Share

7

last update publish date: 2026-05-13 21:24:47

الجو كان مشحونًا، لكنّ أحدًا لم يعلّق.

الهدوء المهيب الذي خيّم على المكان لم يكن سلامًا... بل حذرًا.

كأنّ الجميع يسير على زجاج مكسور، يتجنّب صوت الصرير، ويتجنب الانكسار.

أندريه رومانوف جلس في المقعد الجلدي العميق، يُقلب بين يديه كأسًا نصف ممتلئ من الويسكي، لم يشرب منه شيئًا.

عيناه العجوزتان - المملوءتان بتاريخ من الدماء والسيطرة - كانتا ثابتتين على نقطة لا يراها سواه.

إلى جواره، جلس أدريان، أكثر هدوءًا من المعتاد، ملامحه صلبة، لكنه بدا وكأنه ينتظر انفجارًا لا مفر منه.

لاريسا، زوجته، جلست إلى الجانب الآخر، تحاول التماسك، بينما تُحدّق في ابنتها الكبرى.

كاترينا كانت تجلس بهدوء بجانب أريكة منخفضة، في فستان داكن، يليق بجو الترقب الذي غلف الليلة.

أما زوي، فكانت... زوي.

مرحة، تتنقل بين الكراسي، تقلد جدّها مرة، ووالدها مرة أخرى، ثم ترتمي على حجر أمها، وتهمس بشيء ما، يثير ضحكتها وضحكة والدتها الخافتة.

قالت زوي وهي تضحك:

"أنا واثقة أن ديمتري مالكوف الآن يخطط لإطلاق تنين روسي من قلعته ليحرق الميناء."

ضحكت لاريسا بخفة، وغمغمت:

"زوي!"

لكنها ضحكة قصيرة، لم تعش طويلًا.

قطع أندريه الصمت أخيرًا، بصوته الأجش:

"اتصلتُ اليوم بميخائيل."

ارتفعت رؤوس الجميع نحوه، حتى كاترينا رفعت عينيها عن الأرض ببطء. تابع:

"قلت له إن ما فعله فياتشيسلاف وابنه... لا يمثل آل رومانوف. وأننا لا نرغب في إشعال هذه الحرب."

نظر إلى أدريان الذي أومأ برأسه ببطء، قبل أن يُضيف بصوته الحاد:

"قلت له أيضًا إننا... لا نحمي الأغبياء. ومن يشعل النار سيتحمل عواقب الحريق وحده."

صمت للحظة، ثم أكمل:

"لكن الحرب، مع ذلك... باتت على الأبواب."

كاترينا شعرت بشيء يهبط داخل صدرها.

أليس هذا ما كانت تخشاه؟ أن تتحول اختياراتها الشخصية إلى خريطة حرب...؟ أن يُستخدم اسمها كمحرك لدماءٍ ستُراق في الظلام...؟

قالت لاريسا بهدوء وهي تنظر نحو ابنتها:

"لا أحد يلومكِ، كاترينا. لكن... الآن يجب أن تكوني أقوى."

كاترينا لم ترد. فقط رفعت كأس الشاي أمامها، شربت منه رشفة باردة، رغم أنه كان ساخنًا.

قال أندريه ببطء:

"ميخائيل قال إن الرد قادم. ولن يكون كلامًا."

زويا توقفت فجأة عن الحركة، كأنها أدركت خطورة الوضع، وقالت:

"يعني... سنكون في قلب الحرب؟"

أجابت أندريه دون أن ينظر إليها:

"يعني... إن لم نحسن إدارة الموقف، سنكون الخشب الذي سيتغذى عليه لهيبها."

كاترينا أعادت الكوب إلى الطاولة بهدوء.

تلك الليلة... لم تكن كأي ليلة. كانت تشعر بأن أنفاس العالم أصبحت أثقل. وأن اختيارًا بسيطًا... كأن تُحب رجلاً، قد يُشعل دولة تحت الثلج.

الهواء كان ثقيلاً رغم نسمات الصباح الباردة.

الستائر النصف مفتوحة سمحت لشعاع شمس خجول أن يتسلل إلى مائدة الإفطار، حيث جلست العائلة، لكن لا أحد لمس طعامه.

أندريه رومانوف كان أول من تلقى الاتصال، ثم الثاني... والثالث.

