Share

5

last update Tanggal publikasi: 2026-05-11 05:06:31

الساعة كانت تجاوزت منتصف الليل.

لكن النوم… لم يزر عينيها.

كانت جالسة على طرف فراشها، بالكاد تتنفس، وكأن الهواء في الغرفة ثقيل… مشبعٌ بصمتٍ لا يُطاق.

يدها اليمنى لا تزال تمسح ببطء على ذراعها، لا لتدفئ نفسها… بل كأنها تحاول محو أثر لا يُمحى.

ذلك اللمس. تلك القبلة. تلك النظرة التي سبقتها… ثم ما بعدها. ثم رحيله.

ديمتري لم يتردد. لم يعتذر.

لم يختبئ خلف غموض أو قناع.

بل فعل ما فعله وكأنه يُعلن حربًا.

في وسط قصر آل رومانوف، حيث لا أحد يفلت من عيون الحُراس، ولا من همسات الجدران.

رفعت كاترينا رأسها ببطء، عينيها شبه مغلقتين من الإرهاق، لكن عقلها… في سباق.

"ماذا كنتِ تفعلين؟"

سألت نفسها بصوت خافت، بالكاد سُمِع في الغرفة المعتمة. ثم وقفت.

سارت خطوات قليلة نحو المرآة، نظرت لانعكاسها.

شعرها الطويل غير مرتب، عيناها فيهما بقايا حيرة، وشفتيها…

"توقفي."

همستها كانت أمرًا لنفسها، كأنها تأمر روحها بالعودة إلى مكانها.

لكن ماذا ستفعل؟ العائلة كلها كانت هناك.

أبوها. جدها. عمها. إلياس. ورجال آخرون من عائلات أخرى.

وديمتري… قبّلها. أمامهم.

ربما لم يكن الأمر واضحًا من زاويتهم، ربما لم يروَ شيئًا، وربما رأوا كل شيء.

لكن المؤكد… أنهم رأوه يقترب منها كمن يملكها.

تحركت بخطوات حادة نحو الشرفة، فتحت الباب بهدوء وخرجت. برد الليل لامس بشرتها، لكنها لم تشعر بشيء.

كل ما بداخلها مشتعل.

"لقد جنّ."

قالتها بوضوح هذه المرة.

"ديمتري مالكوف… فقد عقله."

ثم وضعت يدها على جبينها، تفكر، تحاول أن تستعيد أنفاسها.

هل تخبر أباها؟ هل تنتظر ليتحدث هو؟ هل يملك ديمتري الجرأة ليطرق باب آل رومانوف ويطلبها؟ لكن… هي في حكم المخطوبة. جدّها قالها بوضوح.

هل كان يعلم؟ هل قصد أن يُعلن اعتراضه بهذه الطريقة؟

"لا، لا، لا… ما فعله ليس اعتراضًا… ما فعله كان…"

شهقت شهقة صغيرة، أقرب إلى نَفَسٍ انقطع. لم تعرف كيف تصف الأمر.

لكنه أيقظ شيئًا فيها، كانت تظنه مات منذ سنوات.

ليس الحب. بل الخطر.

التيقّظ. الإحساس بأن القادم أكبر من كل ما مضى.

إن كانت في السابق تخاف من خسارته… فالآن تخاف من امتلاكه لها.

دلفت إلى الداخل ببطء، أغلقت باب الشرفة.

وقفت في منتصف الغرفة لثوانٍ، ثم انحنت، خلعت حذاءها، جلست على الأرض وأسندت ظهرها للحائط.

وأخيرًا… أسندت رأسها إلى ركبتها.

لكنها لم تبكِ.

لأن ما أحسته… كان أبعد من البكاء.

*.                *.                   *.                    *.        

كان الدخان يتصاعد من غليون أندريه، بطيئًا، كثيفًا، أشبه بسحابة رمادية ثقيلة، كما الهواء في الغرفة.

