LOGINإليز
كنت أقف أمام المرآة في غرفتي الصغيرة في شرق لندن، أمسح آثار المكياج الثقيل عن وجهي.
الغرفة كانت ضيقة، لا تتجاوز ثمانية أمتار مربعة، جدرانها مطلية بلون أبيض باهت، وسرير واحد صغير يشغل معظم المساحة إلى جانب طاولة صغيرة وكرسي خشبي، رائحة العطور المتبقية من الليلة السابقة كانت تملأ الهواء.
عيناي الرماديتين الداكنتين بدتا متعبتين في انعكاس المرآة، وكأنهن تحملان سنوات أكثر مما أبلغ من العمر.
خمسة وعشرون عامًا فقط، وأشعر وكأنني عشت عمراً كاملاً مليئاً بالخيبات.
كنت أمسح الماسكارا ببطء، وأتذكر كيف كانت عيناي تتلألآن بالأمل قبل سنوات.
الآن، هما مجرد مرآتين للإرهاق والحذر الدائم.
باريس... كانت تبدو الآن كحلم بعيد، كصورة قديمة تتفتت في الذاكرة. منزل العائلة في الحي الراقي شارع الشانزليزيه، ذلك القصر الصغير ذو النوافذ الفرنسية الكبيرة والحديقة الخلفية المليئة بورود الياسمين.
كل يوم أتذكر رائحة الخبز الطازج في الصباح الباكر، عندما كانت الخادمة ماري تخرج من المطبخ حاملة صينية الكرواسون الساخن، وضحكة والدي الجهورية وهو يقرأ الجريدة على الطاولة.
كان يدعوني "أميرتي الصغيرة"، ويعد بأن يأخذني إلى الأوبرا في نهاية كل أسبوع.
لكن كل ذلك انهار بعد وفاته المفاجئة التي لحقت بوفاة أمي الغالية قبله. لم يكن الموت مجرد نهاية، بل كشف سراً مدمراً.
الديون التي تركها لي لم تكن مجرد أرقام على ورق، كانت قنبلة موقوتة تهدد بالقصر الذي ترعرعت فيه، والذي يمثل كل ذكرياتي الجميلة.
البنوك بدأت تطاردني برسائل رسمية باردة، والمحامون يتحدثون عن حجز الأصول. كنت أرى المنزل يبتعد عني شيئاً فشيئاً، كأن يدًا خفية تسحبه إلى الظلام.
وكان خطيبي السابق لوكاس آخر من توقعت أن يخذلني. كنا معاً خمس سنوات، خططنا لزفاف فخم، لمستقبل مليء بالسفر والأطفال. لكنه، عندما انفجرت الفضيحة، تراجع فجأة.
"أنا آسف، إليز، عائلتي لن تقبل بهذا. الديون... هذه الفضيحة ستدمرنا." تلك الكلمات لا تزال تتردد في رأسي كل ليلة، مثل سكين يدور في الجرح.
لقد تركني في أسوأ لحظاتي، ثم اختفى؛ كأن الخمس سنوات التي قضيناها معًا لم تكن سوى حلم عابر، ذكرى تافهة يمكن رميها في سلة المهملات.
لهذا أتيت إلى لندن.
هربًا من الأنظار، من الأسئلة، من الشفقة في عيون أصدقاء العائلة القدامى، بحثًا عن فرصة أنقذ بها ما تبقى من كرامتي، ومنزل عائلتي، ومن السجن الذي قد أتعفن به بسبب الديون التي تلاحقني الآن.
العمل في الملهى لم يكن حلمي، لقد كنت راقصة باليه محترفة، ولكنه كان الخيار الوحيد الذي يوفر لي دخلاً سريعاً دون أن أبيع جسدي تماماً.
تنهدت بعمق وأنا أرتدي قميصًا واسعًا رماديًا قديمًا يصل إلى منتصف فخذي. وألقيت بجسدي على الفراش.
اليوم أيضاً كان شاقًا.
ساعات طويلة من الرقص على العمود، الابتسامات الزائفة للزبائن، والإحساس المستمر بالعيون الجشعة التي تتبع كل حركة من حركاتي.
مدام سوزان بدأت تضغط عليّ أكثر في الأسابيع الأخيرة، تطلب عروضاً خاصة، و"خدمات إضافية" للزبائن الكبار.
الزبائن أصبحوا أكثر جرأة، يمدون أيديهم، يحاولون لمسي، ويهمسون كلمات بذيئة. لكنني لن أكسر الشرط الذي وضعته منذ اليوم الأول: أنا أرقص فقط. لا أكثر. مهما كان الراتب، مهما كانت الضغوط.
فجأة... سمعت طرق خفيف على الباب.
توقفت للحظة، قلبي يدق بسرعة.
