Share

6

last update publish date: 2026-05-12 10:35:14

في الممر الطويل المؤدي إلى صالة الإفطار، سمعت أصواتًا متداخلة.

ضحكة زوي… نبرة أمها… وصوت جدها القوي، دائمًا حاضر.

لكن لا أثر لأبيها.

ولا أثر لأي حديث عن الليلة الماضية.

ومع ذلك، كانت متأكدة… أن كل كلمة قيلت، وكل نظرة، وكل صمت… لا بد أنه وُثق في ذاكرة كل من حضر.

خطت بخطوات ثابتة. اليوم… تبدأ الحرب الحقيقية.

لكنها لن ترفع سيفها إلا حين يحين الوقت.

حتى ذلك الحين… ستبتسم، وتراقب.

رائحة الخبز الطازج والقهوة المحمّصة تسرّبت من الباب نصف المفتوح، كأنها ذراع دافئة تحاول انتشالها من أفكارها.

لكن لا شيء قادر على تهدئة عاصفة تدور في القلب.

دفعت الباب برفق، لتواجه مائدة إفطارٍ طويلة، مُعدّة بدقة، كل طبق في مكانه، كل فنجان لامع، وكل وجه يحمل ملامح معتادة… لكنّ العيون كانت تراقبها، واحدة تلو الأخرى.

جدّها، أندريه، جلس في صدر الطاولة، يحمل جريدة روسية قديمة الطباعة، ويقلب صفحاتها كما يفعل منذ عشرات السنين.

إلى يمينه جلست والدتها، لاريسا، ترتشف الشاي بهدوء وهي تتابع تعبيرات ابنتها الأكبر، بعين أمٍّ تعرف أن شيئًا ما تغيّر.

أما شقيقتها الصغرى زويا، فكانت كعادتها… تتحدث أكثر مما تأكل، تقهقه على نكتة لم يسمعها أحد سواها، وتضع مربّى التوت فوق الجبن بطريقة فوضوية، لكنّها تشبهها.

"صباح الخير."

قالتها كاترينا وهي تسير نحو الطاولة، صوتها منخفض، لكن نبرته واضحة.

"أخيرًا استيقظتِ، كدت أرسل بيتر ليبحث عنكِ."

قالت زوي بمرح، وهي تُمرر لها طبقًا فيه فطائر بالجبنة.

"كنت أحتاج بعض الوقت فقط."

ردّت كاترينا وهي تجلس، وتفتح منديلها ببطء، كما لو أنها تُحضّر نفسها لشيء أكبر من الطعام.

"نحن جميعًا نحتاج بعض الوقت،"

قالها أندريه دون أن يرفع عينيه عن الجريدة:

"لكن الوقت لا ينتظر أحدًا، كاتيا."

كانت نبرة الجدّ أقرب إلى رسالة مشفّرة.

أدركت ذلك. لكنها لم تُعلّق.

الحديث على الطاولة كان طبيعيًا… أو هكذا بدا.

تحدثوا عن أولجا وزوجها الجديد، وعن الطقس، وعن زوي التي -للمرة الرابعة- كسرت هاتفها بالأمس لأنها نسيت أنه في جيب سترتها حين رمتها في الغسالة.

ضحك خافت عمّ الطاولة، وحتى والدتها ابتسمت.

لكنّ كاترينا جلست صامتة، تقطّع فطيرتها بالشوكة والسكين بدقة جراح.

لا أحد تحدّث عمّا جرى ليلة أمس.

لا أحد ذكر اسمه.

ولا اسـم الآخر.

لكنه كان حاضرًا. في صمت الجميع، في تجنّبهم للتفاصيل، في نظرة جدّها التي تخترقها بين لحظة وأخرى دون أن ينبس بكلمة.

ثم، قطع السكون صوت لاريسا، وهي تسأل بهدوء:

"هل قررتِ شيئًا بشأن… مستقبلكِ، كاتيا؟"

رفعت كاترينا عينيها إلى والدتها، ثم إلى جدّها، ثم أعادت نظرها إلى فنجان القهوة الذي لم تلمسه بعد.

