توقفت أمام المدخل، وأخرجت هاتفها وهي تعرض على ريم صور بعض الحقائب والأحذية. ــ انظري إلى هذا اللون... أليس جميلًا؟ ــ جميل، لكن سعره مبالغ فيه. ــ الجودة تستحق. وقفت سارة على مسافة خطوات قليلة منهما. كانت تستمع دون أن تشارك. شعرت للحظة أنها تقف خارج دائرة صغيرة تجمعهما. ليس لأنهما تتعمدان إقصاءها... بل لأنها لم تجد بعد مكانها بينهما. وبينما كانت تنظر إلى السيارات المارة محاولة إشغال نفسها... انفتح باب الشركة الزجاجي خلفهن. خرج شابان يتحدثان بهدوء. كان أحدهما طويل القامة، يرتدي قميصًا أبيض مطوي الأكمام وساعة سوداء في معصمه. لم تكن بحاجة إلى رؤية وجهه بالكامل. عرفته منذ الخطوة الأولى. أشرف... توقف الزمن للحظة. شعرت بأن أنفاسها علقت في صدرها. لم يتغير كثيرًا. ربما أصبح أكثر نضجًا... لكن طريقة سيره، وهدوء ملامحه، وحتى طريقته في الإصغاء لمن يحدثه... كلها ما زالت كما تتذكر. تشبثت بحقيبة يدها بقوة حتى شعرت بأظافرها تنغرس في جلدها. لا تنظري إليه... لكنها رفعت عينيها رغماً عنها. وفي اللحظة نفسها، انتبهت ليلى إليه. ابتسمت ابتسامة واسعة، ثم مالت قليلًا نحو ريم وهمست بصوت لم تحاول إخفاءه: ــ انظري... خرج أخيرًا. تبعت ريم نظرتها، وما إن رأته حتى أطلقت ضحكة قصيرة. ــ لا تقولي... رفعت ليلى رأسها بثقة، وقالت وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها: ــ أراهنك... ذلك الرجل سيكون زوجي يومًا ما. ضحكت ريم وهي تهز رأسها. ــ بدأتِ من جديد؟ هذا الكلام تقولينه كل أسبوع. ــ لأنني جادة هذه المرة. ــ وفي المرات السابقة لم تكوني جادة؟ ضحكت ليلى بدلال. ــ كنت جادة دائمًا. شعرت سارة بأن الكلمات تسقط على قلبها واحدة تلو الأخرى. أبقت ملامحها هادئة، كأن الحديث لا يعنيها. لكن داخلها... كان شيء يؤلمها بصمت. واصلت ليلى حديثها وهي تتابع أشرف بعينيها. ــ هل تعلمين؟ نحن نسكن في العمارة نفسها. اتسعت عينا ريم. ــ حقًا؟ ــ نعم، أراه كثيرًا. نصعد الدرج أحيانًا في الوقت نفسه، وأصادفه عند المدخل أو في موقف السيارات... لكنه بارد جدًا. ابتسمت بخبث. ــ وهذا بالضبط ما يعجبني. ضحكت ريم. ــ المسكين لا يعلم أنك خططتِ لمستقبله كله. رفعت ليلى كتفيها بثقة. ــ سيعلم قريبًا. ــ وهل تحدثتِ معه أصلًا؟ ــ بالطبع... ألقي عليه التحية كلما رأيته. ــ وماذا يقول؟ قلدت ليلى ملامحه الجامدة وهي تجيب بصوت منخفض: ــ "مرحبا." ثم يكمل طريقه وكأن شيئًا لم يكن. انفجرت ريم ضاحكة. ــ يبدو أنك أمام مهمة صعبة. ــ لا يوجد رجل يصعب على ليلى. قالتها وهي تعدل خصلات شعرها، ثم أخرجت مرآة صغيرة من حقيبتها تتفقد بها أحمر شفتيها. كانت تعرف جيدًا أنها جميلة. بل وتعتني بكل تفصيل في مظهرها، من ملابسها الأنيقة إلى عطرها وتسريحة شعرها، وكانت تؤمن أن الجمال والثقة بالنفس كفيلان بفتح أي باب. أما سارة... فبقيت صامتة. لم تنطق