كل اتصال يُطفئ شيئًا من صبره، ويُشعل شيئًا آخر... أكثر ظلمة.

كاترينا جلست بين والديها، صامتة، تحدّق في فنجان قهوتها السوداء، دون أن تتجرأ على رفع عينيها.

أدريان كان مائلًا بجسده للأمام، يهمس لوالده، بينما لاريسا أمسكت بكف زوي تحت الطاولة، كأنها تحمي بها ببراءتها من أخبار اليوم.

ثم، بصوت هادئ لكنه حاسم، قال أندريه وهو يغلق الهاتف الأخير:

"بدأ الرد."

ثوانٍ مرت قبل أن يسأل أدريان، بنبرة حاول أن يُبقيها ثابتة:

"ما الذي فعله؟"

أندريه ألقى نظرة نحو الجميع، ثم قال:

"ثلاث شحنات لألياس تمّت مهاجمتها فجرًا. تمّت مصادرة الأسلحة. قُتل اثنان من رجاله، وتمت إصابة أربعة، واحد منهم في العناية."

لاريسا شهقت بخفّة، لكنّها لم تنطق بشيء.

أكمل الجد:

"رجال ديمتري هاجموا أيضًا الحراس أمام موانئهم الخاصة. لم تُطلق رصاصة واحدة... أغلقوا الطرق، وزرعوا رسائلهم."

زويا نظرت إلى الجميع، وجهها شاحب:

"رسائل؟ أي نوع من الرسائل؟"

قالها أدريان بنبرة منخفضة:

"لا يترك رسائل مكتوبة، فقط أفعال."

ثم التفت إلى ابنته الكبرى:

"لكن رسالته الأوضح... كانت لكِ."

رفعت كاترينا نظرها إليه ببطء، قلبها يضرب صدرها كطبل معطوب.

قال الجد، ببرود أشبه بالجليد:

"ديمتري منحكِ يومًا واحدًا، كاترينا."

"يومًا؟"

همست، رغم أنها كانت تعرف.

كانت تشعر بذلك منذ أن استيقظت على كابوسٍ لا اسم له.

أندريه أكمل:

"يومٌ واحد لتقرري. بعد ذلك... لن نملك أي سيطرة على ما سيفعله. ولا على ما سيفعله إلياس أيضًا."

عمّ الصمت. ثم قالت زوي، بصوت مهزوز:

"لكن... ألن يحميها أحد؟ أنتم جدّي وأبيها!"

رفع أندريه نظره نحو حفيدته الصغيرة، وقال بهدوء يُخيف أكثر مما يطمئن:

"الحماية لها ثمن يا زويا. وثمن كاترينا... صار دمًا."

كاترينا شعرت بأن الأرض تميل أسفلها.

رغيف الخبز الذي كانت تقطعه ببطء أصبح هشًا في يدها.

وفي صدرها... طوفان.

إنها لا تقف على مفترق طرق، بل على حافة شفرة.

إن اختارت ديمتري، أشعلت النار في ظهرها.

وإن اختارت إلياس، سكبت الزيت فوقها.

وإن رفضت الاثنين... فإن الشفرة ستُسقطها.

يومٌ واحد. يومٌ لتختار من سيطلق الرصاصة أولًا... وأين سيصيبها.

الجميع لا يزال جالسًا حول المائدة، ولكن الطعام تُرك كما هو. لم يلمسه أحد.

كاترينا رفعت عينيها أخيرًا، نظرت إلى جدها... ثم إلى والدها.

الهدوء الذي كانت تحافظ عليه منذ البارحة بدأ يتشقق من الداخل.

"جدي..."

نطقتها بصوت خافت، لكنّه حمل خلفه كل وزن العالم.

أندريه نظر إليها بهدوء، كعادته، كأنّه يعرف أنها ستسأل.

"أخبرني، من يجب أن أختار؟"

الصوت لم يكن سؤالًا فقط، بل رجاءً... توسُّلًا ناعمًا من حفيدة لم تعد تعرف الطريق.

"أبي... أمي... أي أحد منكم... قولوا لي، أرجوكم."

صوتها ارتجف في النهاية، كأن شيئًا بداخلها ينكسر على مهل.

