LOGINالتقطت رهف آخر كلماته بصمت ثم رفعت عينيها إليه، قالت بصوت خافت: إذن... أوس هو الطفل الذي كان في جناحك، صحيح؟ توقف قلب آدم للحظة....مد يده نحوها غريزيًا، محاولًا لمس يدها، لكنها أبعدتها فورًا. تجمدت أصابعه في الهواء... ابتلع الغصة العالقة في حلقه وقال: نعم. سكت لحظة، ثم تابع: أخبرتني ايلا أن أوس مريض، وعندما أخبرني الطبيب أنه يحتاج إلى عناية خاصة... نقلته إلى جناحي. امتلأت عينا رهف بالدموع. رآها آدم، وشعر بشيء ينهار داخله. لكنه واصل، وكأنه يحاول الإمساك بآخر فرصة لإنقاذ ما بينهما. رهف... وأشار إلى بطنها. عندما ذهبت إلى المستشفى وتبرعت بالدم، لم أفعل ذلك لأنني كنت أعرف انه ابني توقف... فعلت ذلك من أجل طفلنا. وضعت رهف يدها فوق بطنها دون أن تشعر. قال آدم بصوت متهدج: وسأفعل واجبي تجاه أي طفل يحتاجني... سواء كان أوس ابني أم لم يكن. اقترب خطوة، ثم توقف عندما رأى دموعها. لكن صدقيني... عندما تبرعت له بالدم، كنت أفكر في طفلنا الذي تحملينه الآن. ارتعش صوته... كنت أقول لنفسي: لو كان طفلنا في مكانه... كنت سأفعل الشيء نفسه. لم يستطع إكمال الجملة... انهمر
تردد آدم للحظة ثم قال: أخبرتني أنه ابني. اتسعت عينا رهف....تراجعت نصف خطوة، وكأن يديه على كتفيها لم تعودا قادرتين على تثبيتها. ابنك؟ ظل آدم صامتًا...حدقت فيه رهف، ثم خرج اسم واحد من بين شفتيها: ايلا... توقفت، وكأنها تحاول ترتيب الكلمات داخل رأسها فهتفت: إيلا؟! اقترب آدم منها و بصوته العميق قال: رهف، اهدئي... دعيني أشرح لك أبعدت يديه عنها فجأة. لا !!! ارتفع صوتها، وارتجف معه جسدها. لا تقل لي اهدئي!.. تراجعت خطوة، وهي تنظر إليه بعدم تصديق: أنت وايلا... تقطعت أنفاسها. أنتما تعرفان كل هذا؟ لم يجب آدم فورًا.... وكان صمته أسوأ من أي إجابة. شهقت رهف: وأخفيتماه عني؟ ساد الصمت. نظرت إليه وكأنها تراه للمرة الأولى، قالت: كنت تعرف أن أوس قد يكون ابنك... و أن إيلا تعرف الحقيقة... وضعت يدها على صدرها. وأنا... كنت آخر من يعلم؟ قال آدم بسرعة: رهف، الأمر ليس كما تظنين. ضحكت ضحكة قصيرة مكسورة. إذًا كيف هو؟ اقترب منها، لكنها رفعت يدها تمنعه. لا تقترب. توقف آدم... كانت عيناها تمتلئان بالدموع، لكن الصدمة كانت أقوى من أن تسمح لها بالبكاء.