في هذا المكان، الطرق بعد منتصف الليل لا يعني عادةً شيئاً جيداً، ولهذا فتحته بحذر، ممسكة بالباب نصف مفتوح.
كانت لينا تقف أمامي، راقصة التعري معي في الملهى، في العشرينيات ذات شعر أشقر مصبوغ وابتسامة ماكرة دائمة على وجهها. كانت ترتدي روب حمام قصير، وتدخن سيجارة.
"مدام سوزان تريدك في غرفتها، الآن." قالتها بصوت خافت، لكن فيه لمسة من التشفي.
تجهمت. لم يكن ذلك خبرًا جيدًا عادةً.
أنا وجميع الراقصات نسكن في مبنى خاص بمدام سوزان، مبنى قديم مكون من أربعة طوابق في حي غير آمن تماماً، لكنه يوفر غرف استوديو صغيرة بمطبخ وحمام.
إنه المكان الوحيد الذي لا أدفع به إيجاراً، ولهذا أنا مضطرة للبقاء هنا رغم كل شيء، المكان يوفر عليّ مئات الجنيهات شهرياً، وهو ما أحتاجه لإرساله إلى باريس لسداد الديون.
صعدت الدرج ببطء، خطواتي ثقيلة على الخشب العتيق الذي يصدر صريرًا، شقة مدام سوزان في الطابق الأخير كانت مختلفة تماماً.
شقة واسعة، فاخرة، مفروشة بأثاث أوروبي أنيق، مع سجاد تركي سميك وثريات كريستال، كانت جالسة على الأريكة الباهظة الثمن، تدخن سيجارة وترتشف من كأس مشروب في يدها.
"إليز،" بدأت بصوت هادئ لكنه حاد كشفرة حلاقة، "الرجل الذي أنقذك تلك الليلة في الزقاق... سيد داميان بلاكوود، يسأل عنك."
تجمدت في مكاني. ذكرى تلك الليلة عادت فجأة: الزقاق المظلم، الرجل الذي حاصرني، والسكين التي طارت بدقة مخيفة من بين أصابع داميان بلاكوود.
"أخبريه إنني لا ألتقي بالزبائن." أردفت بدون تردد.
"هو ليس زبونًا عاديًا، إنه يملك مجموعة شركات بلاكوود الترفيهية، وسيرك بلاكوود... أو ما تبقى منه. وهو يحضر كل ليلة منذ أسبوعين فقط ليراكِ أنتِ فقط." ابتسمت مدام سوزان ابتسامة عريضة، عيناها الضيقتان تتلألآن بحسابات مالية.
شعرت بضيق في صدري.
تذكرت عينيه الزرقاوين الباردتين، وجهه الوسيم الحاد، والطريقة التي تحرك بها بثقة مطلقة، كان مختلفًا عن بقية الرجال الذين يأتون الملهى، وأراه جالساً يفحص كل حركة أقوم بها في عروضي، لكنه ما زال رجلاً يرتاد ملهى ليليًا للتسلية.
أنا لا أثق به.
لا أثق بأي رجل بعد لوكاس.
"لا يهمني من يكون، الاتفاق بيننا مازال قائم." قلت بصوت حازم.
مدام سوزان ابتسمت ابتسامة باردة، ونفثت دخان سيجارتها "الدنيا تدور، عزيزتي. والمال يتكلم. فكري في الأمر، عرض من رجل مثله قد لا يتكرر."
خرجت من شقتها وأنا أشعر بالغضب يغلي داخلي كبركان على وشك الانفجار.
نزلت الدرج بسرعة، قلبي يدق بعنف.
لن أبيع نفسي، لن أكرر أخطاء والدي الذي غرق في القمار والوعود الكاذبة، لن أدع أي رجل، مهما كان ثريًا أو مؤثرًا، يعتقد أنه يستطيع شرائي بمجرد لمحة أو عرض مالي.
سأجد طريقة أخرى، حتى لو كان ذلك يعني العمل لسنوات طويلة.