ثم قالت:

"ليس بعد."

كلمتان فقط.

لكن وقعها كان مثل إطلاق رصاصة في غرفة مغلقة.

قبل أن تمسك زوي الخبز، وتهمس بابتسامة:

"أنا قررت بالمناسبة… أتزوج رجلًا غنيًا، وأعيش على الشاطئ، وأفتح حسابًا على إنستغرام لقطتي."

ضحكوا. حتى كاترينا… ابتسمت.

لكن في قلبها، كانت تعرف أن هناك قرارًا يجب أن يُتخذ.

ولن تُنقذها منه لا القطط، ولا البحر، ولا القهوة.

لم يكن صوت خطواتها هو ما يملأ الممر الطويل المؤدي إلى مكتب جدّها… بل صوت قلبها.

كل ضربة منه كانت أشبه بطرقة على باب مجهول لا تعرف ما ينتظرها خلفه.

لم تسألهم عن السبب حين قال لها:

"كاتيا، تعالي إلى المكتب بعد الإفطار."

لكنها كانت تعرف.

تشعر بذلك… منذ الليلة الماضية.

دفعت الباب ببطء، لتجدهما هناك بالفعل.

جدّها، أندريه، واقف خلف المكتب الخشبي الثقيل، يدوّر خاتمه الفضي بين أصابعه.

ووالدها، أدريان، جالس على أحد المقاعد الجلدية، ذراعه مستندة إلى الطاولة، ووجهه شاحب رغم ثبات ملامحه.

قالت بهدوء وهي تغلق الباب خلفها:

"طلبتما رؤيتي."

أومأ أندريه دون أن يبتسم، ثم أشار لها بالجلوس.

فعلت.

لم يتحدث أحد لعدة ثوانٍ. ثوانٍ كانت كافية لتسمع أنفاسها المرتبكة.

ثم قال الجدّ بصوته العميق، الذي لطالما ارتبط في عقلها بالأوامر لا بالنقاش:

"طلب الزواج وصلكِ بالفعل… أليس كذلك؟"

لم تُجب. لكنها لم تكن بحاجة لذلك. نظرتها قالت كل شيء.

تابع أدريان هذه المرة، صوته أكثر لطفًا من المعتاد:

"ما فعله ديمتري مالكوف، يا كاترينا… لا يمكن تجاوزه بسهولة. ليس فقط لأنه قبّلكِ علنًا. بل لأنه فعل ذلك وأنتِ…"

تردد، ثم أكمل:

"…في حكم الخطيبة."

"لم أوافق."

قالتها كاترينا بحدة مفاجئة، نبرة دفاعية حادّة خرجت منها رغمًا عنها.

ثم أضافت:

"لم أوافق على خطبة إلياس."

ردّ أندريه دون أن يرمش:

"ولم ترفضي أيضًا."

سكتت. لأول مرة، لم تجد الكلمات.

قال أدريان بهدوء:

"نحن لا نُجبرك على شيء، كاتيا. ولن نفعل. لكن… الحرب لا تُشعلها البنادق فقط. هناك حروب تبدأ من قُبلة."

رفعت عينيها إليه ببطء، وكأنها تسمع ذلك للمرة الأولى.

حروب تبدأ من قُبلة… جملة واحدة، لكنها اختزلت كل الكارثة.

أضاف أندريه بصلابة:

"فياتشيسلاف وابنه إلياس غاضبون، ولن يسكتوا طويلاً. وأنتِ تعلمين… أن ديمتري ليس بالرجل الذي يُهين كرامته أحد ثم ينسحب."

بلعت ريقها بصعوبة، شعرت كأن الطاولة بينهما تحوّلت إلى ساحة قتال.

ثم سألت، بصوت أقرب إلى الهمس:

"كم من الوقت لديّ… لأقرر؟"

نظر إليها جدّها، للحظة طويلة، ثم قال:

"يومان."

