Masukالفصل الثالث
مأدبة بلا دفء ساد هدوء رسمي حول مائدة الطعام الطويلة، ولم يكن يُسمع سوى رنين أدوات المائدة بين الحين والآخر. جلست لوسين في طرف الطاولة، تشعر وكأنها ضيفة لا تنتمي إلى هذا المكان، بينما جلس ناثان إلى جوار ثالا، محافظًا على هدوئه المعتاد. كان يتحدث مع لوكا في أمور العمل والقضايا الكبرى، بكلمات قليلة وواضحة، أما ثالا فلم تُخفِ سعادتها وهي تراقب نظرات الإعجاب التي يوجهها والدها إلى خطيبها. قال لوكا مبتسمًا: "لم أتخيل يومًا أن تصبح عائلة ووكر مرتبطة باسم أندرسون." أجاب ناثان باقتضاب: "أتمنى أن تكون علاقة موفقة." ابتسمت ثالا وهي تقول بفخر: "بل ستكون أفضل من ذلك، أبي." التفتت إلى لوسين، ثم أضافت بنبرة لم تستطع إخفاء تفاخرها: "هل تعلمين؟ ناثان لا يقبل أي قضية عادية، وحتى جدول أعماله ممتلئ لأشهر، ومع ذلك وجد وقتًا ليهتم بترتيبات الخطبة." أومأت لوسين بهدوء، مكتفية بكلمة قصيرة: "مبروك." لكن ثالا لم تكتفِ بذلك. بدأت تتحدث عن شركات مجموعة أندرسون، وعن شهرة ناثان في الأوساط القانونية، وعن المستقبل الذي ينتظرهما، بينما كان ناثان يكتفي بالصمت أو بإجابات مقتضبة، وكأن الحديث لا يعنيه كثيرًا. راقبت لوسين ذلك بصمت. لم يكن بينهما دفء المخطوبين. ولا نظرات عاشقين. بل علاقة رسمية يغلفها كثير من التحفظ. ومع ذلك... كانت ثالا تتصرف وكأنها انتصرت في أهم معارك حياتها. في المقابل، لم يتوقف لوكا عن مدحها. "ثالا كانت دائمًا مصدر فخرنا." وأضافت لينا بابتسامة واسعة: "اجتهادها أوصلها إلى المكان الذي تستحقه." انخفضت نظرات لوسين إلى طبقها. لم تكن تنتظر كلمة مدح. لكنها اعتادت أن تكون غير مرئية في هذا المنزل. وحين رفعت رأسها، لمحت ناثان ينظر إليها للحظة صامتة، قبل أن يعود باهتمامه إلى حديث لوكا. ذلك كان كافيًا ليزيد شعورها بالاختناق. ساد الصمت للحظات، قبل أن تكسره لينا وهي تضع فنجان القهوة على الطاولة. قالت بابتسامة لا تخلو من التفاخر: "وجود السيد ناثان في عائلتنا شرف كبير." أومأ لوكا موافقًا. "إنه ليس مجرد محامٍ ناجح، بل أحد أكثر الشخصيات تأثيرًا في البلاد. الوصول إلى ما وصل إليه في هذا العمر ليس أمرًا عاديًا." خفض ناثان نظره قليلًا. "أنتم تبالغون." ابتسم لوكا. "بل أقول الحقيقة." أما ثالا، فكانت تنظر إلى خطيبها بعينين تلمعان بالفخر. قالت وهي تبتسم: "لهذا السبب يحسده الجميع." لم يعلق ناثان. اكتفى برشفة هادئة من فنجان القهوة. راقبت لوسين المشهد بصمت. كلما تحدث أحدهم، كانت تشعر بأنها تبتعد أكثر عن هذه العائلة. تبادلوا الضحكات... وتحدثوا عن حفلات الخطبة، والضيوف، وترتيبات الزفاف، بينما بقيت هي مستمعة لا أكثر. وفجأة... التفتت لينا نحوها. "وأنتِ يا لوسين؟" رفعت رأسها. "نعم؟" ابتسمت ابتسامة مصطنعة. "أما زلت تعملين كمساعدة قانونية؟" أجابت بهدوء: "نعم." قالت ثالا وهي تعقد ذراعيها: "كنت أظن أنك أصبحت محامية حتى الآن." ساد صمت قصير. ثم أضافت بنبرة بدت بريئة، لكنها حملت الكثير من السخرية: "لكن المنافسة داخل مجموعة أندرسون صعبة... أليس كذلك؟" ثم إضافة ثالا وهي ترتشف من كأس الماء: "عليكِ أن تجتهدي أكثر. مجموعة أندرسون لا تفتح