جلس أدريان في المقعد المقابل، يحدّق في فنجان قهوته الباردة، دون أن يرفع عينيه.

"لقد فعلها."

قالها أندريه أخيرًا، بصوته الخشن العجوزي، كمن لا يزال لا يصدق.

أدريان لم يرد. فقط شدّ قبضته على ذراع الكرسي، كأنّه يمنع نفسه من الصراخ.

"قبّلها، في حديقتنا، تحت أنظار رجالنا... ثم خرج من هنا وكأنه لم يشعل فتيل الجحيم."

هزّ أندريه رأسه ببطء، ثم قال بنبرة أكثر هدوءًا مما يشعر به:

"ثم عاد بعد عشر دقائق... وطلبها للزواج."

ضرب أدريان بكفه سطح الطاولة دفعة واحدة، فاهتزت فناجين القهوة الباردة وتناثرت الأوراق أمامه.

"هل جنّ؟!"

رد أندريه بنبرة جافة:

"لا. لم يجنّ. ديمتري لا يفعل شيئًا دون حساب. هو فقط… قرر أن يحرق كل شيء، ليأخذ ما يريده."

"بنتي ليست سلعة يُعلن ملكيتها بقبلة!"

صمت للحظة، ثم نظر إلى والده وقال:

"وإلياس؟ كيف سنواجه فياتشيسلاف الآن؟ إنها في حكم الخطيبة. وأنت من قلت له ذلك."

أندريه أومأ، بعينين مرهقتين، لا تخلو من الغضب.

"وأنا من سأتحمل المسؤولية."

سكت. سكتا معًا.

ثم تنفّس أدريان بعمق، وقال أخيرًا:

"فياتشيسلاف سيقتلنا جميعًا."

"فياتشيسلاف لن يفعل شيئًا الآن... لكنه سيتحرّك، أنا أعرفه. الولد – إلياس – لن يتحمل هذا. رأيت عينيه."

أغمض أندريه عينيه، وقال بهدوء مخيف:

"ما فعله هذا الرجل، ليس مجرد إهانة. إنه تهديد. إعلان سيادة. وضع حفيدتي في المنتصف بين فكين مفترسين. إذا اختارت إلياس، سيعتبر ديمتري أن كرامته دُفنت تحت أقدام آل رومانوف… ولن يصمت. وإذا اختارت ديمتري، فإلياس… لن يغفر. وإذا رفضتهما معًا؟ فكلاهما سيتفق على أمرٍ واحد… أن دمها ثمنٌ مقبول لكبريائهما. ديمتري وضعها تحت النار .... والدم سينسكب."

أندريه وضع غليونه جانبًا، ثم نظر في عيني ابنه:

"كان بإمكانه أن يطلب يدها بهدوء. أن يدخل من الباب. أن يتحدث إليّ أو إليك. لكنه اختار… أن يعلنها قبلة أمام الحضور."

"إنه ديمتري مالكوف، أبي. لا يفعل شيئًا دون قصد."

"أعرف. وهذا ما يجعلني أرتجف."

سكت لحظة، ثم أضاف:

"الرجل لا يتحرك إلا حين يقرر أن يأخذ. وما فعله الليلة؟ لم يكن مجرد قبلة. كان إعلان ملكية."

سكت أدريان طويلاً، ثم قال:

"كاترينا في المنتصف. ومهما اختارت… سيكون هناك دم."

أندريه حدّق في نقطة بعيدة في الفراغ، وقال بصوت منخفض:

"سنحميها. مهما كلّف الأمر."

رفع أدريان رأسه إليه.

"حتى لو اضطررنا لمحاربة البراتفا؟"

نظر أندريه إلى ابنه نظرة طويلة، ثم قال:

"حتى لو اضطررنا... لمحاربة مالكوف نفسه."