بحرف واحد. كانت تنظر إلى أشرف من بعيد، بينما هو يواصل حديثه مع زميله دون أن يلتفت نحوهن. لم يكن يعلم... أنها تقف على بعد أمتار قليلة منه. ولم يكن يعلم أيضًا... أن كل كلمة قالتها ليلى كانت تغرس وخزة جديدة في قلبها. لم تغضب من ليلى. فهي لا تعرف شيئًا. ولا تعرف أن ذلك الرجل الذي تحلم بالفوز بقلبه... كان يومًا ما، ولا يزال، يسكن قلب فتاة تقف بجوارها الآن. خفضت سارة رأسها، وأخذت نفسًا عميقًا. ثم همست في داخلها، محاولة إقناع نفسها قبل أي أحد: "لقد انتهى كل شيء..." لكن قلبها... رفض أن يصدق ذلك. افترقت طرقهن بعد دقائق، لكن كلمات ليلى بقيت تتردد في رأس سارة طوال الطريق. "نسكن في العمارة نفسها..." "أراه كل يوم..." "سيكون زوجي يومًا ما." لم يكن الأمر مجرد إعجاب عابر... كانت ليلى تتحدث بثقة غريبة، ثقة لا تشبه أحلام الفتيات ولا مزاحهن المعتاد. وكأنها تعرف شيئًا... شيئًا لم تقله. حاولت سارة إقناع نفسها بأن ليلى لا تبالغ إلا بدافع الغرور، لكنها سرعان ما تراجعت عن تلك الفكرة. لقد كانت واثقة أكثر مما ينبغي. حتى ريم، التي كانت تسخر من كلامها، لم تنكر أنها تلتقي بأشرف باستمرار. خفضت سارة بصرها وهي تواصل السير. تسللت إلى قلبها أسئلة لم تجد لها جوابًا. هل أصبحت هناك علاقة بينهما فعلًا؟ هل يتحدثان بعيدًا عن أنظار الجميع؟ أم أن ليلى تبني أوهامًا من مجرد لقاءات عابرة؟ لأول مرة منذ انتقالها إلى هذه المدينة... لم تكن تخشى أن ترى أشرف. بل أصبحت تخشى أن تكتشف عنه شيئًا لا تريد معرفته. وبينما كانت تغيب في دوامة تلك الأسئلة... لم تكن تعلم أن الأيام القادمة ستحمل لها إجابة...ظلت سارة تحدق في هاتفها، بينما كان اقتراح أشرف يتردد في رأسها بإلحاح. أن تبيت في شقته؟ لم تكن الفكرة مريحة تمامًا، ليس لأنها لا تثق به، بل لأن وجودها معه في مكان واحد، وفي هذا الوقت المتأخر، جعل قلبها أكثر اضطرابًا مما ينبغي. لكنها، مهما حاولت التفكير في الأمر، لم تجد أمامها خيارًا آخر. ففي هذه المدينة الكبيرة، لم يكن هناك سوى شخصين يمكنها اللجوء إليهما إن احتاجت إلى مساعدة؛ قريبتها رقية وأشرف. أما رقية، فلم يكن من اللائق أن تتصل بها في هذا الوقت المتأخر. كانت سارة متأكدة أنها، لو عرفت بما حدث، ستأتي فورًا لمرافقتها، رغم أن سكنها بعيد عن المكان. ولم تكن تريد إزعاجها، خصوصًا أنها ما زالت تشعر بالامتنان لكل ما فعلته من أجلها منذ وصولها إلى المدينة؛ فقد كانت رقية السبب في حصولها على هذه الوظيفة، وهي من ساعدتها في العثور على الغرفة التي تسكنها الآن. تنهدت سارة. لم يبقَ أمامها سوى أشرف. ــ ألو؟ جاء صوته عبر الهاتف، وكأنه انتشلها من أفكارها. ــ نعم؟ ــ هل أعود إليك؟ ترددت لحظة، ثم قالت بصوت خافت: ــ حسنًا... نعم. ــ سأجدك عند مدخل الحي. لم يمض وقت طويل حتى ظهرت