أبواب الترقيات بسهولة." كانت كلماتها تبدو عادية... لكن لوسين فهمت المقصود. لطالما كانت ثالا تستمتع بتذكيرها بأنها الأقل نجاحًا. أجابت لوسين بابتسامة هادئة. "كل شيء يحتاج إلى وقت." ضحكت ثالا بخفة. "بالتأكيد." شعرت لوسين أن الكلمات لم تكن سوى محاولة جديدة لتذكيرها بأنها أقل شأنًا. أما لوكا... فلم يحاول حتى تغيير مجرى الحديث. قال وهو ينظر إلى ثالا: "لقد كنتِ دائمًا الأكثر طموحًا." ثم أضاف: "أعرف أنك ستصبحين يومًا من أفضل المحاميات." لم يقل شيئًا عن لوسين. كما لو أنها لم تكن موجودة. قبضت أصابعها أسفل الطاولة. كانت قد درست المحاماة بالجهد نفسه. وسهرت الليالي نفسها. لكن أحدًا لم يرَ ذلك يومًا. قالت لينا وهي تنظر إلى ثالا: "نحن محظوظون بك." عندها... شعرت لوسين أن الهواء داخل الغرفة أصبح أثقل من أن تتنفسه. وضعت الملعقة بهدوء. ثم وقفت. التفت الجميع إليها. قال لوكا ببرود: "إلى أين؟" أجابت وهي تحاول السيطرة على انفعالها: "أحتاج إلى بعض الهواء." قالت لينا سريعًا: "العشاء لم ينتهِ بعد." ابتسمت لوسين ابتسامة باهتة. "أما بالنسبة إليّ... فقد انتهى منذ زمن." استدارت دون أن تنتظر ردًا. وغادرت غرفة الطعام بخطوات سريعة. --- ما إن خرجت إلى الحديقة حتى استقبلها نسيم الليل البارد. توقفت في منتصف الممر الحجري. وأخذت نفسًا طويلًا. كانت تحاول تهدئة نبضات قلبها. لكن الكلمات التي سمعتها قبل قليل ظلت تتردد في رأسها. منذ طفولتها... لم يتغير شيء. ثالا هي الابنة التي يفخر بها الجميع. أما هي... فمجرد ظل يمر في هذا المنزل دون أن يلتفت إليه أحد. أغمضت عينيها للحظة. ثم أخرجت هاتفها. نظرت إلى الساعة. لا يزال هناك وقت قبل انتهاء موعد زيارة والدتها في المستشفى. ابتسمت بحزن. "سأذهب إليها..." همست بها لنفسها. "على الأقل هناك... أشعر أنني في منزلي." وضعت الهاتف في حقيبتها، واتجهت نحو البوابة الخارجية. كانت تسير مسرعة، ورأسها مثقل بالأفكار. لم تنتبه إلى الخطوات القادمة من الجهة المقابلة. وفجأة... ارتطمت بشيء صلب. شهقت وهي تفقد توازنها. لكن قبل أن تسقط... امتدت يد قوية وأمسكت بذراعها بثبات. توقفت أنفاسها. ورفعت رأسها ببطء. غير أن الظلام الذي غطى الحديقة، مع ضوء المصابيح الخافت المتسلل بين الأشجار، حال دون تمييز ملامح الرجل الواقف أمامها. كل ما استطاعت إدراكه... أنه طويل القامة... وعريض الكتفين... وأن حضوره وحده كان كافيًا ليجعل قلبها يخفق بقوة. أما هو... فلم ينطق بكلمة.نظر إليها جيمن طويلًا، وكأنه يزن كلماته قبل أن ينطق بها. — كيف كان موعدك الليلة الماضية؟ مع صديقك... السيد العقد؟ كان سؤاله مباشرًا، ولم يترك لها مجالًا للتظاهر بأنها لم تفهم قصده. شعرت لوسين بحرارة خفيفة تصعد إلى وجنتيها، لكنها لم تكن ناتجة عن الخجل بقدر ما كانت نتيجة انزعاجها من نبرته. — كان جيدًا جدًا، شكرًا لك، أجابت بلهجة متحدية. ما شأنك أنت؟ أشاح جيمن بنظره عنها، ثم استدار نحو النافذة مجددًا. — لا شأن لي، على ما يبدو. بدا صوته مرهقًا، وكأنه لم يعد يملك الطاقة لمواصلة الحديث. — بما أنك لا ترين المشكلة، فلا أعتقد أن هناك ما يستحق النقاش. لا أشعر أنني بخير، هذا كل ما في الأمر. اتركيني وحدي، من فضلك. لم تفهم لوسين ما الذي حدث له، ولماذا اختار أن يعاملها بهذه الطريقة، لكنها أدركت أنه لا يرغب في الحديث معها. غادرت مكتبه وهي تشعر بمزيد من الحيرة. لم تحصل على إجابة، ولم تستطع حتى معرفة سبب ابتعاده عنها. لكن كان هناك أمر آخر يشغل تفكيرها، أمر لم تعد قادرة على تأجيل مواجهته. اتجهت مباشرة إلى مكتب ناثان. كان قد عاد لتوه، وجلس خلف مكتبه يرتب بعض الملفات. وما إن رآه
وبحركة مفاجئة، أعادتها إلى الدرج، ووضعتها في الموضع نفسه الذي وجدتها فيه، بين حزمة العقود والخشب. ثم دفعت الدرج إلى الداخل وأغلقته بقوة أكبر مما أرادت. صدر صوت جاف في سكون المكتب، فانتفضت. حدّقت في الخزانة لثوانٍ، ثم نظرت إلى الملف الذي بقي في يدها. كان عليها العودة إلى الاجتماع. كان ناثان ينتظر الوثيقة. والشركاء ينتظرون استكمال العرض. لم يكن لديها وقت لتنهار، مهما كانت الحقيقة التي بدأت تتكشف أمامها. أخذت نفسًا عميقًا، ثم آخر، وأجبرت نفسها على استعادة هدوئها. رتّبت ملامحها قدر استطاعتها، وأمسكت الملف بإحكام قبل أن تتجه إلى الباب. لكن كل خطوة نحو قاعة الاجتماعات بدت أثقل من سابقتها. كانت تعرف أن عليها أن تواجه ناثان بعد لحظات، وأن تنظر إلى وجهه وتسمع صوته، بينما تتردد في ذهنها فكرة واحدة لا تستطيع التخلص منها. هل كان ناثان أندرسون هو الرجل الذي أخفت هويته عنها العتمة طوال تلك الليالي؟ --- عادت لوسين إلى قاعة الاجتماعات، والملف بين يديها. كان ناثان يتحدث إلى أحد الشركاء حين اقتربت منه. رفع عينيه إليها، فتقدمت وقد حافظت على ملامحها المحايدة بصعوبة. «الملف الذي
كان الاجتماع الاستراتيجي مع الشركاء في أوجه، داخل قاعة الاجتماعات التي امتازت بتصميمها الأنيق وخطوطها الهندسية البسيطة. وقف ناثان أمام شاشة العرض، مستعرضًا الأرقام بثقة لافتة. كان في أفضل حالاته؛ كاريزميًّا، دقيقًا، ومقنعًا في كل كلمة ينطق بها. تنقّل بين الشرائح بسلاسة، مجيبًا عن أسئلة الشركاء ومناقشًا ملاحظاتهم دون أن يفقد تركيزه للحظة. على الجانب، جلست لوسين تتابع سير الاجتماع بصمت. كانت تتأكد من ظهور كل وثيقة في الوقت المناسب، وتراقب العرض بعناية حتى لا يفوتها أي طلب قد يصدر عن ناثان. بدت الأمور تسير على ما يرام، إلى أن وصل الاجتماع إلى عرض التوقعات النقدية التفصيلية للربع القادم. مرّر ناثان الشريحة التالية، ثم أشار إلى أحد الرسوم البيانية. «هنا يمكننا ملاحظة التأثير الدقيق لتدفقات هاربر على سيولتنا التشغيلية»، بدأ موضحًا. «وبناءً على الأرقام الحالية، نتوقع أن نحافظ على مستوى مستقر من السيولة خلال الربع القادم، شريطة الالتزام بالجدول الزمني المتفق عليه». توقف قليلًا، ثم مدّ يده نحو الطاولة أمامه، باحثًا عن وثيقة ورقية موجزة تتضمن الأرقام الرئيسية، أُعدّت لتوزيعها على ال