صمت. ثم قال أدريان بصوت خافت، كمن يهمس في جنازة:

"ديمتري مالكوف… وضعنا أمام خيار واحد. أن نختار من سيفجّر الحرب أولاً."

رفع أندريه عينيه إلى ابنه، نظرة حاسمة هذه المرة:

"بل أمام خيارٍ أصعب… كيف سننقذ كاترينا من نارٍ لم تشعلها بيدها، لكنها ستكون أول من يحترق فيها."

*.                 *.                      *.                    *.       

أُغلقت أبواب القاعة بعنفٍ جعل الزجاج يهتز في إطاره.

كان إلياس يقف في منتصف الغرفة، معطفه لم يُنزع بعد، وقبضته مغلقة، والدماء تكاد تنفجر من عروقه.

أما والده، فياتشيسلاف، فكان واقفًا أمام المدفأة، ظهره لابنه، والنار تلتهم الخشب أمامه كأنها تحاكي ما يدور في صدره.

قالها إلياس أخيرًا، بصوت مخنوق من شدة القهر:

"قبّلها، أمام الجميع."

لم يرد والده، بل التقط كأسًا من الزجاج الأسود وصبّ فيه الويسكي ببطء.

"قبّلها، وكأنني لستُ موجودًا. وكأن اسمي لا يعني شيئًا. وكأنني... لم أكن يومًا جزءًا من العائلة."

استدار فياتشيسلاف أخيرًا، رفع الكأس، وأخذ رشفة هادئة، ثم وضعه على الطاولة، وقال بصوت خفيض:

"ديمتري مالكوف… يعلن الحرب."

اقترب إلياس خطوتين:

"وأنت؟ ستقف وتشرب؟! لقد أهانني، أهاننا جميعًا! كاترينا في حكم خطيبتي، والجد بنفسه بارك الأمر!"

أجابه والده، ببرود قاتل:

"وهذا بالضبط ما أراد ديمتري إثباته… أن مباركة الجد لا تعني شيئًا أمام قراره."

"سيأخذها؟! ببساطة؟! فقط لأنه ديمتري مالكوف؟!"

ضرب الطاولة بيده، واهتز الكأس، وسقطت ورقة من المجلدات.

اقترب فياتشيسلاف من ابنه، ونظر إليه نظرة مباشرة، فيها من الغضب ما يفوق كل الكلمات:

"ديمتري لا يأخذ… ديمتري يُعلن ملكيته. وهذا ما فعله. قبّلها، ووضع آل رومانوف أمام العالم كأنهم لا يستطيعون حماية بناتهم."

سكت للحظة، ثم أضاف:

"لكن هناك فرق، إلياس. ديمتري لا يعرف بعد… أنك لست مجرد رومانوف. أنت ابني."

ارتفع حاجبا إلياس:

"ماذا تنوي؟"

قالها فياتشيسلاف بنبرة خافتة… بطيئة… قاتلة:

"لن نطلق رصاصة واحدة الآن. لن نغضب. سنتركهم… يخطئون. وسنحصد الدم بعد ذلك. ريد أن تفعل شيئًا، إلياس."

اقترب إلياس ببطء، كأن الدم يتجمّد في عروقه.

"أريدك أن تبقى هادئًا. ألّا تتحرك. ألّا تقول شيئًا. أن تتصرّف وكأن شيئًا لم يكن. واجعلها… تظن أنها تملك القرار. وحين تختار… سنقرر كيف ننهي الأمر."

ابتسم فياتشيسلاف ابتسامة لا تشبه البشر.

"إذا اختارتك، فلن ننسى. وإن اختارته… سأجعل دم ديمتري مالكوف يغلي داخل جسده قبل أن يخرج."

*.                   *.                        *.                      *.      

النافذة نصف مفتوحة… والهواء البارد يدلف إلى الداخل، يحرّك الستائر الثقيلة كأشباح راقصة في الظلال.