"أنا لا أعرف ماذا يجب أن أفعل... ديمتري؟ إلياس؟ لا أحد؟ كل طريق يقود إلى دم، وأنا... أنا لا أريد أن أُقتل، ولا أريد أن أقتل أحدًا من أجلكم... لكنني أيضاً لا أريد أن أختار."

عمّ الصمت من جديد.

أندريه رومانوف تنهد، لأول مرة بدا عليه الإرهاق.

"كاترينا، نحن لا نستطيع أن نأخذ القرار عنكِ."

"لكنّي لا أطلب منكم قرارًا... أطلب النصيحة. أي طريقٍ أقل خرابًا؟ أيّ جحيم أهون؟"

أدريان أمسك بكف ابنته، لأول مرة منذ زمن طويل... يشعر بثقل قراراتها.

"ابنتي... لو كان الأمر بيدي، لاخترت أن تبقي بعيدة عن هذا كله. أن تعودي إلى باريس، لمركزك العلاجي، وتكملي حياتك كأن كل هذا لم يحدث. لكن للأسف، نحن لسنا في عالمٍ يسمح لنا بالخروج سالمين."

لاريسا كانت تمسك بكفها الأخرى، لكن عينيها تمتلئان بدموع لم تسقط بعد.

"قلبي معكِ، يا كاترينا... لكنكِ إنسانة تفكر بعقلها. وهذه المرة، عقلُكِ لا يكفي وحده. أنتِ تحتاجين إلى قرارٍ يحميكِ أولًا... لا من الحب، بل من الدم."

سكت الجميع. ثم قال أندريه رومانوف بهدوء مدروس:

"فلنصوّت."

كاترينا نظرت إليه مصدومة.

"تصويت؟"

أومأ، ثم قال:

"ليس لتجبرينا، بل لتري أين تميل العائلة. قراركِ يبقى لكِ... ولكن على الأقل، سنمنحكِ إشارات."

أومأ أدريان ببطء، ثم زويت عينيها الزرقاوين، وهي تحدق في والدها بتردد، قبل أن تقول:

"ومن بيننا... من سيبدأ؟"

"أنا."

قالها الجد بهدوء قاتل.

"لو سُئلت من هو الأخطر... لاخترت ديمتري. ولو سُئلت من هو الأضعف... لاجبت إلياس. لكن لو سُئلت من يملك السيطرة... لاخترت ديمتري أيضًا. ديمتري لا يُحب كثيرًا... لكنه إذا أحب... لن يسامح أحدًا إذا لم يُمنح ما يريد. ولهذا... رغم كرهي لطريقه... لو كان عليّ الاختيار، لاخترت ديمتري."

أدريان خفض عينيه ثم قال:

"أنا أوافق. ما فعله إلياس، وما فعله ديمتري، كلاهما جنون... لكن ديمتري، رغم وحشيته... حمى إيزابيلا زوجه شقيقه، إذا أحبكِ... لن يدع أحدًا يمسكِ. أما إلياس... فأنا لا أثق أنه يملك حتى القدرة على الحماية."

لاريسا رفعت وجهها، وصوتها ارتجف:

"أنا لا أريدهما. لا هذا... ولا ذاك. أريدكِ حيّة، فقط."

زوي همست من مقعدها:

"اختاري ديمتري. لا أعلم لماذا، لكن... عينيه، حين نظر إليكِ، لم تكن نظرة امتلاك... بل نظرة ألم. وكأنّه ينتظر منكِ أن تنقذيه من نفسه."

الدم تجمّع في عروق كاترينا، قلبها يضرب بلا هوادة.

ثلاثة أصوات نحو ديمتري.

وصوت واحد... نحو الهرب.

رفعت عينيها ببطء، وقالت بهمس:

"هذا ليس قرارًا... هذا حكم بالإعدام على أحدهم."

أندريه قال بهدوء:

"كل الخيارات... ستقتل شيئًا فيكِ يا كاترينا. ما عليكِ سوى أن تختاري... أيّهم تحتملين موته أكثر."

لم تكن تعرف كيف وصلت إلى هنا.

الخطوات ساقتها دون وعي... وكأنها تهرب، لا من أحد، بل من نفسها.

دفعت باب المكتبة ببطء، الهواء الراكد استقبلها برائحة الورق العتيق، والخشب المعتق، والماضي.