اتسعت عيناها بصدمة مكتومة.

يومان؟!

قال أدريان بلطف، وكأنه يحاول تهدئتها:

"نحن نعلم أنه وقت ضيق، لكن كل ساعة تمر تُشعل فتيلًا جديدًا، والهدنة بيننا وبين فياتشيسلاف… و آل مالكوف… لن تدوم كثيرًا."

أخفضت رأسها، أناملها ترتجف على حجرها، لم تكن تعلم إن كان قلبها ينبض من التوتر… أم من شيء آخر.

سألت نفسها سؤالًا لم تستطع نطقه أمامهم:

"هل هذه حياتي؟ أن أختار من يقتلني؟"

جلس الصمت لوهلة بين الثلاثة في المكتب، كأن الهواء نفسه صار أكثر ثِقلاً، قبل أن يقطعه أندريه بصوته الحادّ:

"وصلني تقرير هذا الصباح…"

رفع عينيه إلى أدريان، ثم عادت نظراته تستقر على كاترينا:

"إلياس أوقف أربع شحنات من شحنات ديمتري… في الميناء الجنوبي."

تجمدت أنفاس كاترينا، بينما رفعت حاجبيها ببطء:

"ماذا؟"

أجاب والدها بوجه متحجر، وكأنه كان يتوقع ذلك:

"إلياس يظن أنه قادر على جره إلى معركة… صغيرة. ضربة انتقام بسيطة، رد اعتبار أمام رجال فياتشيسلاف."

هزّ أندريه رأسه وهو يقبض على حافة المكتب:

"غباء."

قالها ببطء، وكأن الكلمة أثقل من أن تُنطق.

ثم نظر إلى حفيدته مباشرة، نبرته مائلة للصرامة لا الغضب:

"ديمتري مالكوف ليس مجرد شقيق زعيم البراتفا، كاترينا. هو الذراع… والعقل… والمخلب. الرجل الذي يجعل حتى أعداء شقيقه يخشون النظر في عينيه."

ثم اقترب خطوة منها، واستند بكفيه على المكتب:

"هو مَن أدار حرب الأعوام الثلاثة مع الشيشانيين دون أن تذكر اسمه التقارير. هو من أنهى نزاع البولنديين مع البراتفا بتصفية خمسة رجال في خمس مدن مختلفة… خلال ليلة واحدة فقط."

ابتلعت كاترينا ريقها بصعوبة. كل هذه القصص… كانت تسمع عنها، لكنها لم تكن تعرف أن هو من يقف وراءها.

تابع جدّها، بصوته الأكثر ثباتًا:

"إلياس وأبوه يظنون أن ديمتري سيغضب قليلاً… يرد بشحنة واحدة… وربما ينتهي الأمر بتصفية رجاله في الميناء."

ثم رفع سبابته ببطء:

"لكنهم لا يعرفون… أن ديمتري حين يُمس… لا يُهاجمك. بل يدفنك."

رمق أدريان ابنته بنظرة حذرة، ثم أضاف بهدوء يشبه الهدوء الذي يسبق الإعصار:

"ابنتي… إذا قررتِ رفض ديمتري، علينا أن نحميك منه. وإذا قررتِ قبول ديمتري، فعلينا أن نحميك من فياتشيسلاف.ولكن إن ظللتِ مترددة، فلن يحميكِ أحد."

ارتجفت أنفاسها للحظة، وسقطت عيناها نحو الأرض.

كل شيء فيها كان يصرخ… كل شيء عدا صوتها.

ثم همس أندريه كأنه يقرأ فكرها:

"كل الطرق تؤدي إلى الدم، كاترينا… ونحن فقط نحاول اختيار الطريق الأقل دموية."

سقط الصمت مجددًا، لكن هذه المرة لم يكن هادئًا… كان كثيفًا، لزجًا، يشبه الكوابيس التي لا تستفيق منها، بل تستفيق فيها.

