تسجيل الدخولضمت سارة الملفات إلى صدرها، ثم خرجت من المكتب متجهة نحو الموقف الخلفي للمبنى كما وصفه لها أيمن.
كانت هذه أول مرة تخرج فيها في مهمة عمل خارج الشركة، لذلك لم تستطع منع نفسها من الشعور بشيء من التوتر. ما إن وصلت إلى الموقف حتى لمحت سيارة سوداء لامعة متوقفة بمحاذاة السور، تبدو نظيفة بعناية وكأنها خرجت لتوها من معرض للسيارات. وقف جاد بجانب صندوقها الخلفي ينتظرها. اقتربت بخطوات مترددة. ــ مرحبا. اكتفى بإيماءة قصيرة، ثم ضغط زر فتح الصندوق. وضعت سارة الملفات بعناية في الداخل، وأغلقت الصندوق برفق. اتجه جاد إلى مقعد السائق، بينما جلست هي في المقعد المجاور، وربطت حزام الأمان بصمت. تحركت السيارة بهدوء، وغادرت الموقف متجهة نحو الشارع الرئيسي. لم يحاول جاد فتح أي حديث. كان تركيزه منصبًا بالكامل على القيادة، بينما تنقلت عيناه بين الطريق والمرايا من حين لآخر. أما سارة، فجلست تنظر من نافذتها إلى المباني التي تمر بجانبها، تحاول كسر ذلك الصمت في داخلها، لكنها لم تجد ما تقوله. كانت هذه أول مرة تجلس معه بمفردها. وبعد دقائق قليلة، أدركت أن صمته ليس برودًا، بل عادة. مضت السيارة تشق شوارع المدينة في هدوء، حتى وصلت بعد نحو خمس عشرة دقيقة إلى أحد أحيائها التجارية الراقية. أبطأ جاد السرعة، ثم انعطف نحو موقف واسع أمام مبنى زجاجي حديث. رفعت سارة رأسها تنظر إلى المبنى بإعجاب. كان يرتفع لعشرة طوابق، تعكس واجهته الزجاجية زرقة السماء، بينما تتوسطه لافتة معدنية كبيرة كتب عليها: شركة النعمان. توقفت السيارة في الموقف المخصص، وترجل جاد أولًا، ثم فتح الصندوق الخلفي وأخرج الملفات. حملت سارة جزءًا منها، وسارت خلفه نحو المدخل. ما إن دخلا حتى استقبلتهما قاعة واسعة يغمرها الضوء الطبيعي، تتوسطها منصة استقبال أنيقة، وتنتشر على جانبيها نباتات داخلية ولوحات فنية حديثة. ابتسم موظف الاستقبال فور رؤية جاد. ــ صباح الخير سيد جاد. ــ صباح الخير. ثم ضغط الموظف زر الهاتف الداخلي. ــ أبلغوا السيد لؤي أن السيد جاد وصل. سمعت سارة الاسم لأول مرة، لكنها لم تعلق. قادهم أحد الموظفين نحو المصعد. ضغط جاد زر الطابق العاشر. ارتفع المصعد بهدوء، وما إن فُتح الباب حتى وجدت سارة نفسها أمام مقر مختلف تمامًا عما اعتادت رؤيته. كان الطابق بأكمله مخصصًا للشركة. ممرات واسعة، مكاتب زجاجية، وإضاءة هادئة تمنح المكان شعورًا بالفخامة والتنظيم في آنٍ واحد. لم يكن عدد الموظفين كبيرًا؛ ربما لم يتجاوز العشرين موظفًا، لكن كل واحد منهم بدا منشغلًا بعمله في هدوء وانضباط، حتى إن المكان خلا تقريبًا من الأحاديث الجانبية. شعرت سارة أن كل شيء يسير وفق نظام دقيق. وبينما كانت تتأمل المكان، توقفت حركة الموظفين فجأة. وبينما كانت تتأمل المكاتب من حولها، شعرت فجأة برائحة عطر مألوفة تتسلل مع نسمة الهواء القادمة من آخر الممر. توقفت في مكانها. اتسعت عيناها دون شعور. هذه الرائحة... تعرفها جيدًا. إنها الرائحة نفسها التي علقت في ذاكرتها منذ اليوم الذي لمحته يدخل مبنى شركتها لأول مرة، والرائحة ذاتها التي ملأت المصعد في ذلك المساء عندما خرج رجل غامض منه بينما