أغلقت الباب خلفها، ثم استندت إليه للحظة، عيناها تجولان في المكان... الرفوف العالية، الكتب الصامتة، الستائر الثقيلة، الطاولة الوسطى التي تحمل بقايا فنجان قهوة منسي منذ أيام.

تقدّمت ببطء، حتى جلست على الكرسي العميق، الكرسي الذي كانت تختبئ فيه حين كانت طفلة، تهرب من العالم بين الكتب... واليوم تهرب من نفسها.

أسندت جبهتها إلى كفّها، أغمضت عينيها.

صوت جدّها يتردد في ذهنها:

"كل الخيارات ستقتل شيئًا فيكِ... عليكِ فقط أن تختاري أيّهم تحتملين موته أكثر."

لكنها لا تحتمل أيّ موت.

لا موت الحُب، ولا الكرامة، ولا الأمن، ولا الحلم.

إن اختارت ديمتري، ستعيش آمنة، لكن محطمة.

وإن اختارت إلياس ... ستعيش خائفة، لكنها حقيقية.

وإن لم تختر أحدًا... ستُدفن في منتصف الطريق بين النارين، وتُلتهمها ألسنة اللهب من الجانبين.

أغمضت عينيها أكثر... ثم همست:

"متى أصبحت حياتي... حربًا لا خاسر فيها غيري؟"

مرت لحظة... ثم أخرى.

استنشقت الهواء ببطء، حاولت أن ترتب أفكارها... لكن قلبها لا يهدأ، وعقلها لا يتوقف.

تذكّرت ملامحه. ديمتري.

حين وقف أمامها، تلك النظرة في عينيه، وكأنه كان يُسأل:

هل سيقاتل من أجلها؟

والجواب... كان في القبلة التي أشعلت النيران في كل الطرق.

لكنها أيضًا... تذكّرت إلياس.

الذي، رغم كل شيء، لم يؤذها أبدًا... لكنها لم تشعر معه يومًا... بالحياة.

رفعت وجهها، ونظرت إلى السقف العالي، كما لو كانت تنتظر وحيًا.

ثم تمتمت، بصوت مكسور:

"أريد من يدلّني على نفسي... لا من يسحبني إلى ظله."

لكنها لم تجد إجابة.

فقط... سكون، وصمت، وورق قديم.

وبقي السؤال معلّقًا بين جدران المكتبة القديمة... بين أنفاسها المربكة، وقرارٍ... سيُعيد رسم مصيرها.

كان كل شيء ساكنًا... إلا عقلها.

جلست على طرف سريرها، قدماها الحافيتان ملامستان للأرض الباردة، والهواء ثقيل، كأن الغرفة نفسها تحبس أنفاسها، بانتظار الكلمة... القرار.

حدّقت أمامها في اللاشيء.

لم تُشعل الأنوار، فقط ضوء القمر المتسلل من خلف الستائر يرسم ظلالًا على الأرضية.

كانت ترتدي رداء نوم قطني بلون باهت، شعرها مفرود، غير مهندم، ينسدل على كتفيها، تمامًا كأفكارها.

في يدها... الورقة.

الورقة التي تركها لها جدها، يطلب فيها اسمًا. فقط اسمًا.

لا شرح، لا أعذار، لا دفاع.

إلياس؟ ديمتري؟ أم لا أحد؟

كانت هذه أول مرة تُمنح فيها حرية القرار الكاملة، لكنها لم تشعر بأنها حرّة.

رفعت رأسها قليلًا، كأنها تخاطب الفراغ:

"هل هناك اختيار صائب حين تكون جميع الطرق تؤدي إلى الجحيم؟"

رمت الورقة على الطاولة، ونهضت.

بدأت تمشي في الغرفة، تمشي وكأن الأرض تفكر بدلًا عنها، تبحث عن إشارات... عن نداء... عن خلاص.

رأت انعكاسها في المرآة.

شابة في السادسة والعشرين، تنتمي لعائلة تقتل باسم الشرف وتُحب باسم السيطرة.

هل كانت مستعدة لتختار؟ أم كانت تحاول النجاة؟

أغمضت عينيها... رأت وجه ديمتري.

تذكرت قبلته، لمسته، النظرة التي نزعت منها كل دفاعاتها.

لكنه أناني... كاد يشعل حربًا دون أن يحسب العواقب.

رجل مثل النار، جميل... ومُميت.