تابع بعد لحظة: «أنتِ إنسانة أيضًا. من الطبيعي أن تشعري بالتعب أحيانًا». لم تعرف بماذا تجيب. كانت عبارته بسيطة، لكنها بدت غريبة حين صدرت عنه. لم يكن ناثان ممن يكثرون الحديث عن المشاعر، ولم يكن معتادًا على منحها مثل هذه المساحة من التفهم. «شكرًا لك، سيدي». أومأ برأسه، ثم أعاد فتح الملف أمامه. «أحضري لي قهوة، من فضلك. وأريد الملف الكامل الخاص باجتماع المساهمين هذا المساء، بما في ذلك أحدث التوقعات المالية المتعلقة بشراكة هاربر». استعادت لوسين شيئًا من توازنها حين عاد الحديث إلى العمل. «سأحضره فورًا». «جيد». انتظرت لحظة، كأنها تتوقع أن يضيف شيئًا آخر، لكنه انشغل بأوراقه مجددًا. فلم تجد ما يدعوها إلى البقاء. استدارت وغادرت المكتب، وأغلقت الباب خلفها بهدوء. وما إن ابتعدت عن الباب حتى توقفت للحظة. لم يكن استقبال ناثان هو ما توقعته. لقد اعتادت أن يكون صارمًا، دقيقًا، وأحيانًا قاسيًا في أحكامه حين يتعلق الأمر بالعمل. لذلك لم تستطع فهم سبب تساهله المفاجئ، خصوصًا بعد تأخرها دون تقديم تفسير واضح. هل كان متعبًا فحسب؟ أم أن هناك أمرًا آخر يشغله؟ هزّت رأسها، محاو
فتحت الماء الساخن، وانتظرت حتى امتلأ الحوض بالبخار، ثم انزلقت إلى داخله وأغمضت عينيها. كانت تريد أن تتخلص من الإرهاق الذي استقر في جسدها، وأن تستعيد بعض الهدوء قبل العودة إلى يوم جديد في مجموعة أندرسون. لكن الماء، مهما بلغت حرارته، لم يستطع أن يمحو أثر الليلة الماضية. ظلت كلمات الرجل تتردد في ذهنها. ولماذا شعرت، للحظة، بأنه لم يكن يريد المغادرة فعلًا؟ أجبرت نفسها على التوقف عن التفكير. لم يكن عليها أن تبحث عن معانٍ خفية وراء كل تصرف يصدر عنه. كان بينهما عقد واضح، وحدود وضعت منذ البداية، وأي محاولة لتفسير سلوكه قد تقودها إلى أوهام لا تحتاج إليها. كان عليها أن تتذكر ذلك. فكل ما أرادته منذ البداية هو المال الذي تحتاج إليه لعلاج والدتها، وأن تتمكن من الوفاء بالتزاماتها حتى تنتهي الليالي المئة. لم تأتِ إلى هنا بحثًا عن مشاعر. ولم يكن من حقها أن تسمح لنفسها بنسيان ذلك. --- أعادها صوت سيارة الأجرة إلى واقعها. وصلت لوسين إلى مجموعة أندرسون متأخرة بضع دقائق عن موعدها المعتاد. كانت قد رتبت مظهرها بعناية قبل مغادرة المنزل، وأخفت خلف وجهها الهادئ كل ما تركته الليلة الم
كانت شفتاه لا تزالان تلامسان شفتيها، لكن شيئًا في تلك القبلة بدا مختلفًا هذه المرة. لم تكن لوسين قادرة على تحديد ما تغيّر بالضبط. ربما كانت الرقة التي تسللت إلى حركاته، أو الطريقة التي بدا بها أقرب إليها من المعتاد، أو ذلك الإحساس الغريب بأنه لم يعد يتعامل معها كما لو كان يؤدي دورًا اعتاد إتقانه. للحظات، بدا الأمر وكأنه نسي القناع الذي يفصل بينهما. أو ربما لم يكن يرتديه أصلًا. لم تستطع لوسين الجزم بشيء، ولم تجد في الظلام ما يساعدها على فهم الرجل الذي يقف أمامها. كل ما شعرت به هو أن هذه الليلة تختلف عن سابقاتها، وأن الاختلاف لم يكن بالضرورة أمرًا يبعث على الاطمئنان. وحين ابتعد عنها أخيرًا، ترنحت ساقاها تحت وطأة الإرهاق. لم تكن قد استعادت توازنها بعد، فاضطر إلى إسنادها، ثم اصطحبها نحو السرير. جلست أولًا على حافته، قبل أن تستلقي على الملاءات المجعدة، عاجزة عن إخفاء التعب الذي أثقل جسدها. استلقى الرجل إلى جوارها بعد لحظات. شعرت بحركة يده فوق بطنها، يرسم بأصابعه خطوطًا وأشكالًا لا معنى واضحًا لها، كما لو كان يحاول حفظ تفاصيلها عن طريق اللمس. لم تعرف كيف تفسر تلك الحركة.