كانت هي تدخل. استدارت ببطء نحو مصدرها. وفي نهاية الممر، خرج رجل يتحدث مع أحد الموظفين وهو يقلب بعض الملفات بين يديه. تجمدت سارة للحظة. إنه هو... الرجل نفسه. هذه المرة استطاعت أن تراه عن قرب. كان طويل القامة، عريض الكتفين، يتحرك بخطوات هادئة وواثقة، كأن المكان كله اعتاد وجوده. ارتدى بدلة كحلية أنيقة مفصلة بإتقان، فوق قميص أبيض ناصع وربطة عنق داكنة، بينما زادت ساعته المعدنية البسيطة من أناقته دون أي مبالغة. بدت ملامحه أكثر وسامة مما تخيلته؛ شعر أسود قصير مرتب بعناية، وعينان داكنتان تحملان هدوءًا غريبًا، وفك مستقيم منح وجهه صرامة خفيفة، قبل أن تخففها ابتسامة هادئة ارتسمت وهو يستمع إلى الموظف المرافق له. أما عطره... فكان حاضرًا بالقدر نفسه الذي كان عليه في المرتين السابقتين؛ فخمًا، هادئًا، وثابتًا، حتى بدا وكأنه جزء من حضوره لا مجرد رائحة عابرة. شعرت سارة بقشعريرة خفيفة تسري في جسدها. همست داخلها بدهشة: **إذن... هذا هو الرجل الذي كنت أراه طوال هذا الوقت.** لم يكن من أولئك الذين يلفتون الأنظار بسبب مظهرهم فقط، بل بسبب الطريقة التي يدخلون بها المكان؛ إذ بدا وكأن المكتب بأكمله يعيد ترتيب إيقاعه مع مروره. كان يصغي إلى الموظف الذي يسير بجانبه، ثم توقف عند إحدى الصفحات، وأشار بإصبعه إلى رقم معين. ــ صحح هذا السطر أولًا... ثم أرسل النسخة الجديدة قبل الاجتماع. ــ حاضر يا سيد لؤي. ناول الموظف الملف إليه، فوقعه بسرعة، ثم أعاده إليه قبل أن يرفع رأسه. عندها التقت عيناه بجاد. ارتسمت على وجهه ابتسامة هادئة. ــ وصلت أخيرًا. ابتسم جاد ابتسامة خفيفة وهو يصافحه. ــ الطريق كان مزدحمًا. تبادل الرجلان حديثًا قصيرًا، بينما بقيت سارة واقفة تحمل الملفات، تراقب المشهد بصمت. لم تعرف لماذا وجدت نفسها تحدق فيه أكثر مما ينبغي. ربما لأن حضوره كان مختلفًا... أو لأن الجميع من حوله كانوا ينظرون إليه باحترام واضح، لا خوفًا منه، بل ثقةً في قراراته. وفي تلك اللحظة، خرج أحد الموظفين من مكتب قريب وهو يقول بعفوية: ــ سيد لؤي... والدكم اتصل قبل قليل وأخبرنا أنه سيلتحق بالاجتماع بعد نصف ساعة. رد لؤي بهدوء: ــ حسنًا، أخبره أننا سنكون بانتظاره. التفت بعدها إلى جاد وأضاف: ــ هيا، لنبدأ قبل وصوله. توقفت أفكار سارة للحظة. والدكم...؟ انتقلت بنظرها بين جاد ولؤي، وقد أدركت أخيرًا الحقيقة. مديرها... وصاحب هذا الحضور الآسر... شقيقان.ضمت سارة الملفات إلى صدرها، ثم خرجت من المكتب متجهة نحو الموقف الخلفي للمبنى كما وصفه لها أيمن. كانت هذه أول مرة تخرج فيها في مهمة عمل خارج الشركة، لذلك لم تستطع منع نفسها من الشعور بشيء من التوتر. ما إن وصلت إلى الموقف حتى لمحت سيارة سوداء لامعة متوقفة بمحاذاة السور، تبدو نظيفة بعناية وكأنها خرجت لتوها من معرض للسيارات. وقف جاد بجانب صندوقها الخلفي ينتظرها. اقتربت بخطوات مترددة. ــ مرحبا. اكتفى بإيماءة قصيرة، ثم ضغط زر فتح الصندوق. وضعت سارة الملفات بعناية في الداخل، وأغلقت الصندوق برفق. اتجه جاد إلى مقعد السائق، بينما جلست هي في المقعد المجاور، وربطت حزام الأمان بصمت. تحركت السيارة بهدوء، وغادرت الموقف متجهة نحو الشارع الرئيسي. لم يحاول جاد فتح أي حديث. كان تركيزه منصبًا بالكامل على القيادة، بينما تنقلت عيناه بين الطريق والمرايا من حين لآخر. أما سارة، فجلست تنظر من نافذتها إلى المباني التي تمر بجانبها، تحاول كسر ذلك الصمت في داخلها، لكنها لم تجد ما تقوله. كانت هذه أول مرة تجلس معه بمفردها. وبعد دقائق قليلة، أدركت أن صمته ليس برودًا، بل عادة. مضت السيارة
