ولأول مرة منذ سنوات، شعرت بالانزعاج الحقيقي. ليس من تجاهله، بل من تأثيره عليها رغم مرور الزمن.
كيف يمكن لرجل لم يتحدث معها منذ عشرة أعوام، أن يحتل كل هذه المساحة؟
"آنسة كاترينا؟"
جاء صوت بيتر، هادئًا، ثابتًا.
فتحت عينيها ونظرت نحوه، فقال وهو يشير إلى الأمام:
"وصلنا تقريبا، خمس دقائق وندخل الحي."
أومأت برأسها دون أن تتكلم.
نظرت مجددًا إلى الخارج. الشارع تغير، المباني أصبحت أكثر حداثة، المنطقة أقل ازدحامًا… كانت تقترب من المركز.
مركزها.
ذاك المكان الذي اختارته بعناية، بعيدًا عن كل ما يربطها بإسم رومانوف. لا حراس، لا أوامر، لا ولاءات.
فقط… نساء يبحثن عن فرصة للتعافي.
وهي، التي لم تتعافَ بعد، اختارت أن تمنحهن تلك الفرصة.
رفعت رأسها، عدّلت سترتها بهدوء، وأخذت نفسًا عميقًا.
ربما لا تزال خائفة. ربما لا تزال مشوشة، مربكة داخليًا، وممتلئة بتناقضات مؤلمة. لكنها على الأقل… تتحرك.
وهذا وحده، نوع من النصر.
دخلت كاترينا من الباب الزجاجي الرئيسي، خطواتها بطيئة، لكنها واثقة.
الهواء في الداخل مختلف، أنظف. أكثر هدوءًا… كأن جدرانه نُقشت للصمت.
المكان لا يشبه أي شيء يخص عائلة رومانوف.
جدران بلون الكريما، ستائر من الكتان الأبيض تُلامس الأرض.
عطر خفيف يملأ المكان – ليس عطرًا تجاريًا، بل مزيج من اللافندر والنعناع الجبلي، صُمم خصيصًا للتهدئة.
عند المدخل، طاولة استقبال خشبية، خلفها شابة تضع سماعة أذن وتبتسم لزائرة تتحدث بصوت منخفض.
وعلى الجدران، لوحات صغيرة… مجرد خطوط بألوان هادئة، لا توقيع أسفلها. لا فخر ولا أسماء.
فكل شيء هنا لا يُعلن عن نفسه.
كاترينا لم تتوقف. كانت تعرف الطريق.
"كاتييي!"
الصوت اخترق الهدوء كنسمةٍ دافئة في منتصف شتاء موسكو.
رفعت عينيها، لتراها:
صوفي.
صديقتها، شريكتها، والجزء الأكثر صخبًا في مشروع صامت.
شعرها مربوط للأعلى، نظارة مستندة على مقدمة أنفها، ترتدي كنزة رمادية وبنطالًا واسعًا.
يبدو أنها لم تنم جيدًا… لكنها تبتسم كمن فاز بالحرب.
"أخيرًا. ظننتك لن تأتي."
كاترينا رفعت حاجبًا، نظرة جانبية قصيرة:
"كان لدي إفطار عائلي. زوي قررت أنها ستتزوج وتترك الدراسة. ضحكنا… أو تظاهرنا بذلك."
ضحكت صوفي، ثم اقتربت منها لتُقبل خدها، سريعًا:
"تعالي. عليك رؤية كل شيء بنفسك."
سارتا معًا عبر الردهة الأولى.
الضوء الطبيعي ينساب عبر النوافذ الكبيرة، ويصطدم بأرضية خشبية داكنة.
قالت صوفي، وهي تشير بيدها:
"غرفة الاستقبال جاهزة. المقاعد وصلت أمس، والنباتات كذلك. كلوي أصرّت على أن نضيف شيئًا أخضر في كل زاوية."
كاترينا نظرت إلى الجانب. صحيح. نباتات صغيرة في الزوايا. تفصيل بسيط… لكنه يهم.
مرّتا بجانب باب زجاجي مكتوب عليه بالخط الذهبي:
"الجلسات الفردية – Confidential"
لم تُعلق كاترينا. لكنها توقفت قليلًا. نظرت إلى الباب، ثم إلى نفسها في انعكاسه.