ثم رأت وجه إلياس... رجل لا تحبّه، لكنها تعرفه. رجل مستقيم... في عالم أعوج.

لكنه يحمل في قلبه الكثير من التملّك.

وإن تزوجته... ستكون وردة في قفص ذهبي، تختنق بصمت.

وإن رفضت الإثنين؟ فهي تعرف النتائج... الدم سيُراق، سواء نطقت أم صمتت.

لكن في لحظة واحدة... شعرت بنبضها.

شعرت أن قلبها يخبرها بشيء.

لقد تعبت من الحياة التي يُملى عليها فيها كل شيء.

اقتربت من الطاولة. جلست.

أمسكت القلم... نظرت إلى الورقة البيضاء.

ثم كتبت. بخط واضح. وبكلمة واحدة.

ثم وقّعت.

أغلقت الورقة... وتركتها على الطاولة. ثم نهضت، وسارت نحو الشرفة. فتحت الزجاج، والهواء الليلي اندفع نحوها كعناق بارد.

تمتمت، بصوت بالكاد يُسمع:

"ليكن ما يكون."

هادئة، صامتة، كما كانت دومًا.

إلا أن الكلمات عليها... لم تكن هادئة.

في الصباح، حين دخل جدها أندريه إلى جناحها، كان يعلم أنها حسمت أمرها.

لم تتحدث... فقط أشارت بعينيها إلى الظرف المغلق فوق الطاولة.

اقترب، أمسكه، فتحه ببطء... وكأن اسمه المكتوب بداخله يحمل مصير الجميع.

وحين رأى الكلمة... توقف الزمن لثانية.

رفّ جفنه، ثم زفر ببطء. لم يكن مدهوشًا... ربما كان يتوقع.

لكنه يعرف جيدًا... أن العاصفة بدأت.

كان الاسم مكتوبًا بخط واضح، حاسم:

"ديمتري مالكوف."

صمت.

ثم أغلق الظرف وأدخله في سترته، قبل أن يقول بصوت خفيض:

"إذًا... اخترتِ النار."

وغادر الغرفة، دون أن يلتفت. وفي الخارج، كانت زوبعة كاملة تستعد للانفجار.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • بين أنياب البراتفا   12

    لم تكن كاترينا تعرف كيف مضى الوقت داخل السيارة، لكنها كانت تدرك تمامًا أنها لم تُغمض عينيها للحظة.جلست بصمت إلى جواره، في المقعد الخلفي للسيارة السوداء الثقيلة، بينما كان ديمتري يجلس بجانبها، ساكنًا كصخر الجبال الروسية… متجهّم الملامح، يُحدّق في الطريق المظلم أمامهم كأنه يسير نحو ساحة معركة، لا منزل.كان الليل الروسي قد انغمس في برودته القارسة، والضباب يزحف على أطراف الزجاج، يُرسم عليه أنفاسها الخافتة كلما زفرت بلا وعي.الثلج بدأ يهبط من السماء كأن الشتاء قرر الاحتفال بزفافها أيضًا… أو ربما عزاءه.أطراف أصابعها متجمدة داخل قفازها، رغم أن التدفئة تعمل. لكن البرد لم يكن يأتي من الخارج فقط.بردٌ آخر كان يحتل صدرها… برد الرهبة واللا يقين.ألقت نظرة جانبية نحوه.لم يتحرك منذ لحظة خروجهم.وجهه مشدود، حاجباه منعقدان، ونظراته لا تغادر الطريق، كما لو أنه يُعد نفسه لشيء قادم… أو يُخفي شيئًا لا تودّ أن تعرفه."هل أنتِ بخير؟"قالها بصوته العميق، فجأة، دون أن يلتفت.ترددت. لم تكن تتوقع السؤال، ولا تملك له إجابة حقيقية.لكنها تمتمت بصوت منخفض:"أشعر بالبرد قليلاً."كان ذلك كذبًا جزئيًا. كانت تشعر

