تسجيل الدخولتراجعت خطوة إلى الخلف، وكأن الأرض تحت قدميها لم تعد قادرة على حملها. لم تتوقع أن يصل إليها و أن يعرف مكانها. لكن آدم كان يقف أمامها الآن هادئًا واثقًا و يبتسم ابتسامه مخيفه جعلت انفاسها تختنق رفع عينيه إليها، وظل صامتًا لحظات أما هي فشعرت بأن العالم كله ضاق حولها. تمتمت بصوت مرتجف: آ... آدم؟ لم يجب... فقط نظر إليها. وكان في عينيه شيء جعل خوفها يزداد. ابتلعت ريقها، وتراجعت خطوة أخرى. لكن آدم قال أخيرًا، بصوت منخفض: هل ستتركينني أقف عند الباب طويلًا؟ تجمدت في مكانها لم تعرف ماذا تقول. فقال آدم: أم أنك لم تتوقعي أن اصل اليك في النهايه يا هاندا؟ اقصد يا مي . ارتجفت هاندا فور سماع الاسم الذي نطق به آدم. " مي " تجمدت ملامحها....لم ينادها أحد بهذا الاسم منذ سنوات. " مي "...اسمها الحقيقي. أما هاندا فلم يكن سوى الاسم الذي اختبأت خلفه طوال هذه السنوات. حدقت فيه بخوف: كيف... عرفت؟ لم يجبها آدم. دفع الباب إلى الداخل، فتراجعت هاندا خطوة تحت وطأة المفاجأة. دخل آدم إلى الشقة، ثم أغلق الباب خلف وأدار المفتاح في القفل. صوت الإغلاق جعل قلبها يخفق بعنف. أخرج المف
بعد مغادرة رهف، بقي آدم جالسًا على الأريكة، كان منهارًا تمامًا. جفت الدموع على وجهه، لكن آثارها بقيت واضحة في عينيه. ظل ساكنًا للحظات، يحدق في الفراغ، وكأن عقله عاجز عن استيعاب أنها غادرت فعلًا. ثم نهض ببطء. اتجه نحو زجاجة النبيذ، أمسكها وصب كأسًا ثالثة. رفع الكأس إلى شفتيه وشربه دفعة واحدة. وضعه على الطاولة، ثم اتجه إلى الحمام. فتح الصنبور، وغسل وجهه بالماء البارد. رفع رأسه ببطء...كانت قطرات الماء تنساب من وجهه وتسقط داخل المغسلة. نظر إلى انعكاسه في المرآة. عيناه حمراوان من اثر البكاء والنبيذ، وملامحه مرهقة بشكل لم يعتده حتى هو. ظل يحدق في نفسه طويلًا ثم أغمض عينيه وهمس: رهف... فتح عينيه من جديد. خرج من الحمام وهو يمرر أصابعه بين خصلات شعره، محاولًا استعادة بعض تماسكه. وفجأة...رن هاتفه. توقف....نظر إلى الهاتف الموضوع فوق الطاولة. تقدم نحوه بلا اهتمام، ثم حمله ببطء. لكن ما إن رأى اسم المتصل حتى تغيرت ملامحه. كان نفس الرقم الذي اتصل به أثناء العشاء. عقد حاجبيه، ثم أجاب بصوت متعب: نعم. جاءه صوت الرجل من الطرف الآخر: لقد عثرنا على موقعها، سيد
أنا لا أستطيع العيش بدونك... خرجت الجملة منها كاعتراف مكسور. لكنني لا أستطيع البقاء الآن أيضًا. وضعت يدها على قلبها، كان يؤلمها وكأنه يحاول تمزيق صدرها من الداخل. لم تكن تريده أن يختفي من حياتها، وام تكن تريد الطلاق، ولا الفراق، ولا حتى يومًا واحدًا بعيدًا عنه. لكنها في هذه اللحظة لم تكن قادرة على النظر في عينيه دون أن تشعر بأن شيئًا بداخلها ينكسر. مسحت وجهها بكفيها، ثم استدارت عن الفندق. في تلك اللحظة توقفت سيارة أجرة أمامها. خفض السائق النافذة وقال: إلى أين يا سيدتي؟ ترددت رهف، نظرت مرة أخيرة إلى الفندق ثم ابتلعت دموعها وقالت: فقط... ابتعد عن هنا. ***** كان فارس يجلس أمام والده عباس على مائدة العشاء. و المكان هادئًا، باستثناء صوت أدوات الطعام وهي تلامس الأطباق. ومنذ بداية العشاء، كان فارس يختلس النظر إلى والده بين الحين والآخر. عباس بدا هادئًا بشكل غريب. هادئًا وكأن شيئًا لم يحدث في هذا اليوم. لكن فارس كان يعرف والده جيدًا. هذا الهدوء لم يكن طبيعيًا. تنحنح عباس دون أن يرفع عينيه عن طبقه، وقال: لماذا تنظر إليّ بين حين وآخر؟ تجمد فارس للحظة، ثم ابتسم
التقطت رهف آخر كلماته بصمت ثم رفعت عينيها إليه، قالت بصوت خافت: إذن... أوس هو الطفل الذي كان في جناحك، صحيح؟ توقف قلب آدم للحظة....مد يده نحوها غريزيًا، محاولًا لمس يدها، لكنها أبعدتها فورًا. تجمدت أصابعه في الهواء... ابتلع الغصة العالقة في حلقه وقال: نعم. سكت لحظة، ثم تابع: أخبرتني ايلا أن أوس مريض، وعندما أخبرني الطبيب أنه يحتاج إلى عناية خاصة... نقلته إلى جناحي. امتلأت عينا رهف بالدموع. رآها آدم، وشعر بشيء ينهار داخله. لكنه واصل، وكأنه يحاول الإمساك بآخر فرصة لإنقاذ ما بينهما. رهف... وأشار إلى بطنها. عندما ذهبت إلى المستشفى وتبرعت بالدم، لم أفعل ذلك لأنني كنت أعرف انه ابني توقف... فعلت ذلك من أجل طفلنا. وضعت رهف يدها فوق بطنها دون أن تشعر. قال آدم بصوت متهدج: وسأفعل واجبي تجاه أي طفل يحتاجني... سواء كان أوس ابني أم لم يكن. اقترب خطوة، ثم توقف عندما رأى دموعها. لكن صدقيني... عندما تبرعت له بالدم، كنت أفكر في طفلنا الذي تحملينه الآن. ارتعش صوته... كنت أقول لنفسي: لو كان طفلنا في مكانه... كنت سأفعل الشيء نفسه. لم يستطع إكمال الجملة... انهمر
تردد آدم للحظة ثم قال: أخبرتني أنه ابني. اتسعت عينا رهف....تراجعت نصف خطوة، وكأن يديه على كتفيها لم تعودا قادرتين على تثبيتها. ابنك؟ ظل آدم صامتًا...حدقت فيه رهف، ثم خرج اسم واحد من بين شفتيها: ايلا... توقفت، وكأنها تحاول ترتيب الكلمات داخل رأسها فهتفت: إيلا؟! اقترب آدم منها و بصوته العميق قال: رهف، اهدئي... دعيني أشرح لك أبعدت يديه عنها فجأة. لا !!! ارتفع صوتها، وارتجف معه جسدها. لا تقل لي اهدئي!.. تراجعت خطوة، وهي تنظر إليه بعدم تصديق: أنت وايلا... تقطعت أنفاسها. أنتما تعرفان كل هذا؟ لم يجب آدم فورًا.... وكان صمته أسوأ من أي إجابة. شهقت رهف: وأخفيتماه عني؟ ساد الصمت. نظرت إليه وكأنها تراه للمرة الأولى، قالت: كنت تعرف أن أوس قد يكون ابنك... و أن إيلا تعرف الحقيقة... وضعت يدها على صدرها. وأنا... كنت آخر من يعلم؟ قال آدم بسرعة: رهف، الأمر ليس كما تظنين. ضحكت ضحكة قصيرة مكسورة. إذًا كيف هو؟ اقترب منها، لكنها رفعت يدها تمنعه. لا تقترب. توقف آدم... كانت عيناها تمتلئان بالدموع، لكن الصدمة كانت أقوى من أن تسمح لها بالبكاء.