جلست كاترينا ببطء على الكرسي الجلدي أمام المكتب، وحدّقت في النقطة الفارغة بين جدها وأبيها، كأنها تبحث فيها عن طريق لا يشبه الثلاثة المعروضة.

قالت بصوت خافت، بالكاد خرج من بين شفتيها:

"إن اخترت إلياس… سيقتلني ديمتري."

رمش أدريان، لكن لم ينفِ.

"وإن اخترت ديمتري…"

توقفت، ثم التقطت أنفاسها:

"سيقتلني إلياس… وأبيه."

نظر إليها أندريه مطولًا، ثم قال بهدوء كأن الكلمات تمشي على الزجاج:

"صحيح."

رفعت عينيها إليه، وعيناها ترتجفان بخوف حقيقي، خوف لا يمكن إخفاؤه بالسخرية أو الهدوء المتصنع:

"وإن رفضتُ الاثنين؟"

نظر إليها أندريه مطولًا. لثوانٍ لم يقل شيئًا. ثم قالها ببساطة تزلزلت في أعماقها:

"سيسعيان لقتلكِ."

شهقت في صدرها، لكنها لم تُخرج الصوت.

جلست أكثر، كأن وزن القرار يسحب عمودها الفقري إلى الأسفل.

كأنها تغرق… على مقعدها.

همست مجددًا، كأنها تتحدث إلى نفسها أكثر مما تتحدث إليهما:

"كنتم تقولون... إننا نحاول اختيار الطريق الأقل دموية..."

ثم رفعت نظرها إلى جدها، وهمست بنبرة مشقوقة بين الغضب والانهيار:

"لكن أي من هذه الثلاثة أقل دموية؟"

سحب أندريه أنفاسه ببطء، وقال وهو يضع راحتيه على سطح المكتب:

"ذلك يعتمد… على من تعرفين قلبه أولًا، ومن تعرفين جحيمه."

نظرت إلى أبيها، وكأنها تبحث عن شيء مختلف، عن رأي أكثر لينًا، عن طوق نجاة.

لكن أدريان رومانوف لم يكن أبدًا طوق نجاة… كان دائمًا الصخرة التي تنكسر فوقها العواطف.

قال بهدوء ثقيل:

"ديمتري يحبك… بطريقته. وإلياس يريدك… بطريقته. لكن لا أحد منهما… سيتحمل خسارتك بهدوء."

أغمضت عينيها للحظة، كأنها تحاول الهرب من جسدها نفسه، من دمها الذي فجأة صار لعنة:

"لستُ جائزة تُمنح، ولا صفقة تُعقد، ولا امرأة يُشعل بها تحالف أو تُشعل بسببها حرب!"

نطقها قلبها، لكن فمها ظل صامتًا.

أما أندريه، فاقترب منها بخطوات ثابتة، ووقف أمامها، ووضع يده فوق كتفها، وهمس بصوت أجش:

"لم يكن أمامك خيار يا كاترينا… منذ ولدتِ بهذا الاسم."

تجمدت كلماتهم في الهواء…كأنها جدران زجاجية أُغلقت حولها، لا تستطيع الخروج منها ولا كسرها.

كانت تظن أن الحرب تُعلن من خلال الرصاص… لكنها أدركت الآن، أن أحيانًا، تُعلن في نظرة، في قبلة، في قرار أناني واحد… في لحظة لا عودة منها.

وقبل أن تنهض، وقبل أن تأخذ أنفاسًا تنقذ بها نفسها من السقوط، قال أندريه بهدوءٍ مميت:

"لن تخرجي من القصر اليومين القادمين."

رفعت عينيها بسرعة نحوه، حاجباها انعقدا ببطء، كأنها لم تفهم.

"لماذا؟"

أجاب أدريان، هذه المرة:

"لأننا لا نعلم كيف سيرد ديمتري بعد… وحتى نعرف، لا نريدكِ أن تكوني في أي مكان وحدكِ."

بلعت ريقها، وشعرت بقلبها يهبط ببطء نحو أحشائها.