  • بين أنياب البراتفا   11

    كانت الشمس قد ارتفعت، لكنها بدت بعيدة... باهتة... كأنها تنظر للبيت من بعيد، ولا تجرؤ على الاقتراب.داخل جناحها، جلست كاترينا على طرف الأريكة المخملية، بملابس النوم البيضاء التي اختارتها لها والدتها خصيصًا لهذه المناسبة.شعرها المربوط بخفة كان ما زال ناعمًا من تأثير الحمام الدافئ،ورأسها... مليء بالضجيج.خائفة؟ نعم.متوترة؟ نعم.لكنها لم تكن جبانة. لم تكن لتتراجع الآن.منذ الفجر وهي مستيقظة... تنظر إلى السقف، تحاول التنفس.تُقنع نفسها أن الأمر مجرد حفل... مجرد مراسم.لكن عقلها لا يتوقف عن تكرار الحقيقة الوحيدة:"اليوم... ستصبحين زوجته."لم تكن تعرف ما إذا كان ذلك مطمئنًا أم مفزعًا.طرقات خفيفة على الباب قطعت أفكارها، ثم دخلت والدتها، بابتسامة متوترة."صباح الخير، حبيبتي... هل نمتِ قليلًا؟""لم أستطع."أجابت كاترينا بصوت خافت، وهي تشيح بعينيها.اقتربت الأم، جلست بجانبها، أخذت يدها بين يديها الدافئتين."أعرف أن قلبكِ ليس مطمئنًا... لكن كل شيء سيكون بخير. ديمتري... رجل صعب، نعم، لكن لا أحد يستطيع حمايتكِ مثله."لم تجب. لم تستطع.دخلت زويا بعدها مباشرة، بابتسامة متحمّسة، وهي تحمل صندوقًا ك

  • بين أنياب البراتفا   10

    استفاقت على شعور ثقيل، كأن رأسها محشوّ بالرصاص.أجفانها ترفض الانفتاح بالكامل، وجسدها مُلقى على السرير كما لو أنه أُسقط عليه دون إرادتها.ضغطت أناملها على جانب جبينها… ألم. ألم نابض خلف عينيها مباشرة. ذلك النوع من الألم الذي لا يُخففه ضوء… بل يزيده."ما الذي…؟"تمتمت بصوت خافت بالكاد خرج منها.حاولت تذكر كيف وصلت إلى هنا… منزل صوفي؟ النبيذ؟ ضحكات متقطعة؟ وبعد ذلك .... صوت.صوت ثقيل، مألوف… نظرة حادة، يد قوية… ديمتري؟شهقت بصمت. نعم… لقد جاء.جلست ببطء على السرير، تغطّي نفسها بالبطانية البيضاء، والواقع يتسلّل إليها كالماء البارد.لقد نامت على أريكة بيت صوفي، مخمورة بالكاد تعرف اسمها،واستيقظت هنا… في سريرها. في قصر آل رومانوف."لقد أخذني…!"همست بالكلمات وكأنها اعتراف، أو فضيحة.لقد حملها ديمتري إلى هنا.دفنت وجهها بين راحتيها، الشعور بالحرج والخوف والارتباك اجتاحها دفعة واحدة.كأن كل شيء خرج عن السيطرة…بل هو خرج فعلًا.أزاحت البطانية عن جسدها ببطء، وقفت أمام المرآة الكبيرة.وجهها شاحب، عيناها متورمتان قليلًا من قلة النوم، وشعرها فوضوي.لكن الأسوأ من كل ذلك… هو ذلك الشعور العالق في صدر

  • بين أنياب البراتفا   9

    ظلّت واقفة، لم تتحرّك.الهواء حولها كان كثيفًا… كأنّ الأوكسجين ذاته صار عبئًا على رئتيها. عيناها عالقتان على الباب الذي خرج منه… وكأنهما تتوسّلان إليه أن يعود… أو لعلّهما تتوسّلان ألا يفعل أبدًا.الزفاف… بعد أسبوعين.كرّرت الكلمة داخل عقلها، صوت ديمتري لا يزال يرنّ في أذنيها كصفعةٍ لم تتعافَ منها بعد.أسبوعان.أسبوعان فقط، وتُصبح… زوجته."زوجة ديمتري آل مالكوف…؟"همست بها كأنها تتذوّق السمّ بلسانها.مشاعرها ممزّقة، قلبها يدقّ بقوة، ببطء، ثم بسرعة.ضياع. ارتباك. خوف. وغضب خام.لقد قرر عنها. أعلن الأمر. ولم يترك لها مساحة للرفض، ولا حتى للاختيار. أعلنها أمامها، كأنها مُلكٌ له… كأنها صفقة حُسمت."أناني... وقاسٍ... ومخيف."همست وهي تغمض عينيها.لكنها حين فتحتها، كانت الدموع قد تراكمت… على حدود لا يجب أن تتجاوزها.لم تسمح لها بالسقوط. ليس الآن. ليس بسببه.كيف يمكن لرجل أن يُشعل حريقًا في قلبها، ويتركها تحترق وحدها؟ كيف تكرهه الآن… بينما قلبها لا يزال ينبض به؟ كيف تخاف منه… بينما جزء منها لا يريد لأحدٍ سواه أن يلمسها؟جلست على الأريكة خلفها، يداها في حجرها، وصدرها يعلو ويهبط.هل كان هذا حبً