رنّ منبه سارة في السابعة صباحًا. فتحت عينيها بسرعة، وعلى غير عادتها نهضت من السرير فورًا. ارتدت ملابسها التي أعدتها مساء الأمس، رتبت شعرها بعناية، ثم ألقت نظرة أخيرة على الغرفة قبل أن تلتقط حقيبتها وتغادر المنزل. كان الهواء الصباحي منعشًا، والشوارع لا تزال هادئة نسبيًا. اشترت فطورًا خفيفًا من المخبزة القريبة، ثم واصلت طريقها نحو الشركة بخطوات ثابتة. وصلت قبل معظم الموظفين بدقائق. لكن ما إن دخلت الطابق المخصص للشركة حتى تفاجأت بشخص يجلس داخل المكتب. **جاد.** كان أول الواصلين. جلس خلف مكتبه، منكبًا على مجموعة من الملفات، بينما يتحرك مؤشر الفأرة بين النوافذ المفتوحة على شاشة حاسوبه. لم يرفع رأسه عندما دخلت، وكأنه كان غارقًا تمامًا في عمله. ألقت سارة تحية خافتة. ــ صباح الخير. رفع عينيه إليها للحظة قصيرة، وأومأ برأسه إيماءة مقتضبة قبل أن يعود مباشرة إلى شاشة الحاسوب. ــ صباح الخير. لم يضف كلمة أخرى. تقدمت سارة نحو مكتبها في صمت، وجلست وهي تشعر بأن المكان يختلف تمامًا عن الأيام السابقة. كان حضور جاد وحده كافيًا ليمنح المكتب هيبة غير مألوفة. بعد دقائق، وصلت ريم
ساد صمت قصير، ثم سألت السيدة: ــ وهل أنتِ بخير؟ ــ نعم، الحمد لله، لا تقلقي. تنهدت صاحبة المنزل براحة. ــ هذا أهم شيء. أما المفتاح فلا بأس، لدي نسخة احتياطية في المنزل. تنفست سارة الصعداء، وكأن جبلًا أزيح عن كتفيها. ــ حقًا؟ الحمد لله... أقلقتني كثيرًا هذه المسألة. ابتسمت السيدة من الطرف الآخر وقالت: ــ عندما تعودين مرّي عليّ، وسأعطيك النسخة، ثم نطلب لاحقًا نسخة جديدة بدل المفقودة. ــ شكرًا جزيلًا، خالتي... آسفة لأنني سببت لك هذا الإزعاج. ــ لا داعي للاعتذار يا ابنتي، يحدث هذا مع الجميع. المهم أن تنتبهي في المرة القادمة. أغلقت سارة المكالمة وهي تزفر براحة، ثم التفتت إلى أشرف وقد ارتسمت على وجهها ابتسامة واسعة. ــ لقد نجونا... لديها نسخة أخرى. ابتسم أشرف بدوره، ثم رفع فنجان قهوته وقال مازحًا: ــ إذن نستطيع شرب قهوتنا بهدوء... دون أن نقلق من أن نضطر لكسر باب غرفتك. __ عندما تجاوزت الساعة الثانية بعد الظهر بقليل، توقفت السيارة عند مدخل الحي الذي تسكن فيه سارة. أطفأ أشرف المحرك، ثم التفت إليها بابتسامة هادئة. ــ يبدو أن عطلة نهاية الأسبوع انتهت أسرع مما تمن