هل تبدو قوية كفاية لتُعالج الآخرين؟
قالت صوفي، وهي تفتح بابًا صغيرًا في الممر الآخر:
"هنا سيكون قسم العلاج الجماعي. لا يزال قيد التشطيب، لكن الأرضية اكتملت."
كاترينا دخلت بهدوء.
الغرفة واسعة. جدرانها بيضاء بالكامل، النوافذ شبه مفتوحة، وتنتشر فيها كراسٍ دائرية حديثة لم تُرتّب بعد.
قالت كاترينا:
"هل عدّلنا نظام الصوت؟"
صوفي أومأت:
"تقنيًّا، نعم. لكننا لم نختبره بعد. أعددنا جلسة محاكاة مساء الغد."
كاترينا نظرت حولها.
ثم تقدّمت إلى وسط الغرفة، أخرجت ورقة صغيرة من جيبها، خطّت عليها شيئًا بقلمها، ثم أعادتها بهدوء.
صوفي قالت بسخرية ناعمة:
""ما زلتِ تكتبين ملاحظاتك بالقلم؟ أتعرفين أننا في 2025؟"
"العقل البشري لا يزال معقّدًا كما كان منذ قرون."
"حسناً، لن أجادلك في هذا."
سارتا نحو الطابق الثاني. السلالم خشبية، تصدر صوتًا خافتًا تحت الأقدام. قالت كاترينا فجأة:
"هل العقود مؤمّنة تمامًا؟"
"نعم. وكل البيانات تُخزن خارج الشبكة، وبروتوكول الأمان يُحدّث أسبوعيًّا. لا شيء يربط هذا المكان باسمك."
"جيد."
توقفت عند الدرابزين للحظة.
نظرت للأسفل، إلى المدخل… إلى الشابة في الاستقبال، وإلى الضوء الذي ينعكس على الأرضية.
ثم همست:
"أريد من يدخلن هذا المكان… ويشعرن أنهن بشر. فقط… بشر."
صوفي نظرت إليها.
ورغم كل التعب، وكل المشاحنات، وكل الليالي التي قضياها في إعداد هذا المكان… قالت بهدوء:
"لهذا… أنا أؤمن بكِ."
كاترينا لم تجب. فقط نظرت بعيدًا.
ولأول مرة منذ زمن، شعرت بشيء صغير… أشبه بالانتماء.
*. *. *. *.
دخلت القصر مع بداية المساء، خطواتها ثابتة، لكن بداخلها شيء كان يتحرك… يعلو ويهبط، بلا نمط.
خلعت معطفها الثقيل وسلمته للخادمة، ثم وقفت للحظة في البهو الواسع. الجو كان أكثر هدوءًا من المعتاد، لا ضحكات زوي، ولا جلبة الخدم، ولا صدى حديث والدها.
شيء ما… غير مألوف.
وقبل أن تسأل، جاءت الخادمة الأكبر سنًا، أنجلينا، تقترب منها بخفة:
"آنسة كاترينا، جدك في الاجتماع."
"اجتماع؟"
"نعم… بعض أعضاء العائلة، والسادة من البراتفا."
الاسم وحده… الاسم وحده كفى.
دون أن تنطق، شدّت حقيبتها الصغيرة بيدها، وأخفضت عينيها، لكن صدرها… ارتجف.
ديمتري .... هو هنا.
تلك الكلمة كانت كافية لتُشعل كل ما قاومته صباحًا، كل ما دفنته بالأمس، كل ما اختبأ تحت هدوءها المصطنع.
لم تراه.
لم تقترب من القاعة حتى.
لكن يكفي أن تعرف… أن أنفاسه تتنفس في نفس المساحة.
أن خطواته تُلامس ذات الأرض.
أن اسمه طُرح في اجتماع داخل قصرها، فاختل توازنها دون أن يتحرك إصبع منه.
لم تراه، لكن جسدها خذلها.
كأن كل ذرة من ذاكرتها القديمة انتفضت دفعة واحدة.
صوت ضحكته. نظرة عينيه حين كانت في السابعة، ثم في الثانية عشرة، ثم... تلك النظرة الأخيرة الباردة التي اختفت معها ملامحه لسنوات.
"كاترينا؟"
التفتت بسرعة. كانت أمها. وخلفها زوي.
لاريسا رومانوف كانت بكامل أناقتها، لكن عينيها ناعستين من التعب.