منذ دخولهما المصعد، كان آدم غارقًا في شروده. كان متأكدًا أن رهف سمعت شيئًا، لكن ما أثار قلقه أنها حافظت على هدوئها ولم تسأله. عرفها جيدًا… كانت تؤجل الأمر حتى يصبحا وحدهما. ولهذا، ومنذ أن أُغلق باب المصعد، كان آدم يهيئ نفسه للمواجهة التي يعرف أنها قادمة. دخل آدم مع رهف إلى جناحهما في الفندق، وأغلق الباب خلفهما بهدوء. خلع سترته ورماها فوق الأريكة، ثم اتجه إلى الثلاجة الصغيرة في زاوية الصالة. أخرج زجاجة نبيذ، فتحها وصب لنفسه كأسًا. كانت رهف تراقبه بصمت و قد جلست على الاريكه بدورها. رفع آدم الكأس إلى شفتيه وشربه دفعة واحدة، ثم اتجه نحو النافذة المطلة على أضواء المدينة. وقف هناك، شاردًا. قالت رهف فجأة: أنت ملزم بإخباري بما تخفيه عني يا آدم... عن السؤال الذي تعرفه. تجمد للحظة... لكنه لم يلتفت. عاد إلى الطاولة، صب كأسًا ثانيًا، وشربه بسرعة، ثم وضع الكأس أمامه. وقفت رهف و تقدمت نحوه حتى اصبحت على مسافة خطوات منه قالت بصوت منخفض: ما الذي تخفيه عني يا آدم؟ رفع عينيه إليها.... كانت عيناه الداكنتان تحملان شيئًا لم تراه فيه من قبل... خوفًا حقيقيًا. قال بصوت منخفض:
جاء صوت الطبيب: نعم، سيد آدم. أخذنا العينة بالفعل. اتصلت بك فقط لأطمئنك وأخبرك أن كل شيء تم كما طلبت. أغمض آدم عينيه براحة. جيد... شكرًا لك. أخبرني فور ظهور النتيجة. بالتأكيد، سيد آدم. أنهى آدم المكالمة، أنزل الهاتف ببطء، ثم استدار. وفجأة... اصطدم وجهًا لوجه برهف. تجمد في مكانه واتسعت عيناه. أما رهف... فكانت تقف أمامه دون أن ترمش و عيناها معلقتين به. تقدم آدم نحوها بخطوات بطيئة، وعيناه تبحثان في ملامحها عن أي إشارة محدّثاً نفسه: " هل سمعت شيئًا " توقف أمامها، وقال بارتباك حاول إخفاءه: لماذا أتيتي؟ هل أنهيتي عشاءك؟ كانت رهف تنتظر أن يخبرها بنفسه بما سمعته، لكن شيئًا لم يحدث. أجابته بهدوء: نعم... ثم قلقت لأنك تأخرت. رفع آدم يده إلى وجهها، ومرر أصابعه برفق على خدها. هل يهمك أمري كثيرًا يا رهف؟ رفعت يدها، وأمسكت بأصابعه فوق خدها، ثم أومأت. نعم. انحنى آدم وقبّل شفتيها قبلة هادئة. لكن قلبه لم يكن هادئًا. كان الخوف لا يزال يضغط على صدره، وعقله يكرر السؤال نفسه: هل سمعت؟ ابتعد عنها قليلًا : اشتقت لك. خجلت رهف، ولمعت عيناها تحت أضواء المطعم.
لم يكن ينظر إلى وسيم بل إلى رغد؛ ابتسامتها و الطريقه التي تنظر بها الى وسيم. حاول أن يبتلع ذلك الشعور. لكن شيئًا آخر كان يصرخ في أعماقه بعكس ذلك تمامًا. أخفض عينيه للحظة ثم نهض فجأة و قال: سأذهب إلى دورة المياه... اطلبوا العشاء. تحرك مبتعدًا، ثم توقف والتفت نحو رغد: رغد... تعرفين ما أحب. ابتسمت له: بالطبع. أومأ كفاح، ثم استدار وغادر نحو دورة المياه. تابعته عينا آدم حتى اختفى ثم عاد بنظره إلى رغد. وبقيت ابتسامته البارده على وجهه، شعر بأن هناك شيء غريب باهتمام كفاح المفاجئ برغد لم يفكّر طويلاً ثم بادر بالقول: لنطلب الطعام.... ****** أغلق كفاح باب دورة المياه خلفه. بقي واقفًا لثواني، وملامحه لا تزال جامده كما كانت أمام وسيم و رغد. ثم وضع يديه على حافة المغسلة، وأطرق رأسه. عاد إلى ذهنه صوت وسيم: أنا جاد في علاقتي بها... أريد الزواج منها أغمض كفاح عينيه. ارتجفت أصابعه، ثم قبض عليها بقوة. رفع رأسه نحو المرآة، كان وجهه متماسكًا، لكن عينيه بدأتا تمتلئان بالدموع. همس: رغد... نزلت دمعة على خده فمسحها سريعًا، لكن تبعتها أخرى أخفض رأسه، ولم يعد