غادرا السوق الصغير ببطء، بينما كانت سارة تنظر إلى السوار بين الحين والآخر. لم تستطع إخفاء ابتسامتها. لاحظ أشرف ذلك، فضحك قائلًا: ــ يبدو أن الهدية أعجبتك أكثر مما تريدين الاعتراف. رفعت رأسها بسرعة. ــ لم أقل إنها لم تعجبني. ــ إذن؟ ــ لكنك لا تزال مسرفًا كما كنت. ضحك وهو يفتح باب السيارة لها. ــ وهل هناك إسراف في شراء شيء سيبقى معك؟ نظرت إلى السوار مرة أخرى. ــ سأحتفظ به. ــ هذا يكفيني. ... انطلقت السيارة من جديد، لكنهما لم يعودا مباشرة إلى المدينة. سلك أشرف طريقًا ضيقًا يمر بين الأشجار، حتى وصلا إلى نقطة مرتفعة تطل على سلسلة من الجبال المتداخلة. أوقف السيارة. ــ انزلي... أريد أن أريك مكانًا. ترجلت سارة، ثم سارت خلفه حتى وصلا إلى سور خشبي يطل على الوادي. كان المنظر يخطف الأنفاس. بدأت الشمس تميل نحو الغرب، وأخذت أشعتها الذهبية تنعكس فوق السفوح الخضراء، بينما كانت نسمات الهواء الباردة تحرك خصلات شعرها الطويل بهدوء. توقفت سارة إلى جانب أشرف دون أن تتكلم. التفت إليها، وفي اللحظة التي وقعت عيناه عليها، شعر بشيء يتغير في نظرته. كان يعرف أنها جميلة
لم تنم سارة تلك الليلة إلا لساعات قليلة. كلما أغمضت عينيها، وجدت نفسها تتخيل لقاء الغد، ثم تعود لتفتح عينيها من جديد وتنظر إلى شاشة هاتفها للتأكد من الوقت. ابتسمت لنفسها وهي تتنهد. منذ متى أصبحت تنتظر الصباح بهذه اللهفة؟ آخر مرة شعرت فيها بهذا الحماس كانت أيام الجامعة، حين كانت تخرج مع أشرف بعد انتهاء المحاضرات، يتجولان لساعات دون وجهة محددة، وكأن الوقت لا يملك سلطة عليهما. رن المنبه في السابعة صباحًا. لكنها كانت مستيقظة قبله بدقائق. وقفت أمام خزانتها الصغيرة، تحدق في ملابسها القليلة. أخرجت قميصًا أبيض، ثم أعادته مكانه. جربت فستانًا بسيطًا، ثم هزت رأسها. وفي النهاية اختارت بنطالًا جينز أزرق وقميصًا سماوي اللون، مع حذائها الرياضي الأبيض الذي كانت تحافظ عليه بعناية منذ سنوات. نظرت إلى نفسها في المرآة. ابتسمت. ــ جيد... لا أريد أن أبدو وكأنني بذلت جهدًا كبيرًا. ثم ضحكت من نفسها. ــ بينما فعلت ذلك فعلًا. ... في تمام التاسعة وخمسين دقيقة، كانت تقف أمام مبنى الشركة. الشارع هادئ على غير عادته في عطلة نهاية الأسبوع. كانت تنظر بين الحين والآخر إلى السيار
كان الطريق إلى المنزل أطول من المعتاد... ليس لأن المسافة تغيرت، بل لأن أفكار سارة كانت أثقل من أن تسمح لها بالشعور بالوقت. كانت كلمات ليلى تتردد في رأسها بلا توقف. *"نحن نسكن في العمارة نفسها..."* *"أراه كل يوم..."* *"سيكون زوجي يومًا ما."* هزت رأسها أكثر من مرة محاولة التخلص من تلك الأفكار، لكنها كانت تعود في كل مرة بإلحاح أكبر. هل كانت ليلى تبالغ؟ أم أن هناك فعلًا شيئًا تخفيه؟ تنهدت وهي تعبر الزقاق الشعبي المؤدي إلى المنزل، ثم توقفت عند محل صغير اعتادت شراء عشاءها منه. ــ سندويش جبن... مع الطماطم والخيار، من فضلك. دفعت ثمنه، وأكملت طريقها حتى وصلت إلى المنزل. ألقت التحية على صاحبة المنزل، ثم صعدت إلى الطابق العلوي حيث غرفتها الصغيرة. قبل أن تدخل، وقفت للحظة أمام الطاولة الرخامية الموجودة في الممر. كانت لا تتجاوز مترًا ونصف، تتوسطها مغسلة قديمة، لكنها خالية تمامًا من أي أدوات مطبخ. لا أطباق... لا أكواب... ولا حتى غلاية صغيرة. منذ أن انتقلت إلى هنا، كانت تعتمد على الطعام الجاهز في كل وجباتها. لم يكن ذلك خيارًا تحبه، لكنه كان الحل الوحيد في غرفة لا تسمح حتى بإعداد كو
انقضت الساعات الأخيرة من الدوام بهدوء على غير العادة. كانت سارة منهمكة في ترتيب الملفات التي كلفت بها، تراجع كل ورقة بعناية قبل أن تضعها في مكانها الصحيح، مستعينة بالملاحظات التي شرحها لها أيمن في الصباح. لم تكن المهمة سهلة، لكنها شعرت بشيء من الرضا وهي ترى آخر ملف يستقر فوق الكومة المرتبة أمامها. أغلقت الملف الأخير، ثم حملت الأوراق واتجهت إلى مكتب أيمن. ــ انتهيت. رفع أيمن رأسه عن شاشة الحاسوب، ثم أخذ الملفات منها وبدأ يقلبها بسرعة. توقفت سارة تراقب تعابير وجهه، تنتظر أن يعثر على خطأ ما. مرّت ثوانٍ بدت لها أطول من المعتاد. ثم أغلق آخر ملف، وأعاد ترتيبها كما كانت. ــ ممتاز... لم أجد أي ملاحظة. ارتسمت ابتسامة خفيفة على وجه سارة دون أن تشعر. ــ شكرًا. ــ يبدو أنك تتعلمين بسرعة، وهذا سيوفر علينا الكثير من الوقت لاحقًا. هزت رأسها بخجل، ثم عادت إلى مكتبها تجمع أغراضها استعدادًا للمغادرة. في الجهة الأخرى، كانت ريم قد أغلقت حاسوبها هي أيضًا. اقتربت منها وهي تحمل حقيبتها. ــ هيا؟ ابتسمت سارة. ــ هيا. خرجتا معًا من المكتب، وساد بينهما صمت مريح، قطعه صوت خطوات سريعة خلفهما. ـ
... كان الهواء الخارجي أكثر لطفًا من حرارة المكتب، والشمس تميل ببطء نحو الغروب، ناشرة لونًا برتقاليًا فوق المباني. سارت في الطريق المعتاد. أصبحت تحفظه عن ظهر قلب؛ البقالة عند الزاوية، محل الخضر، بائع الذرة، رائحة الخبز الساخن المنبعثة من الفرن الصغير، وضحكات الأطفال الذين يركضون بين الأزقة الضيقة. كانت هذه التفاصيل، رغم بساطتها، تجعل المكان يبدو أقل قسوة. اشترت قطعة خبز وبعض الجبن لتوفر ثمن وجبة كاملة، ثم تابعت سيرها وهي تفكر في مصاريف الأيام القادمة. "يجب أن أكون أكثر حذرًا... لم يبق معي الكثير." كلما اقتربت من الحي الذي تسكن فيه، تغيرت الأصوات. ازدادت ضوضاء الباعة، وتعالت أصوات الدراجات النارية، واختلطت روائح الطعام بروائح الدخان والغبار. ثم... سمعت صرخة. رفعت رأسها تلقائيًا. في منتصف الزقاق، كان شابان يتشاجران بعنف. تبادلا اللكمات وسط تجمع صغير من الناس. بعضهم يراقب بصمت. وآخرون يحاولون الفصل بينهما دون جدوى. توقفت سارة. لم تكن تملك طريقًا آخر إلى المنزل. ابتلعت ريقها، ثم قررت المرور بسرعة من جانب الجدار. "لن أنظر إليهما... فقط اعبري." شدت حق