أما زوي، فبدت كمن استيقظت للتو من حفلة، شعرها مرفوع بشكل غير مرتب وفستانها يلامس الأرض كأنه تعب قبلها.
"ألن تصعدي؟"
سألتها أمها بهدوء.
كاترينا فتحت فمها، ثم أغلقته.
لكن زوي ردت قبلها، قالت من بعيد:
"إذا قابلتِ الذئب، قولي له إن أظافره أطول مما توقعت."
كاترينا لم تضحك. لم تعلق حتى. أمها نظرت إليها لثواني، ثم قالت:
"لا تتركي مشاعرك تتحكم بكِ."
ثم مشت.
وتركتها وحدها. كما يجب.
كان بإمكانها أن تصعد لغرفتها. أن تُغلق الباب، وأن تختبئ خلف أوراق مشروعها، أو كتابها، أو حتى وسادتها.
لكنها لم تفعل. وقفت عند الدرابزين، بزاويته المطلة على البهو والقاعة، لا ترى شيئًا... لكنها تستمع.
صوت خافت.
نبرة رجولية ثابتة، لا تعرف إن كان صوته أو صوت آخر.
ضحكة رجل آخر. ردّ مقتضب.
ثم صمت.
وفي داخلها… عاصفة.
لماذا تنتظرين؟ سألت نفسها.
لماذا، بعد كل هذه السنوات، لا يزال قلبكِ يخفق لمجرد فكرة وجوده على بُعد عشرين خطوة؟
ظنّت أنها صارت امرأة ناضجة.
ظنّت أن باريس علّمتها كيف تتحكم في نبضها، أن الشهادة التي نالتها والنساء اللاتي ستعالجن في مركزها… يكفين.
لكن أمام طيفه، أمام مجرد اسمه، عادت فتاة في السادسة عشرة... تنتظر أن يلتفت.
كانت تعرف جيدًا أنه لن يفعل.
وأنه – كعادته – سيرحل دون أن يشعر بوجودها.
لكنها بقيت. لعل باب القاعة يُفتح فجأة، وتراه.
وجهه. كتفيه العريضين. تلك العينين التي كانت ذات يوم وطنًا لطفولتها.
ربما… فقط ربما، تراه قبل أن يرحل.
لكن الباب لم يُفتح. والظل لم يظهر.
وعقلها… عنّفها بصمت:
متى ستتوقفين عن أن تكوني طفلة؟
الهواء داخل القصر لم يعد كافيًا.
كاترينا خرجت.
كأن الجدران أصبحت ضيقة على قلبها، وكأن كل عرق في جسدها يصرخ يريد الهواء... لا الهواء الذي يدخل الرئتين، بل ذاك الذي يُطفئ شيئًا في الداخل لا اسم له.
كانت الحديقة مظلمة نسبيًا، الأضواء الخافتة المعلقة على الجدران تُلقي بظلال رمادية على الممرات، والأشجار المصطفة بلونها العميق بدت كأنها تعرف أسرارًا أكثر من اللازم.
خلعت حذاءها ذي الكعب العالي… ومشت.
الحصى أسفل قدميها أصدر صوتًا خفيفًا، لكنها لم تهتم.
توقفت قرب بركة المياه الصغيرة، حيث انعكاس القمر يرتعش كأن شيئًا فيه يرتجف معها.
أغلقت عينيها… وشهقت.
لكن الهواء لم يدخل. كأنها نسيت كيف تتنفس.
ما الذي تفعلينه، كاترينا؟ سؤال تردد في صدرها كنبضٍ عنيف.
لماذا خرجت؟ هل كانت تأمل حقًا أن تراه؟ أن يصادف خروجه مع وقوفها هنا؟ هل أصبحت ساذجة لهذه الدرجة؟
"أنتِ بخير."
همست لنفسها مرة أخرى، بذات الجملة الكاذبة التي قالتها بالأمس.
ثم… صوت.
خطوات. خفيفة، لكنها حاسمة.
كاترينا لم تلتفت.
شيء ما في الهواء تغيّر. كأن الأرض تحركت تحته فقط.
كأن كل شيء في جسدها توقّف… إلا حاسة واحدة.
الإحساس به.
"كاترينا."
الصوت لم يكن عاليًا. كان كافيًا فقط ليكون حقيقيًا.
فتحت عينيها ببطء، والبركة ما زالت أمامها، لكن انعكاسه على سطح الماء… جعل قلبها يتوقف ثانية واحدة.