لكن عادت نظراته على الرجل الغريب الذي يجلس معهم. تقدم نحو الطاولة بخطوات واثقة، مرتديًا بدلة داكنة مصممة بإتقان، وساعة فاخرة تلمع بهدوء حول معصمه. كان حضوره وحده كافيًا لجذب الانتباه، حتى النساء لم يبعدن انظراهن عنه. وحين وصل إلى رهف، وضع ذراعه حول كتفيها. رفعت رهف عينيها إليه وقد بدت عليها الدهشه و همست بصوت مسموع: ادم وقفت بعدما ابعدت الكرسيّ خلفها بهدوء ثم بادلت عناقه بابتسامة هادئة، متعمده أن تبدو طبيعية أمام الجميع و قالت: عدت باكرًا اليوم... انحنى آدم وقبّل جبينها. احمرّت وجنتاها فورًا فوق بشرتها البيضاء. ابتسم وهو يدعوها للجلوس: اشتقت لك. جلست رهف، فجلس آدم إلى جانب كفاح. وفي اللحظة التي استقر فيها على مقعده، اشتعل بين الرجلين شرر خفي. لم يتبادلا كلمة واحدة، مجرد نظرة لكنها كانت كافية ليعرف الجالسين معهم انه لا يحب كل منهما الآخر. في الجهة الأخرى، تبادل وسيم مع كفاح نظرة قصيرة. كان واضحًا لكليهما أن آدم لم يمنحهما القدر المفترض من الاحترام، إلا أن وجود رهف جعلهما يبتلعان اعتراضهما. فالعلاقة بين آدم وكفاح لم تكن يومًا قريبة، حتى مع كون رهف زوجة
كانت ضحكة المرأة القادمة من الطابق العلوي حادةً بما يكفي لتشق صدر رهف نصفين. توقفت عند أول درجة من السلم، يدها ما زالت تقبض على ظرف المستشفى الأبيض، وأنفاسها متقطعة كأنها ركضت مسافة عمر كامل لا بضع خطوات. داخل الظرف ورقة واحدة فقط، سطر واحد فقط، لكنه كان كافيًا ليقلب حياتها: نتيجة إيجابية. وضع
وصلت رهف إلى بوابة الشركة الضخمه فتوقفت للحظة رفعت عينيها تتأمل المبنى الشاهق، الوجوه العابرة، السيارات المسرعة، وضجيج الحياة الذي بدا كأنه يستمر دون أن يعبأ بانكسار أحد. ثم هبط نظرها ببطء نحو نفسها. تأملت ثيابها ، وانسابت عيناها فوق جسدها الذي أهملته طويلًا، ويديها اللتين فقدتا نعومتهما تحت عب
انتهى الاجتماع. بصوتٍ حازمٍ لا يقبل النقاش، أمر آدم الموظفين بالعودة إلى مكاتبهم، فتفرّقوا كأوراقٍ سحبتها ريح السلطة. بقي وحده لوهلة، يمدّ يده إلى هاتفه، وعيناه تلمعان بسخريةٍ باردة. ابتسم… تلك الابتسامة التي لا تحمل دفئًا، بل وعدًا بمواجهة. "أهذه لعبة جديدة يا رهف؟ من تظنين نفسك؟" همس بها لنفس
انفتح الباب على استحياء، كأنّ الهواء نفسه يخشى أن يزعج سكون المكان. أطلّ سليم برأسه أولاً، ثم تقدّم بخطوات محسوبة، وصوته يحمل تردداً خفيفاً: "سيدي…" لم يرفع فارس رأسه فوراً، ظلّ قلمه يتحرّك فوق الأوراق كأنّه يحفر أفكاراً لا تُقال، ثم قال بنبرة هادئة تخفي ما تحتها: "تفضل يا سليم… ماذا هناك؟" ابتل