تسللت أشعة الشمس الذهبية عبر ستائر الغرفة، لترسم خطوطًا دافئة على الجدار الأبيض. فتحت سارة عينيها ببطء، وهي تشعر براحة لم تختبرها منذ زمن. بقيت تحدق في السقف لثوانٍ، وقد غلبها ذلك الشعور الجميل الذي يرافق الاستيقاظ بعد ليلة هادئة. اعتدلت قليلًا فوق السرير، ثم أغمضت عينيها مجددًا وهي تتمطى بكسل. لم تستوعب في البداية أين هي، لكن ما إن وقع بصرها على تفاصيل الغرفة حتى عادت إليها ذكريات الليلة الماضية دفعة واحدة. شقة أشرف... ابتسمت ابتسامة عريضة دون أن تشعر. تذكرت رحلتهما، وضحكاتهما في الطريق، والهدية التي اشتراها لها، ثم الساعات الطويلة التي قضياها معًا في الشرفة، يتحدثان عن الماضي، وعن أحلامهما، وعن كل الأشياء التي فرّقتهما الأيام عنها. كان الوقت يمضي سريعًا حتى إنهما لم ينتبها إلى اقتراب الفجر إلا عندما غلبهما النعاس. وضعت يدها على شفتيها وهي تضحك بخفة. "لهذا السبب نمت كل هذا الوقت..." نظرت إلى الساعة الموضوعة على الطاولة الصغيرة بجانب السرير، فاتسعت عيناها قليلًا. ــ يا إلهي... لقد تأخر الوقت كثيرًا! قفزت من السرير بسرعة، ثم تنهدت عندما تذكرت أنه يوم عطلتها، وأنها ليست
خرجت سارة من الحمام، ثم غادرت غرفتها متجهة نحو الصالون، فظهر لها أشرف وهو منشغل في المطبخ. كان يحضر بعض الشطائر، إلى جانب إبريق من شاي الأعشاب. تقدمت سارة نحوه بنية مساعدته، لكنه توقف للحظة، ورفع عينيه إليها. ظل ينظر إليها دون أن يشعر. كانت وجنتاها لا تزالان حمراوين بفعل دفء الحمام، وشعرها المبلل ينسدل حول وجهها، بينما بدت البيجامة الزرقاء الداكنة واسعة قليلًا عليها. ومع ذلك، زادها لونها الغامق جمالًا، إذ أبرز بياض بشرتها ونعومة ملامحها. شعر أشرف برغبة مفاجئة في الاقتراب منها وتقبيل خديها، لكنه اكتفى بالنظر إليها للحظات. لاحظت سارة صمته، فكسرت ذلك السكون قائلة: ــ هل أساعدك؟ ابتسم أشرف وعاد إلى ما يفعله. ــ بالتأكيد. ابدئي بتقديم الشاي، فقد جهزته مسبقًا. أخرجي بعض الكؤوس وضعيها على الطاولة. ــ حسنًا. استدارت سارة لتنفذ ما طلبه، فتابعها أشرف بنظرة قصيرة قبل أن يقول مازحًا: ــ يبدو أن بيجامتي وجدت أخيرًا من يستحق ارتداءها. التفتت إليه سارة، ونظرت إلى البيجامة التي بدت واسعة قليلًا عليها. ــ أعرف أنك تسخر مني. رفع أشرف حاجبه متظاهرًا بالاستغراب. ــ أسخر منك؟
ظلت سارة تحدق في هاتفها، بينما كان اقتراح أشرف يتردد في رأسها بإلحاح. أن تبيت في شقته؟ لم تكن الفكرة مريحة تمامًا، ليس لأنها لا تثق به، بل لأن وجودها معه في مكان واحد، وفي هذا الوقت المتأخر، جعل قلبها أكثر اضطرابًا مما ينبغي. لكنها، مهما حاولت التفكير في الأمر، لم تجد أمامها خيارًا آخر. ففي هذه المدينة الكبيرة، لم يكن هناك سوى شخصين يمكنها اللجوء إليهما إن احتاجت إلى مساعدة؛ قريبتها رقية وأشرف. أما رقية، فلم يكن من اللائق أن تتصل بها في هذا الوقت المتأخر. كانت سارة متأكدة أنها، لو عرفت بما حدث، ستأتي فورًا لمرافقتها، رغم أن سكنها بعيد عن المكان. ولم تكن تريد إزعاجها، خصوصًا أنها ما زالت تشعر بالامتنان لكل ما فعلته من أجلها منذ وصولها إلى المدينة؛ فقد كانت رقية السبب في حصولها على هذه الوظيفة، وهي من ساعدتها في العثور على الغرفة التي تسكنها الآن. تنهدت سارة. لم يبقَ أمامها سوى أشرف. ــ ألو؟ جاء صوته عبر الهاتف، وكأنه انتشلها من أفكارها. ــ نعم؟ ــ هل أعود إليك؟ ترددت لحظة، ثم قالت بصوت خافت: ــ حسنًا... نعم. ــ سأجدك عند مدخل الحي. لم يمض وقت طويل حتى ظهرت