الفصل 116: نيرانُ الغيرة وعاصفة التحدي داميان --- كانت الدماء تغلي في عروقي بلهيبٍ كاسح، وكل دقيقة مرت منذ انطلاق هذا الحفل كانت تطحن صبري وثباتي كحجر أعمى. كنتُ أقف بجانب العمود المذهب الضخم في صدر القاعة، أقبض على كأس كستنائي من الكريستال بيدي الفولاذية حتى كاد الزجاج يتشقق بين أصابعي. عيناي لم تفارقا إليز لثانية واحدة. منذ بداية الحفل، والجميع... الجميع بلا استثناء، من كبار رجال الأعمال، والمستثمرين، وحتى العائلات الأرستقراطية التي أقبلت من باريس، يتوددون إليها، يحومون حولها مثل الذئاب! حتى وإن كان الحديث يبدو رسمياً ومجرد نقاشات عمل جافة حول السيرك، إلا أن رغبة أولئك الرجال في الاقتراب من هالتها الساحرة كانت جليّة، فتقتلني الغيرة وتحولني إلى وحشٍ مكبل برداء الأناقة. تذكرتُ دقائق العرض الخاص الذي قدمته قبل قليل... يا إلهي! كيف يمكن لامرأة أن تسلب الأنفاس وتأسر العقول بهذا الشكل الأسطوري؟! رغم حَمْلها الذي بدأ يرسم انحناءة ناعمة ودافئة في أسفل بطنها، إلا أنها تحركت فوق خشبة المسرح برشاقة فراشة طائرة تُحلق فوق جمر اشتعالي. كان فستانها الذهبي الفاخر يلتصق بمنحنياتها كأنه ص
الفصل 115: رقصةُ وغيرةِ محترقةإليز---كانت أضواء الثريات الكريستالية العملاقة تنسج خيوطاً من الذهب والفضة فوق قاعة الاستقبال الفاخرة، حيث اختلطت أصوات الموسيقى الكلاسيكية الهادئة بهمهمات كبار الشخصيات ورجال الأعمال. كنتُ أقف وسط الحفل بكبرياء هادئ، أراقب تفاصيل الحفل بعينين فاحصتين، وأشعر بنظرات الإعجاب والرهبة تلاحقني من كل كرف.لكن، لم تكن كل النظرات في القاعة تحمل التقدير؛ ففي الزاوية الأخرى من القاعة، كانت هناك عيون أخرى تشتعل حاقداً وسمّاً.وقعت عيناي على لارا. كانت تقف مرتدية فستاناً أحمر داكناً يفيض بالصخب، لكن وجهها كان مصبوغاً بلون الغيظ المبرح. كانت تتابعني وأنا أتلقى عبارات الثناء من المستثمرين، ثم تحولت بنظراتها المسمومة نحو رجل الأعمال الإيطالي الوسيم، لوكا سالفادوري، الذي كان يقف غير بعيد عنها، متبسماً بتهذيب وهو يوجه نظرات واضحة نحو مكاني.لم تستطع لارا كبح حقدها طويلاً. أخذت خطوات سريعة ومتعجرفة نحو لوكا، محاولة جذب انتباهه بكل ما أوتيت من إغواء، لتأخذ مكانها بجانبه وتبدأ بابتسامة مصطنعة في محاولة لجرّ أطراف الحديث معه وجعله يلتفت إليها ويطلب منها مراقصتها، علها تس
الفصل 114: خيوطُ النجاة وبريقُ الاستقلالإليز---كانت الطاولة الكبيرة في مكتبي الخلفي مغطاة بأكومة من البطاقات الفاخرة ذات الحواف المذهبة والروائح العطرية الخفيفة. لأسابيع، لم أكتفِ بإدارة التدريبات الصارمة وحسب، بل كنتُ أدير أدق تفاصيل العودة الكبرى للسيرك الإمبراطوري.خلال تلك الساعات الهادئة، كنتُ أتولى بنفسي صياغة وإرسال دعوات الحفل الخاص والاستعراض الحصري الذي سبق ليلة الافتتاح الرسمية بأيام قليلة. وجهت الدعوات بعناية فائقة؛ لم تقتصر على النخبة ورجال الأعمال المرتبطين بإمبراطورية داميان بلاكوود فحسب، بل امتدت لتصل إلى أسماء عريقة وكبار العائلات الأرستقراطية التي عرفتها وعرفت أبي الراحل يوماً في فرنسا، أولئك الذين يحملون وزناً سياسياً واجتماعياً لا يُستهان به، والذين كنتُ أدرك تماماً أن وجودهم سيمنح السيرك، ويمنحني شخصياً، حصانة ومكاناً لا يمكن لأحد المساس به.وقبيل ليلة الافتتاح الكبرى بأيام، أقمنا حفلاً خاصاً ومغلقاً، خُصص لاستقبال كبار المستثمرين، ورجال الأعمال، والشخصيات النافذة الراغبة في تمويل العروض القادمة وتوسيع نطاق السيرك.في تلك الليلة، ارتدَت القاعة حلة أسطورية؛ أضو