  • بين أنياب البراتفا   9

    استيقظت قبل أن يوقظها أحد.أو لعلها لم تنم حقًا.مجرد ساعتين من نوم متقطع… كانت كافية لتشعر أن جسدها لم يغادر عبء اليوم السابق، بل حمله معه إلى هذا الصباح.جلست على طرف سريرها، أقدامها الحافيتان لامستا الأرضية الباردة، ويداها تغطّيان وجهها للحظة… ثم سحبتهما بتنهيدة ثقيلة.كأن الهواء داخل الغرفة ثقيل، خانق، مشبّع بشيء لا يُرى… لكنه يُشعر.مشطت شعرها بأصابعها ببطء، دون أن تنظر إلى المرآة.لم تكن تملك الطاقة الكافية لتواجه حتى انعكاسها.نهضت ببطء. خطواتها إلى الحمام كسولة، مترددة، كأنها تخشى أن يختبئ خلف كل زاوية… خبر سيء.غسلت وجهها بماء بارد، أكثر برودة مما توقعت، أرادت أن توقظ شيئًا في داخلها… شجاعة ربما، أو حدة تركيز فقدتها.بينما كانت تجفف وجهها بالمنشفة القطنية البيضاء، حدقت في المرآة أخيرًا.عيناها زرقاوان… لكن لم يكن فيهما أي بريق.تلك لم تكن عينا فتاة نامت على يقين، بل عينا امرأة تنتظر مصيرًا لا تدري من أي باب سيقتحمها.ارتدت رداءً منزليًا حريريًا، وشدت خصره بشريطه الساتر.ثم وقفت للحظة أمام نافذتها، تراقب الحديقة التي كانت مغطاة بندى الصباح. كل شيء بدا طبيعيًا… كاذبًا.حتى الطي

  • بين أنياب البراتفا   8

    الساعة تشير إلى العاشرة صباحًا.الجدران سميكة، النوافذ مغلقة، والحرس خارج القاعة أكثر من المعتاد.المائدة الطويلة كانت ممتدة في المنتصف، من خشب داكن يشبه الظلال التي تسكن المكان.على يمين الطاولة جلس ميخائيل مالكوف، الزعيم، وذراعه اليمنى ديمتري إلى جواره.هادئ، صامت، لكن نظرته تُذيب الحديد.على الجهة المقابلة، جلس فياتشيسلاف وابنه إلياس، الجمر المتقد في أعينهما يكشف عن غضب لا يهدأ.وفي مقدمة الطاولة، جلس أندريه رومانوف... رأس العائلة، وعيناه ثابتتان على الجميع، بينما جلس ابنه أدريان إلى جواره، كتفاه مشدودتان، كأن انفجارًا سيقع.الصمت ساد للحظات.حتى قال أندريه بصوت خافت، لكنه قاطع:"فلنبدأ."تنحنح أحد رجال البراتفا، رجل نحيل يرتدي الأسود:"الهجوم الذي نُفّذ على رجال البراتفا أمس، وعلى شحناتهم، لم يكن خفيفًا. كان واضحًا ومقصودًا. والفاعل معروف."رمق ديمتري إلياس بنظرة واحدة فقط.لا تهديد، لا غضب، فقط... نظرة.إلياس ضغط على كفيه، ثم قال:"لقد تصرّف قبل أن تُحسم الأمور. قبل أن أُمنح أي احترام كخطيب رسمي. ما فعله كان إعلان حرب، أنا فقط رددت عليه."أدريان رفع حاجبه:"رددت؟ أنت هاجمت شحنات

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status