حين استدارت. كان هناك.
يقف على بعد خطوات، بذلته السوداء تتماشى مع عتمة الليل، يداه داخل جيبي معطفه، وعيناه… تلك العينان الثابتتان عليها كأنها مرآة، مرآة باردة.
ماذا ترى فيه؟ أهو الرجل الذي أحبته عمرًا؟ أم الغريب الذي تجاهلها عشر سنوات؟
لم تعرف.
حدقت فيه. لم تنطق.
وكأن لسانها صار أثقل من جسدها كله.
حتى دموعها – تلك التي لم تسقط – شعرت بها تحترق داخل جفنها، دون أن تجرؤ على الخروج.
"ظننتكِ عدتِ إلى غرفتك."
قالها بهدوء، وكأنه يُلقي جملة عابرة، لكنها وصلت إليها كطعنة باردة.
ردّت بصوت منخفض، بالكاد تسمعه:
"ظننتُ… أن الهواء سيكون ألطف هنا."
نظرت بعيدًا. لم تستطع أن تتحمل نظراته.
اقترب خطوة. خطوة واحدة فقط. لكن الأرض اهتزت تحت قدميها.
"هل أنتِ بخير؟"
كلمة عادية. سؤال فارغ. لكنه جاء منه.
فشعرت كأن قلبها سقط من مكانه. أجابت بعد صمت:
"بالكاد."
ابتسم، ابتسامة لم تصل لعينيه. وقال ببساطة:
"ما زلتِ تكذبين بذات الطريقة."
لو كانت أقوى بقليل، لضحكت.
ولو كانت أضعف بقليل، لبكت.
لكنه تركها بين الأمرين… معلقة على حافة الشعور.
لو تنفست، لانكشفت. ولو تراجعت، لانكسرت.
لكنها بقيت. واقفة. صامتة.
بين صوته وخطوته وذكريات عمرٍ دفنته منذ عشر سنوات… وها هو ينبض من جديد أمامها، بنبض صوته وحده.
"ما زلتِ تكذبين بذات الطريقة."
قالها… وكأن شيئًا لم يتغير.
هي تغيرت. نمت.
تبدلت ملامحها. سافرت آلاف الأميال، وقرأت كتبًا وأخذت شهادات.
لكن بالنسبة له، لا تزال هي… ذات الطفلة التي كان يعرفها.
وكأن كل ما فعلته لم يكن كافيًا لتغادر ذاكرته القديمة.
أرادت أن تقول شيئًا. أي شيء. لكنه سبقها، مرة أخرى.
كعادته.
"سمعت عن المركز."
رفعت حاجبيها ببطء.
فاجأها. قالها… وكأنها جملة بلا معنى. لكنها شعرت بها… وكأنها أكبر من أن تُقال.
"من الذي أخبرك؟"
قالتها دون تفكير.
– "ميخائيل."
ثم أضاف، وهو يتأمل وجهها بهدوء:
"مبروك، بالمناسبة."
قالها. بارك لها.
لكن في قلبها… سقطت جملة على غير موضعها.
مبروك على ماذا؟ المركز؟ أم… شيء آخر؟
كادت تسأله، لكنه سبقها، للمرة الثانية.
"وعلى خطوبتكِ أيضًا."
تجمدت. شعرت ببرودة تسري من رقبتها لأسفل عمودها الفقري.
نظرت إليه، ببطء، ملامحها بلا تعبير… لكنها لم تكن بحاجة لتعبير. كان الصمتُ كافيًا.
"لم أوافق بعد."
قالتها بهدوء، كأنها تهمس بسرّ.
هو، اكتفى بهز رأسه، لم يكن هناك سخرية في صوته، ولا شماتة… فقط واقعية باردة.
"في هذا العالم، كاترينا… مجرد التفكير، يُعتبر موافقة مؤقتة."
ابتلعت ريقها. ما يؤلمها ليس أنه يعلم… بل أنه يتكلم عنها وكأنها لا تهمه.
قالت بصوت منخفض، يكاد يختبئ:
"لم أخبر أحدًا."
نظر إليها للحظة طويلة، بعينين لا يمكن قراءتهما، ثم أجاب:
"لكنكِ لم تنفي."
لحظة خرساء. مزدحمة بكل ما لا يُقال.
هو واقف.
هي واقفة.