منذ دخولهما المصعد، كان آدم غارقًا في شروده. كان متأكدًا أن رهف سمعت شيئًا، لكن ما أثار قلقه أنها حافظت على هدوئها ولم تسأله. عرفها جيدًا… كانت تؤجل الأمر حتى يصبحا وحدهما. ولهذا، ومنذ أن أُغلق باب المصعد، كان آدم يهيئ نفسه للمواجهة التي يعرف أنها قادمة. دخل آدم مع رهف إلى جناحهما في الفندق، وأغلق الباب خلفهما بهدوء. خلع سترته ورماها فوق الأريكة، ثم اتجه إلى الثلاجة الصغيرة في زاوية الصالة. أخرج زجاجة نبيذ، فتحها وصب لنفسه كأسًا. كانت رهف تراقبه بصمت و قد جلست على الاريكه بدورها. رفع آدم الكأس إلى شفتيه وشربه دفعة واحدة، ثم اتجه نحو النافذة المطلة على أضواء المدينة. وقف هناك، شاردًا. قالت رهف فجأة: أنت ملزم بإخباري بما تخفيه عني يا آدم... عن السؤال الذي تعرفه. تجمد للحظة... لكنه لم يلتفت. عاد إلى الطاولة، صب كأسًا ثانيًا، وشربه بسرعة، ثم وضع الكأس أمامه. وقفت رهف و تقدمت نحوه حتى اصبحت على مسافة خطوات منه قالت بصوت منخفض: ما الذي تخفيه عني يا آدم؟ رفع عينيه إليها.... كانت عيناه الداكنتان تحملان شيئًا لم تراه فيه من قبل... خوفًا حقيقيًا. قال بصوت منخفض:
في شركة فارس الداغر… توقّفت سيارة سوداء فاخرة بانسيابية أمام البوابة الزجاجيه العملاقة، كأنها تعلن وصول صاحب المكان لا مجرد دخوله. فتح الباب بهدوء، وترجّل فارس الداغر بثقةٍ لا تُعلَّم… بل تُولد معه. هيبته سبقت خطواته؛ بدلة سوداء مصقولة بإتقان، قميص أبيض ناصع ترك زريه العلويين مفتوحين، كاشفًا عن ص
آدم الكيلاني لم ينم تلك الليلة. وقف أمام الواجهة الزجاجية لشقته المطلة على المدينة، كأس الويسكي في يده، والخاتم الذي أعادته رهف في اليد الأخرى. الخاتم كان صغيرًا. خفيفًا. لكنه أثقل من كل شيء حمله في حياته. شد قبضته عليه حتى انغرست حوافه في راحته. في الأسفل، كانت المدينة تلمع، سيارات، موسيق
تجمّد الهواء داخل الصالة. كلمات فارس لم تكن مرتفعة، لكنها نزلت على الجميع كحكم جاهز التنفيذ. ارتفعت همسات النساء في الخلف، ومالت الرقاب كأسراب طيور تقتات على الفضائح. بعضهم جاء للعزاء، لكن أكثرهم جاء ليرى من سينهار أولًا. وليـد الهاشمي اندفع خطوة للأمام، وجهه محمر، عروق رقبته نافرة. "اخرج من
كانت ضحكة المرأة القادمة من الطابق العلوي حادةً بما يكفي لتشق صدر رهف نصفين. توقفت عند أول درجة من السلم، يدها ما زالت تقبض على ظرف المستشفى الأبيض، وأنفاسها متقطعة كأنها ركضت مسافة عمر كامل لا بضع خطوات. داخل الظرف ورقة واحدة فقط، سطر واحد فقط، لكنه كان كافيًا ليقلب حياتها: نتيجة إيجابية. وضع