"هل… هل تعتقدون أنه قد يؤذي أحدًا؟"

ردّ أندريه بعينين لا ترمشان:

"نحن لا نعتقد، نحن نعلم."

سكت لحظة، ثم أكمل بصوتٍ أكثر قسوة:

"لقد خسر شحناته، واهتزت صورته أمام رجاله، وطُعنت كرامته مرتين… مرة من عائلة أورلوف حين سخرت منه قبل عامين امرأة علنًا… ولم تمرّ تلك الحادثة بسلام. والآن، من إلياس… على أرضنا."

اقترب خطوة، ونظر في عينيها كمن يُلقي آخر تحذير:

"لا أحد يضرب ديمتري مالكوف… ثم ينام ليلته."

جلست كاترينا مجددًا، دون أن تدرك. كأن ركبتيها لم تتحملا هذه الحقيقة. كأن جسدها انكمش فجأة ليحمي قلبها من الانفجار.

همست:

"لكن… ماذا إذا لم يفعل شيئًا؟"

ضحك أندريه ضحكة قصيرة، جافة:

"الذئب لا يصمت حين يُجرَح، كاترينا. إنه ينتظر اللحظة التي لا يتوقعها أحد… ثم يهجم."

صمتوا للحظة… صمت ثقيل، كأن في الخلفية ساعة عد تنازلي .... أصواتها لا يسمعها سوى من عاش في العائلة.

أخيرًا، وقفت كاترينا. أومأت برأسها، وأجابت بهدوءٍ غريب:

"حسنًا… سأبقى."

ثم استدارت بهدوء، خطت نحو الباب، وبداخلها كان شيء ما ينهار.

كل شيء… الخيارات، والحدود، والأمان.

خرجت من المكتب، وكأنها تخرج من ساحة معركة لم تبدأ بعد… لكن الدماء بدأت تُرسم على الجدران.

*. *. *. *.

كان الصمت سائدًا، لكنّه لم يكن هادئًا.

كان أشبه بصمت ما قبل العاصفة… ذلك النوع من الهدوء الذي يجعل قلبك يخفق ليس خوفًا من الصوت، بل من ما سيأتي بعده.

وقف ديمتري مالكوف أمام النوافذ العريضة، يده تضغط بقسوة على طرف الطاولة، حتى بياض أصابعه من شدة الشد.

عيناه كانتا ثابتتين على الخارج… لكن رؤيته لم تكن هنا.

لم يكن يرى الحديقة، ولا الجدار الحجري… كان يرى رأس إلياس فياتشيسلاف على طبق من فضة.

"أيُحاول إشعال الحرب؟"

قالها بصوت خافت… خافت كهمسة، لكنها ارتدت في الغرفة كطلقة رصاص.

جاءه صوت ميخائيل من خلفه، هادئًا، كما هو دائمًا:

"أو ربما... يحاول أن يُثبت أنه رجل."

ديمتري لم يلتفت. لكن عضلة في فكّه قفزت.

ثم همس، وكأن الحروف تنفلت من بين أسنانه:

"الرجل لا يسرق. الرجل لا يعبث من الخلف… الرجل لا يمس شحناتي."

التفت أخيرًا.

وحين التفت، كانت العاصفة قد خرجت من قفصها.

"أربعة شحنات، ميخائيل… أربع!"

ضرب بيده سطح المكتب، فارتجّت الأوراق.

"هل يعلم ما فعل؟ هل يدرك أنه وضع اسمه في قائمتي؟!"

جلس ميخائيل بهدوء، شبك أصابعه أمامه، وقال:

"لا أحد يضعك في الزاوية، ديمتري. لكن السؤال الحقيقي… كيف سترد؟"

تقدّم ديمتري ببطء.

كل خطوة منه كانت تحمل غضب سنوات.

لم يكن مجرد رجل غاضب… كان الذئب حين يُجرح كبرياؤه.

"كنت سأنتظر."

قالها وهو ينظر إلى شقيقه.