بينهما سنوات من الغياب، وطفلة كانت تحلم برجل أصبح تمثالًا من الجليد.
لكنه الآن… يتكلم. ينظر إليها. يعرف عنها. ويهتم… بطريقة لا يريد أن يعترف بها.
قالت أخيرًا، بنبرة حاولت أن تُبقيها ثابتة:
"لا أعلم لماذا نتحدث الآن، بعد كل هذه السنوات."
ابتسم. ابتسامة لا تدفئ شيئًا.
"ولا أنا."
ثم نظر بعيدًا، كأنه يهرب من شيء في عينيها. وأضاف:
"لكنني أعرف… أنكِ لستِ كما كنتِ."
هزّت كتفيها ببطء، محاولة أن تبدو لامبالية.
"ولا أنتَ."
نظر إليها. نظرة واحدة فقط. لكنها شعرت كأنها خُلعت من جذورها. كأن كل ما حاولت أن تُخفيه… انكشف.
لم تتحرك. قدماها ثقلتا على الأرض، كأنها التصقت بالحجر، كأن الجاذبية الآن لا تجذب سوى هي إليه.
عيناه كانتا على وجهها… بحدة لم تعهدها من قبل.
نفس الذئب. لكن العيون الآن أكثر جوعًا… وأكثر ترددًا.
قال، بصوت منخفض… خافت، لكنه مشحون:
"هل يجب أن أكون أنانيًا؟"
رفعت عينيها إليه ببطء.
"ماذا…؟"
لم تفهم.
هو، لم يكرر. بل نظر نحوها بحدة، كأنها من يفترض أن تفهم دون شرح.
أكمل بصوت متمهل… كأنه ينتقي كلماته من بين شظايا داخله:
"لأخذ ما أريده… بغض النظر عن الوقت… والضرر."
"ديمتري…"
همست باسمه للمرة الأولى.
كم مضى من الزمن منذ نادته؟ كم من الجُدر بُنيت بينهما… لتنهار أمام اسم؟
هو لم يرد. اكتفى بأن أشار بنصف إيماءة من رأسه… جهة اليمين.
بلا كلمة. فأدارت رأسها بخفة، بفضول لم تستطع كبحه.
ورأتهــم. على بعد خطوات، خلف أحد أقواس الحديقة.
والدها… جدها… عمها… وبعض رجال العائلة. العيون كانت ثابتة. يُراقبون.
منذ متى؟ منذ كم ثانية أو كم دقيقة وهم هناك؟
شعرت بحرارة تصعد إلى وجهها.
التفتت نحوه بسرعة… لكنها لم تملك الوقت.
في لحظة… لم تكن تقف أمامه فقط. في لحظة… كان هو.
جسده ضغط جسدها للخلف بخفة حاسمة نحو الجدار الحجري المغطى بشجيرات اللبلاب، يده امتدت… قبضت على وجهها من جانب فكها برفق، لكن بثبات… وعيناه على فمها.
لم تنبس. لم تستطع.
وفي الثانية التالية… قبّلها.
لم تكن قبلة صاخبة، ولا همجية، ولا كسيرة… كانت قبلة… من رجل يعرف تمامًا ما يفعله.
قبلة واحدة، لكنها زلزلت عالَمها.
يده الثابتة على وجهها… أنفاسه القريبة… وطريقة التقاء شفتاه بشفتيها، كأنّه ينتزع اعترافًا لم تُعلنه أبدًا.
في البداية… كانت مصدومة.
ثم ارتجفت. ثم… لم تستطع أن تكره الأمر.
لكنها لم تبادله. لم تحرك يديها، لم تستجب، لكنها لم تدفعه أيضًا.
كأن شيئًا فيها أصيب بالشلل المؤقت.
انفصل عنها ببطء.
ليس بتراجع مذعور، بل بتروٍ كأنّه يُنهي ما كان يجب أن يحدث منذ وقت طويل.
عيناه على عينيها. أنفاسها مضطربة. وقلبها… ليس في مكانه.
قال، بصوت أكثر هدوءًا هذه المرة… لكنه لا يزال يحمل ذاك العمق الثقيل:
"فكّري، كاترينا… لكن لا تكذبي على نفسك."
ثم استدار. وتركها هناك. واقفة.
يدها لا تزال تلمس خدها، وشفتيها… لم تتحركا.
لكن شيئًا فيها… تحرك أخيرًا.