الفصل 113: ظلالٌ وأوهامُ الأمانداميان---استيقظتُ قبل بزوغ الفجر بقطراتٍ معدودة.كانت الغرفة لا تزال غارقة في عتمة خافته ناعمة، وعبير الفانيليا والياسمين العطري يتسلل إلى أنفاسي متمازجاً مع دفء أجسادنا. كانت إليز تستقر على صدري العاري، وشعرها الذهبي الحريري مبعثراً في دلالٍ أسطوري فوق كتفي، بينما كانت يداها الناعمتان تتشبثان بقماش الوسادة بقرب خط قلبي، وأنفاسها الهادئة المنتظمة تتردد كأنها تعويذة طمأنينة أطرد بها أشباح الماضي.انحنيتُ برفقٍ خرافى، وطبعتُ قبلة حانية، خفيفة كحفيف نسيم الصباح، على جبهتها الملساء. مسحتُ ببطء بأطراف أصابعي على طول ظهرها الدافيء، وصولاً إلى استدارة بطنها الصغيرة التي تضم طفلتنا... ثمرة هذا الحب الذي اقتلعني من جحيم الظلام ومنحني سبباً أعيش من أجله.ابتسمتُ في العتمة، وشعرتُ بنشوة تملك لم أذقها من قبل. *لقد أصبحت هذه المرأة ملكي بالكامل... تخضع لي بلهفة في الفراش، وتدير إمبراطوريتي بكبرياء في العلن، وتجبر كل من حاول أذيتها على الخضوع تحت أقدامها.*لكن، وبمجرد أن سللتُ نفسي ببطء شديد من تحت أغطية السرير الحريرية دون أن أوقظها، ونزلتُ إلى طابق المكتب السفلي
الفصل 112 : ترانيمُ الجسد وصراعاتُ الروحإليز---في تلك العتمة المخملية التي غلفت غرفتي أنا وداميان في القصر، لم تعد هناك حدود تفصل بين أجسادنا؛ لقد تحولنا إلى كتلة واحدة متوهجة بنيران الشغف والوله الأعمى.كان داميان يحيطني بذراعيه الفولاذيتين، لكن لمساته لم تكن تحمل شيئاً من قسوة العالم الخارجي؛ بل كانت مفعمة بخشوعٍ غريب، كمن يعبد تفاصيل جسدي المرتجف تحته. بينما كانت يداه الجريئتان ترسمان خرائط جديدة على بشرتي، تلمسان انحناءات خصري وفخذي ببطء متعمد ومثير، كانت أصابعه تضغط بحرارة تترك قشعريرة عميقة ولاذعة تسري في كل عرق من عروقي."إليز..." نطق باسمي بصوت مبحوح، هادئ، ويقطر بتوسلٍ خفي، كأن بقاءه بأسره متوقف على استجابة جسدي لنبضات قلبه.رفعتُ وجهي نحوه، وتورطتُ في عمق عينيه الزرقاوين اللتين تحولتا إلى بحرين هائجين من الرغبة المطلقة. لم أتمكن من النطق؛ اكتفيتُ بإصدار تنهيدة ناعمة ذابت على شفتيه حين هوي بشفتيه على خاصتي بقبلة عميقة، حازمة، وجشعة، سرقت ما تبقى في حنجرتي من أنفاس وجعلتني أستسلم كلياً لسلطانه.كانت يداه تتحركان بطريقة تجعلني أفقد صوابي تدريجياً. مررتُ أصابعي في شعره الداك
الفصل 111: شهدُ المساء وغوايةُ الصمت داميان --- أدرت المفتاح في القفل بهدوء أطبق على أرجاء الجناح الفسيح، ودلفتُ بخطوات أثقلها إرهاق يومٍ كامل من إدارة إمبراطورية تعج بالرجال والصفقات، لكن ما إن تجاوزت العتبة حتى تبخر ذلك التعب كأنه لم يكن قط. كان الجناح غارقاً في سكونٍ حميمي، تداعب أركانه إضاءة صفراء خافتة ودافئة تنبعث من مصابيح الزجاج المعشق. امتلأ الهواء بعبق الفانيليا المخلوط برائحة الياسمين العطري وبخار الماء الناعم المتصل بالحمام الملكي، ليرسم خلفية ساحرة تشبه أحلام الليالي الخاصة. وعلى بعد خطوات مني، أمام المرآة الكريستالية الضخمة ذات الإطار المذهب، كانت تجلس إليز. تسمّرتُ في مكاني، وعيناي معلقتان بها كمن وقع في تعويذة سحرية لا خلاص منها. كانت ترتدي رداء الحمام الأبيض المصنوع من الحرير الخالص، والذي انزاح قليلاً عن أحد كتفيها الناعمين ليكشف عن منحنى عنقها الخلاب. انفرط شعرها الذهبي الطويل والمبتل على ظهرها كخيوط من الذهب الخالص تحت الضوء الخافت. كانت تمد ساقها الممشوقة والملساء فوق المقعد الجلدي الوثير، وتدلكها ببطء وهدوء يقطر دلالاً، مستخدمة مرطباً كريمياً معطراً يترك