"كنت سأدع اللعبة تأخذ وقتها، حتى تختار. لم أكن لأجبرها… لكن هذا؟"

ضحك، ضحكة قصيرة جافة، لا تحمل شيئًا من المرح.

"لقد أعطاني كل الحُجج."

سأله ميخائيل:

"أنت متأكد؟ أن تُعلنها الآن؟"

ديمتري نظر إليه، ببرودٍ مخيف:

"أنا لا أعلن الحرب… أنا أنهيها."

اقترب من الخزانة الخشبية خلف المكتب، فتحها بهدوء، أخرج منها ملفًا أسود، سميك، ووضعه على الطاولة.

"هؤلاء رجاله. هؤلاء شحناته. هؤلاء حراس موانئه. وكل هذا… سوف ينهار الليلة."

سأله ميخائيل:

"وهي؟"

سكت ديمتري لحظة. ثم قال بنبرة لا تشبه أي نبرة سابقة:

"هي… لن تُمس."

ثم أكمل:

"لكنها ستختار. وستعلم، أن خيارها لن يُحمى بالكلمات… بل بالأفعال."

خرج من المكتب، وترك خلفه الصمت نفسه الذي دخله.

لكن الصمت الآن… كان ينزف.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • بين أنياب البراتفا   12

    لم تكن كاترينا تعرف كيف مضى الوقت داخل السيارة، لكنها كانت تدرك تمامًا أنها لم تُغمض عينيها للحظة.جلست بصمت إلى جواره، في المقعد الخلفي للسيارة السوداء الثقيلة، بينما كان ديمتري يجلس بجانبها، ساكنًا كصخر الجبال الروسية… متجهّم الملامح، يُحدّق في الطريق المظلم أمامهم كأنه يسير نحو ساحة معركة، لا منزل.كان الليل الروسي قد انغمس في برودته القارسة، والضباب يزحف على أطراف الزجاج، يُرسم عليه أنفاسها الخافتة كلما زفرت بلا وعي.الثلج بدأ يهبط من السماء كأن الشتاء قرر الاحتفال بزفافها أيضًا… أو ربما عزاءه.أطراف أصابعها متجمدة داخل قفازها، رغم أن التدفئة تعمل. لكن البرد لم يكن يأتي من الخارج فقط.بردٌ آخر كان يحتل صدرها… برد الرهبة واللا يقين.ألقت نظرة جانبية نحوه.لم يتحرك منذ لحظة خروجهم.وجهه مشدود، حاجباه منعقدان، ونظراته لا تغادر الطريق، كما لو أنه يُعد نفسه لشيء قادم… أو يُخفي شيئًا لا تودّ أن تعرفه."هل أنتِ بخير؟"قالها بصوته العميق، فجأة، دون أن يلتفت.ترددت. لم تكن تتوقع السؤال، ولا تملك له إجابة حقيقية.لكنها تمتمت بصوت منخفض:"أشعر بالبرد قليلاً."كان ذلك كذبًا جزئيًا. كانت تشعر

  • بين أنياب البراتفا   11

    كانت الشمس قد ارتفعت، لكنها بدت بعيدة... باهتة... كأنها تنظر للبيت من بعيد، ولا تجرؤ على الاقتراب.داخل جناحها، جلست كاترينا على طرف الأريكة المخملية، بملابس النوم البيضاء التي اختارتها لها والدتها خصيصًا لهذه المناسبة.شعرها المربوط بخفة كان ما زال ناعمًا من تأثير الحمام الدافئ،ورأسها... مليء بالضجيج.خائفة؟ نعم.متوترة؟ نعم.لكنها لم تكن جبانة. لم تكن لتتراجع الآن.منذ الفجر وهي مستيقظة... تنظر إلى السقف، تحاول التنفس.تُقنع نفسها أن الأمر مجرد حفل... مجرد مراسم.لكن عقلها لا يتوقف عن تكرار الحقيقة الوحيدة:"اليوم... ستصبحين زوجته."لم تكن تعرف ما إذا كان ذلك مطمئنًا أم مفزعًا.طرقات خفيفة على الباب قطعت أفكارها، ثم دخلت والدتها، بابتسامة متوترة."صباح الخير، حبيبتي... هل نمتِ قليلًا؟""لم أستطع."أجابت كاترينا بصوت خافت، وهي تشيح بعينيها.اقتربت الأم، جلست بجانبها، أخذت يدها بين يديها الدافئتين."أعرف أن قلبكِ ليس مطمئنًا... لكن كل شيء سيكون بخير. ديمتري... رجل صعب، نعم، لكن لا أحد يستطيع حمايتكِ مثله."لم تجب. لم تستطع.دخلت زويا بعدها مباشرة، بابتسامة متحمّسة، وهي تحمل صندوقًا ك

