LOGINالفصل الرابع
اختل توازن لوسين للحظة. لكن قبل أن ترتطم بالأرض، أمسكت بها يد قوية وثابتة، لتمنع سقوطها في اللحظة الأخيرة. استعادت توازنها بسرعة، ثم ابتعدت خطوة إلى الخلف وهي تلتقط أنفاسها. "أ... أنا آسفة." رفعت رأسها لتعتذر، لكنها تجمدت عندما وقعت عيناها على الرجل الواقف أمامها. ناثان أندرسون. كانت هذه المرة الأولى التي تراه فيها عن قرب. في الشركة، لم تكن تراه إلا من بعيد؛ محاطًا بالمساعدين والمحامين، يعبر الممرات بخطوات واثقة لا يجرؤ أحد على تعطيلها. أما الآن... فلم يكن يفصل بينهما سوى خطوة واحدة. بدت ملامحه أكثر حدة تحت أضواء الحديقة الخافتة. عينان سوداوان عميقتان، وملامح هادئة يصعب قراءة ما خلفها، وهيبة جعلتها تشعر بالارتباك دون سبب واضح. تراجعَت خطوة أخرى. قال ناثان بصوت منخفض وهادئ: "هل أنتِ بخير؟" أومأت بسرعة. "نعم... شكرًا لك." ألقت نظرة سريعة نحو نوافذ القصر المضيئة، فتسلل القلق إلى قلبها. إذا رأت ثالا هذا المشهد... فلن تفسره كما حدث. ولوسين كانت آخر من يرغب في إثارة المشاكل داخل هذه العائلة. لذلك قالت على عجل: "أعتذر مرة أخرى... لم أكن أنتبه للطريق." اكتفى ناثان بإيماءة بسيطة. "لا بأس." ساد بينهما صمت قصير. كانت لوسين تستعد للمغادرة عندما دوّى فجأة صوت رنين هاتف. توقفت قدماها مكانهما. اتسعت عيناها ببطء. ذلك اللحن... تعرفه. تعرف كل نغمة فيه. شعرت بقلبها يخفق بعنف، بينما بقيت تحدق في الهاتف الذي أخرجه ناثان من جيب سترته. مستحيل... إنها الرنة نفسها. الرنة التي كانت تسمعها في نهاية كل ليلة داخل تلك الغرفة المظلمة. الرنة التي انطبعت في ذاكرتها دون أن تدري يومًا أنها ستسمعها في مكان آخر. رفع ناثان الهاتف، وألقى نظرة سريعة على الشاشة. "اعذريني." أجاب على المكالمة بكلمات قليلة، ثم أغلق الخط بعد أقل من دقيقة. لكن لوسين... لم تكن تسمع شيئًا. كان عقلها يعيد تشغيل ذلك اللحن مرارًا. اثنتا عشرة ليلة... وفي كل مرة كانت تسمع الرنة ذاتها. والآن... ها هي تصدر من هاتف مديرها. و زوج اختها المستقبلي شحب وجهها دون أن تشعر. وتراجعت خطوة إلى الوراء. راقب ناثان تغير ملامحها بصمت. لاحظ ارتباكها المفاجئ، والطريقة التي ابتعدت بها عنه، ونظرتها المليئة بالصدمة. للحظة... ظن أن وجوده يزعجها. أو ربما أنها تشعر بالنفور من الاقتراب منه. خفض نظره قليلًا، ثم قال بهدوء: "يبدو أنني أخفتك." انتبهت لوسين إلى كلماته، فأفاقت من دوامة أفكارها. هزت رأسها بسرعة. "لا... ليس هذا..." لكنها لم تجد تفسيرًا لما تشعر به. كيف يمكن أن تخبره أن رنين هاتفه يشبه تمامًا رنين رجل لا تعرف حتى اسمه؟ إنه أمر سيبدو جنونيًا. لذلك اكتفت بقولها: "أعتذر... يجب أن أغادر." ثم استدارت بخطوات متعجلة، بينما بقي ناثان يراقب ابتعادها بصمت، غير قادر على فهم سبب تلك النظرة التي ارتسمت على وجهها بمجرد أن رن هاتفه. وفي الطابق العلوي من القصر... كانت عينان أخريان تراقبان المشهد من خلف زجاج النافذة. وقفت ثالا خلف الستارة، وعيناها لا تفارقان الحديقة. رأت لوسين تقف أمام ناثان. ورأت حديثًا قصيرًا بينهما. ثم شاهدت شقيقتها تغادر على عجل، بينما بقي ناثان واقفًا في مكانه للحظات. انعقد حاجباها. رغم أن المشهد لم يستغرق سوى دقائق، إلا