الأنوار خافتة… عدا مصباح أرضي على طرف الجناح، يكسو الأرضية الخشبية بضوء كهرماني باهت.

في أقصى الجناح، جلس ديمتري… على الأريكة الجلدية السوداء، قميصه مفتوح عند العنق، يده ترفع كأسًا نصف ممتلئ، والوشم الداكن الملتف حول قلبه، يختبئ تحت نسيج قطن مبلل بالعرق والأفكار.

لم يتحرك منذ ساعة.

عيناه ثابتتان على نقطة بعيدة في الفراغ، لكن مقلتيه لم تكونا ساكنتين. كان يُقاتل… بصمت.

صوت الباب يُفتح بخفّة.

ليا.

دخلت دون أن تتحدث، تحمل في يدها رداءه الأسود الذي تركه في الأسفل. نظرت إليه، لكنه لم ينظر لها.

وضعت الرداء على المقعد، واقتربت خطوة.

"أنت تعلم أن ما فعلته اليوم…"

توقفت، لم تكمل. أدار رأسه ببطء نحوها.

صوته خرج منخفضًا، خشنًا، وكأن فيه دخان حريقٍ لم يُطفأ بعد.

"لا تعاتبيني، ليا."

"أنا لا أعاتبك…"

ردّت بخفّة، ثم أضافت:

"أنا فقط… أحاول فهمك."

نهض فجأة، ببطء، كأن ثقلاً فوق كتفيه.

تقدّم نحو النافذة، وألقى نظرة على الظلام الخارج.

المدينة نائمة… أما هو، فاليقظة تمزّق داخله.

"لأعوام، كنت أظن أني نسيت."

قالها كمن يعترف لنفسه، أكثر مما يعترف لها.

"كاترينا؟"

صمت. ثم ابتسم، تلك الابتسامة التي لا تحمل سوى مرارة قديمة:

"كانت طفلة… تركض نحوي كلما رأتني. كنت أراها كظل بعيد، ينتمي لعالم مختلف."

استدار، نظر إلى ليا:

"لكنها لم تعد طفلة، أليس كذلك؟"

ليا لم ترد. اقترب منها. كان صوته مثل هدير بطيء:

"اليوم… حين نظرت إليها، لم أرَ ظلًا… بل نارًا. ولم أعد أريد أن أطفئها."

رفعت ليا نظراتها إليه، بعينين تشي بألف سؤال، لكنه سبقها وقال:

"قبّلتها أمام الجميع… لأنني لا أخشى أحدًا. ولا أنوي التراجع."

"ديمتري… لقد وضعت نفسك، ووضعتها، في مركز صراع لن يرحمها."

ابتعد عنها بخطوة، ثم قال دون أن يلتفت:

"أعلم. لكنها لن تكون وحدها. هذه المرة… سأحرق كل من يقترب منها."

صوته كان وعدًا… تهديدًا… قسمًا خرج من أعماق رجل لا يعود عن كلمته.

تحرك ديمتري وجلس على طرف السرير، مرفقاه على ركبتيه، يداه معقودتان، وكتفاه منحنيتان قليلاً للأمام… لكنه لم يكن منكسراً.

كان أشبه بحيوانٍ مفترس يختبئ خلف سكونٍ مؤقت.

عيناه ساكنتان، لكن قلبه… يصرخ.

ارتفع صدره ببطء ثم هبط، كأن كل نفس يتطلب قتالًا.

لم ينم. لم يشرب. لم يتحدث. منذ ترك الحديقة… وهو يحاول أن يُغلق ذلك الباب الذي فُتح عنوة.

باب لم يُغلق منذ عشر سنوات.

كاترينا.

تمتم باسمها في عقله، كأنه يختبر وقعه من جديد.

لم تكن مجرد طفلة تركض إلى حضنه في الاجتماعات العائلية، لم تكن مجرد ابنة أحد الحلفاء الأقوياء… كانت الفوضى الصغيرة التي اقتحمت عالمه بهدوء… وتربّعت فيه.