  • بين أنياب البراتفا   10

    استفاقت على شعور ثقيل، كأن رأسها محشوّ بالرصاص.أجفانها ترفض الانفتاح بالكامل، وجسدها مُلقى على السرير كما لو أنه أُسقط عليه دون إرادتها.ضغطت أناملها على جانب جبينها… ألم. ألم نابض خلف عينيها مباشرة. ذلك النوع من الألم الذي لا يُخففه ضوء… بل يزيده."ما الذي…؟"تمتمت بصوت خافت بالكاد خرج منها.حاولت تذكر كيف وصلت إلى هنا… منزل صوفي؟ النبيذ؟ ضحكات متقطعة؟ وبعد ذلك .... صوت.صوت ثقيل، مألوف… نظرة حادة، يد قوية… ديمتري؟شهقت بصمت. نعم… لقد جاء.جلست ببطء على السرير، تغطّي نفسها بالبطانية البيضاء، والواقع يتسلّل إليها كالماء البارد.لقد نامت على أريكة بيت صوفي، مخمورة بالكاد تعرف اسمها،واستيقظت هنا… في سريرها. في قصر آل رومانوف."لقد أخذني…!"همست بالكلمات وكأنها اعتراف، أو فضيحة.لقد حملها ديمتري إلى هنا.دفنت وجهها بين راحتيها، الشعور بالحرج والخوف والارتباك اجتاحها دفعة واحدة.كأن كل شيء خرج عن السيطرة…بل هو خرج فعلًا.أزاحت البطانية عن جسدها ببطء، وقفت أمام المرآة الكبيرة.وجهها شاحب، عيناها متورمتان قليلًا من قلة النوم، وشعرها فوضوي.لكن الأسوأ من كل ذلك… هو ذلك الشعور العالق في صدر

  • بين أنياب البراتفا   9

    ظلّت واقفة، لم تتحرّك.الهواء حولها كان كثيفًا… كأنّ الأوكسجين ذاته صار عبئًا على رئتيها. عيناها عالقتان على الباب الذي خرج منه… وكأنهما تتوسّلان إليه أن يعود… أو لعلّهما تتوسّلان ألا يفعل أبدًا.الزفاف… بعد أسبوعين.كرّرت الكلمة داخل عقلها، صوت ديمتري لا يزال يرنّ في أذنيها كصفعةٍ لم تتعافَ منها بعد.أسبوعان.أسبوعان فقط، وتُصبح… زوجته."زوجة ديمتري آل مالكوف…؟"همست بها كأنها تتذوّق السمّ بلسانها.مشاعرها ممزّقة، قلبها يدقّ بقوة، ببطء، ثم بسرعة.ضياع. ارتباك. خوف. وغضب خام.لقد قرر عنها. أعلن الأمر. ولم يترك لها مساحة للرفض، ولا حتى للاختيار. أعلنها أمامها، كأنها مُلكٌ له… كأنها صفقة حُسمت."أناني... وقاسٍ... ومخيف."همست وهي تغمض عينيها.لكنها حين فتحتها، كانت الدموع قد تراكمت… على حدود لا يجب أن تتجاوزها.لم تسمح لها بالسقوط. ليس الآن. ليس بسببه.كيف يمكن لرجل أن يُشعل حريقًا في قلبها، ويتركها تحترق وحدها؟ كيف تكرهه الآن… بينما قلبها لا يزال ينبض به؟ كيف تخاف منه… بينما جزء منها لا يريد لأحدٍ سواه أن يلمسها؟جلست على الأريكة خلفها، يداها في حجرها، وصدرها يعلو ويهبط.هل كان هذا حبً