أن شعورًا غريبًا تسلل إلى قلبها. لم يكن غضبًا... بل غيرة لم تعرف سببها. دخلت لينا الغرفة بعدما لاحظت وقوف ابنتها أمام النافذة. سألتها باستغراب: "ماذا هناك؟" أشارت ثالا نحو الحديقة. "انظري." اقتربت لينا وألقت نظرة سريعة، لكنها لم تلحق سوى رؤية لوسين وهي تبتعد عن المكان. قالت بهدوء: "كانت تتحدث مع ناثان؟" أومأت ثالا. "نعم." تنهدت بضيق. "لا أعلم لماذا... لكنني لم أرتح لهذا المشهد." ابتسمت لينا محاولة تهدئتها. "لا تبالغي." لكن ثالا لم تبدُ مقتنعة. "أعرف لوسين... إنها لا تقترب من أحد دون سبب." صمتت لحظة، ثم أضافت بصوت منخفض: "ولا أريدها أن تقترب من ناثان." وضعت لينا يدها على كتف ابنتها. "لا تقلقي." ثم تابعت بثقة: "أنتِ خطيبته... ولا أحد يستطيع تغيير ذلك." تنهدت ثالا، لكنها بقيت تنظر إلى الباب الذي خرجت منه لوسين، وكأن إحساسًا خفيًا كان يخبرها أن وجود شقيقتها لن يكون أمرًا عابرًا في حياتها. --- في تلك الأثناء، كانت لوسين قد عادت إلى داخل القصر نسيت انها سوف تغادر حتى استوقفها كبير الخدم. "الآنسة لوسين." التفتت إليه. "السيد لوكا يطلب حضورك إلى مكتبه." أغمضت عينيها لثانية. كانت تعلم أن والدها لا يستدعي أحدًا لحديث لطيف. سارت خلف الخادم حتى وصلت إلى المكتب. طرقت الباب. "ادخلي." دفعت الباب ببطء. كان لوكا يجلس خلف مكتبه الخشبي الفاخر، يتصفح بعض الملفات. لم يرفع رأسه مباشرة. أغلق الملف أولًا، ثم أشار إلى المقعد المقابل. "اجلسي." بقيت واقفة. "أفضل أن أبقى هكذا." لم يبدُ منزعجًا. بل قال بصوت هادئ يخلو من العاطفة: "كما تشائين." ساد الصمت لثوانٍ. ثم قال مباشرة: "رتبت لك لقاءً بعد غد." عقدت حاجبيها. "لقاء؟" رفع عينيه إليها. "مع ليو باتلين." شعرت وكأن الكلمات سقطت فوقها كالصاعقة. "ماذا؟" أكمل وكأنه يناقش صفقة عمل: "إنه شاب ناجح، ومن عائلة مرموقة، ويرغب في التعرف إليك." هزت رأسها بعدم تصديق. "وأنا لم أطلب ذلك." قال ببرود: "لا يهم." تقدمت خطوة نحوه. "بل يهمني أنا." ثم أضافت بحزم: "لن أقابله." رفع لوكا نظراته إليها بثبات. "الموعد حُدد." "لن أذهب." "ستذهبين." قالتها لوسين بوضوح هذه المرة: "لا تستطيع أن تفرض عليّ الزواج." ساد الصمت. لكن لوكا لم يُظهر أي انفعال. وقف من مكانه، وسوّى ياقة سترته، ثم قال قبل أن يتجه نحو الباب: "أخبرتك بالموعد فقط." توقف للحظة، ثم أضاف دون أن يلتفت إليها: "أما قرارك... فلن يغيّر شيئًا." خرج من المكتب تاركًا الباب مفتوحًا خلفه. بقيت لوسين واقفة في مكانها، وعيناها معلقتان بالباب. شعرت بالعجز يطبق على صدرها. كيف يستطيع والدها أن يتحدث عن مستقبلها... وكأنها لا تملك حق الاختيار؟ تنهدت بمرارة، ثم حملت حقيبتها وغادرت المكتب، غير مدركة أن نافذة المكتب كانت مفتوحة على الحديقة... وأن بعض الكلمات التي قيلت في الداخل، وصلت إلى شخص كان يقف في الخارج بصمت.استدارت بعدها. وغادرت المكان. لم تركض. رغم الألم. ورغم الدموع. ورغم شعورها بأنها قد تنهار في أي لحظة. كانت خطواتها بطيئة. لكنها ثابتة. وكأنها ترفض السقوط أمامهم مهما حدث. أما ثالا... فبقيت تراقب ظهرها المبتعد. حتى اختفت خارج المبنى. عندها فقط زالت تلك الابتسامة الصغيرة عن وجهها. وحل محلها توتر خفي. ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ بعد دقائق قليلة... كان لوكا ولينا وثالا داخل مكتب ناثان. وقف ناثان أمام النافذة الزجاجية الكبيرة. يداه خلف ظهره. ونظرته متجهة نحو الشارع. في الأسفل... رأى لوسين. كانت تبتعد عن المبنى وحدها. كتفاها منخفضان. وخطواتها متعبة. لكنها لم تنظر إلى الخلف ولو مرة واحدة. شعر بشيء ثقيل يضغط على صدره. شيء يشبه الندم. لكنه سرعان ما تذكر التسجيل. والمستند المفقود. والفضيحة. فأبعد تلك المشاعر جانبًا. كيف يمكنه تجاهل كل ذلك؟ انفتح الباب. فاستدار. دخل الثلاثة. وقال لوكا بهدوء: — سيد أندرسون، نشكرك على صبرك. ثم أضاف: — ونحن آسفون لما حدث. سارعت لينا للحديث: — نعم، سيد أندرسون. — سامح لوسين. — لقد كانت
خرجت لوسين من مكتب ناثان دون أن تنظر خلفها. أغلقت الباب بهدوء، لكنها ما إن ابتعدت عدة خطوات حتى شعرت أن آخر ما كانت تتشبث به من قوة بدأ يتهاوى. كانت الكلمات التي سمعتها قبل قليل تتردد داخل رأسها بلا توقف. "المستند اختفى." "أنتِ آخر شخص ظهر في التسجيل." "لديكِ أسبوع." "سأستدعي الشرطة." ضغطت على شفتيها بقوة. لا. لن تبكي هنا. ليس أمام الموظفين. وليس داخل هذه الشركة التي أصبحت تنظر إليها وكأنها مجرمة. تابعت سيرها حتى وصلت إلى المصعد. ثم ضغطت الزر بعنف لم تستطع السيطرة عليه. انفتح الباب بعد لحظات. دخلت بسرعة. وما إن أُغلقت الأبواب عليها حتى شعرت أن الجدار الذي بنته حول نفسها بدأ ينهار. استندت إلى الزاوية. ثم وضعت يدها على فمها. وانهمرت الدموع. بصمت. بألم. وبعجز لم تشعر به من قبل. لم تكن تبكي بسبب الاتهامات فقط. بل بسبب الفضيحة. و بسبب ناثان. الرجل الوحيد الذي ظنت أنه سيسمعها قبل أن يحكم عليها. الرجل الذي ظنت أنه يعرف انها لن تفعل هذا لكنه كان أول من نظر إليها بعين الشك. أغمضت عينيها بقوة. ثم مسحت دموعها بعنف. لا. لن تنهار.
كانت لوسين لا تزال جالسة أمام مكتب ناثان.أصابعهما المتشابكتان فوق ركبتيها كانتا ترتجفان دون توقف، بينما استمرت الدموع في الانزلاق بصمت فوق خديها الشاحبين.شعرت وكأنها وصلت إلى آخر ما تستطيع احتماله.آخر ما تبقى لديها من قوة.رفعت رأسها نحوه مرة أخرى.— ماذا تريد مني؟خرج صوتها مبحوحًا، متعبًا، كصوت شخص خسر كل شيء ولم يعد يملك سوى هذا السؤال.— أخبرني... ماذا تريد مني؟لكن ناثان لم يجب.ظل واقفًا خلف مكتبه، ينظر إليها بصمت.كانت كلماتها الأخيرة لا تزال تتردد داخل رأسه."هل تريد أن تراني أموت؟"للحظة قصيرة...شعر بشيء مؤلم ينقبض داخل صدره.شيء لم يستطع تجاهله.كانت تجلس أمامه منهارة تمامًا.وجهها شاحب.عيناها متورمتان من البكاء.وجسدها كله يوحي بأنها لم تنم أو ترتح منذ الليلة الماضية.للحظة...كاد يقترب منها.كاد يخبرها أن الأمر ليس كما تظن.وأنه لا يريد رؤيتها بهذا الشكل.لكن عقله أعاد إليه الصور من جديد.صور الكاميرات.لوسين وهي تدخل مكتبه.لوسين وهي تفتح أحد الأدراج.لوسين وهي تبحث بين الملفات.ثم اختفاء المستند بعدها مباشرة.أغلق عينيه لثانية واحدة.وحين فتحهما مجددًا، اختفى كل ما
وكأن شيئًا لم يحدث. وكأنها لم تُسحق للتو أمام عشرات الأشخاص. رفع رأسه ببطء. ونظر إليها. كانت عيناها محمرتين. ووجهها شاحبًا. لكن الغضب كان أقوى من دموعها هذه المرة. — أنا لا أوافق على ما يحدث! خرج صوتها مرتفعًا. ممتلئًا بالألم. توقف ناثان عن تقليب الأوراق. ثم أغلق الملف أمامه. — حقًا؟ كانت نبرته باردة إلى حد الاستفزاز. تقدمت نحوه. — أنا الضحية هنا. ارتجف صوتها. — الليلة الماضية كدت أفقد حياتي، واليوم أجد نفسي متهمة بالخيانة والسرقة! نهض ناثان ببطء. ثم قال: — وأنا لا أعلم ما الذي فعلته بكِ الشركة حتى تردي الجميل بهذه الطريقة. اتسعت عيناها. وشعرت وكأن الكلمات صفعتها. — ماذا؟ — لو كنتِ بحاجة إلى المال، كان بإمكانك طلبه. حدقت فيه غير مصدقة. — أتظن حقًا أنني أبيع أسرار الشركة؟ ظل يراقبها بصمت. بينما كانت هي تشعر بأن كل ما تبقى من صبرها ينهار تدريجيًا. كانت نظرات لوسين مثبتة على ناثان. تنتظر منه أن يتراجع. أن يقول إنه أخطأ في الحكم عليها. أن يمنحها فرصة واحدة فقط لتشرح. لكن وجهه بقي جامدًا. باردًا. وكأن ما تمر به لا يعنيه
لم تعد لوسين تفهم ما الذي يحدث حولها. كانت الأصوات تتعالى من كل اتجاه، والاتهامات تنهال عليها بلا توقف، حتى بدت الكلمات وكأنها ضجيج مشوش يحيط بها من كل جانب. حاولت التركيز، حاولت أن تستوعب ما يقوله الحاضرون، لكن عقلها كان منهكًا أكثر من أن يستوعب هذا الكم من الصدمات. كيف يمكنهم أن يقولوا إن الرجل الذي ظهر في الصور ليس إيثان كولمان؟ إذا لم يكن هو... فمن كان ذلك الرجل الذي قابلته في الفندق؟ ومن الذي حاول الاعتداء عليها؟ ومن الذي خطط لكل هذا؟ رفعت عينيها باحثة عن شخص واحد فقط. ناثان. كانت تحتاج إلى أن تجد في عينيه شيئًا يمنحها القوة للاستمرار. أي شيء. إشارة صغيرة تدل على أنه يصدقها. لكن عندما التقت نظراتهما، شعرت وكأن شيئًا باردًا انغرس في صدرها. كان وجهه جامدًا. باردًا. صعب القراءة. لم تجد فيه تعاطفًا. ولم تجد فيه غضبًا واضحًا. فقط ذلك الصمت القاسي الذي كان يؤلمها أكثر من أي اتهام آخر. ابتلعت ريقها بصعوبة. ثم تقدمت خطوة إلى الأمام. كانت ساقاها لا تزالان ضعيفتين منذ الليلة الماضية، لكنهما حملتاها بصعوبة. — سيد أندرسون... أرجوك. خرج صوتها خافتًا. مرهقًا. — صدقني...
خرجت لوسين من منزل جيمن بعد دقائق قليلة. كانت خطواتها أبطأ من المعتاد، ليس بسبب الإرهاق الذي ما زال يثقل جسدها فحسب، بل بسبب ذلك الشعور الخانق الذي استقر داخل صدرها منذ أن رأت الصور. شعرت وكأن حياتها كلها انقلبت خلال ليلة واحدة. ركبت السيارة بصمت. وأغلق جيمن الباب إلى جوارها قبل أن يتجه إلى مقعد السائق. انطلقت السيارة بهدوء. لكن الصمت الذي ملأ المقصورة لم يكن هادئًا. كان ثقيلاً. مؤلمًا. كانت لوسين تحدق عبر النافذة دون أن ترى شيئًا فعلًا. المدينة تتحرك من حولها. السيارات تمر. الناس يعبرون الشوارع. أما هي فكانت عالقة داخل تلك الغرفة في الفندق. ما زالت تسمع صوت إيثان. وترى ابتسامته المقززة. وتشعر بذلك الرعب الذي شلّ أطرافها. أغمضت عينيها بقوة. لكن الصور التي رأتها قبل قليل كانت أكثر قسوة. كيف تحولت الضحية إلى متهمة؟ وكيف أصبح الجميع ينظر إليها وكأنها المذنبة؟ قبضت يديها فوق حجرها. فلاحظ جيمن ذلك. نظر إليها للحظة قبل أن يعيد نظره إلى الطريق. كان يشعر بالعجز. لأول مرة منذ سنوات طويلة. كان يريد أن يخفف عنها. أن يخبرها أن كل شيء سيكون بخير. لكن حتى هو لم يكن متأك