  • بين أنياب البراتفا   9

    استيقظت قبل أن يوقظها أحد.أو لعلها لم تنم حقًا.مجرد ساعتين من نوم متقطع… كانت كافية لتشعر أن جسدها لم يغادر عبء اليوم السابق، بل حمله معه إلى هذا الصباح.جلست على طرف سريرها، أقدامها الحافيتان لامستا الأرضية الباردة، ويداها تغطّيان وجهها للحظة… ثم سحبتهما بتنهيدة ثقيلة.كأن الهواء داخل الغرفة ثقيل، خانق، مشبّع بشيء لا يُرى… لكنه يُشعر.مشطت شعرها بأصابعها ببطء، دون أن تنظر إلى المرآة.لم تكن تملك الطاقة الكافية لتواجه حتى انعكاسها.نهضت ببطء. خطواتها إلى الحمام كسولة، مترددة، كأنها تخشى أن يختبئ خلف كل زاوية… خبر سيء.غسلت وجهها بماء بارد، أكثر برودة مما توقعت، أرادت أن توقظ شيئًا في داخلها… شجاعة ربما، أو حدة تركيز فقدتها.بينما كانت تجفف وجهها بالمنشفة القطنية البيضاء، حدقت في المرآة أخيرًا.عيناها زرقاوان… لكن لم يكن فيهما أي بريق.تلك لم تكن عينا فتاة نامت على يقين، بل عينا امرأة تنتظر مصيرًا لا تدري من أي باب سيقتحمها.ارتدت رداءً منزليًا حريريًا، وشدت خصره بشريطه الساتر.ثم وقفت للحظة أمام نافذتها، تراقب الحديقة التي كانت مغطاة بندى الصباح. كل شيء بدا طبيعيًا… كاذبًا.حتى الطي

  • بين أنياب البراتفا   8

    الساعة تشير إلى العاشرة صباحًا.الجدران سميكة، النوافذ مغلقة، والحرس خارج القاعة أكثر من المعتاد.المائدة الطويلة كانت ممتدة في المنتصف، من خشب داكن يشبه الظلال التي تسكن المكان.على يمين الطاولة جلس ميخائيل مالكوف، الزعيم، وذراعه اليمنى ديمتري إلى جواره.هادئ، صامت، لكن نظرته تُذيب الحديد.على الجهة المقابلة، جلس فياتشيسلاف وابنه إلياس، الجمر المتقد في أعينهما يكشف عن غضب لا يهدأ.وفي مقدمة الطاولة، جلس أندريه رومانوف... رأس العائلة، وعيناه ثابتتان على الجميع، بينما جلس ابنه أدريان إلى جواره، كتفاه مشدودتان، كأن انفجارًا سيقع.الصمت ساد للحظات.حتى قال أندريه بصوت خافت، لكنه قاطع:"فلنبدأ."تنحنح أحد رجال البراتفا، رجل نحيل يرتدي الأسود:"الهجوم الذي نُفّذ على رجال البراتفا أمس، وعلى شحناتهم، لم يكن خفيفًا. كان واضحًا ومقصودًا. والفاعل معروف."رمق ديمتري إلياس بنظرة واحدة فقط.لا تهديد، لا غضب، فقط... نظرة.إلياس ضغط على كفيه، ثم قال:"لقد تصرّف قبل أن تُحسم الأمور. قبل أن أُمنح أي احترام كخطيب رسمي. ما فعله كان إعلان حرب، أنا فقط رددت عليه."أدريان رفع حاجبه:"رددت؟ أنت هاجمت شحنات

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status