تذكّر تلك الليلة، حين كانت في الخامسة عشرة.

لم تنظر إليه كطفلة. لم تبتسم بعفوية.

توقفت على بُعد، حدّقت فيه… بعينين لم يكن فيهما براءة، بل شيء آخر.

شيء لم يستطع أن ينساه.

في تلك اللحظة، لم يرَها كـ"ابنة رومانوف الصغيرة".

بل رأى ملامح امرأة تتفتّح، وجسدًا بدأ يتغير… وصوتًا لم يعد ناعمًا كما كان، بل فيه نغمة تزعجه… لأن فيها إغواء لم يُرد أن يراه.

ذلك المساء، قرر أن يختفي من أمامها. أن لا ينظر. أن لا يقترب.

لأنه عرف نفسه. وعرف أنها… خطٌ أحمر.

كم مر عليه من نساء؟ كثيرات.

كان مع ليا، المرأة التي يعرفها منذ أن بدأ يمشي، التي تفهم صمته، وتبقى قربه حتى حين يطردها بعينيه.

لكنه لم يرَ فيها ما رآه فيها… في كاترينا.

كاترينا التي اختفت لسنوات. هربت. هكذا فهم الأمر. هربت…لأنه تجاهلها. قال لنفسه يومًا:

"جيّد، ستنسى. وستُنسى." لكنه كذب على نفسه.

هي لم تكن ذكرى. كانت شبحًا يُطارده في المرآة.

كانت صوتًا في رأسه، يصرخ كلما ضمّ امرأة لا تشبهها.

وحين رآها مجدداً… كل شيء انفجر من جديد.

ليست هي فقط من كبرت. هو أيضًا تغير… لكنه لم يشفى.

نهض واقفًا.

اقترب من النافذة، يده على الزجاج البارد، أنفاسه تخطّ ضبابًا عليه. حدّق في الليل وكأنه يبحث فيه عن إجابة.

تمتم بصوت خافت… خشِن، بالكاد خرج من حنجرته:

"لو كنت أملك قلبًا… لقلت إنكِ سكنتِه منذ زمن."

ثم أغمض عينيه.

"لكنّي لا أملك إلا ذئبًا… وهذا الذئب… يريدكِ."

فتح عينيه مجددًا، وتلك الابتسامة العنيفة ارتسمت على شفتيه. ابتسامة رجل قرر شيئًا.

قرار لن يتراجع عنه.

*.                   *.                    *.                   *.     

أشعة الشمس انسابت بخجل من بين الستائر الثقيلة، تلون الأرضية الخشبية بلون ذهبي باهت.

الساعة تشير إلى التاسعة والنصف صباحًا.

كاترينا كانت مستيقظة منذ أكثر من ساعتين.

لكنها لم تنهض.

ظلت في فراشها، ممددة على جانبها، ذراعها تحت الوسادة، وعيناها مفتوحتان… تحدقان في لا شيء.

صوت هادئ انبعث من جانب السرير:

"صباح الخير، آنسة كاترينا."

كان صوت ميري، الخادمة التي اعتادت إحضار الإفطار إلى غرفتها.

لم تجب كاترينا على الفور، فقط حرّكت رأسها قليلًا، ثم جلست ببطء، كأن جسدها أثقل من العادة.

"ضعيه على الطاولة، ميري… وسأبدّل ملابسي بعد قليل."

قالتها بصوت منخفض، لا ناعم ولا متعب… فقط محايد، كأن لا شيء حدث.

لكن في داخلها، كانت الحرب لا تزال مشتعلة.

ما فعله ديمتري ليلة أمس لم يكن عابرًا.

لم يكن "نزوة" أو لحظة ضعف. كان قرارًا… قرارًا خطيرًا.

كيف سمح لنفسه أن يلمسها؟ أن يُقبّلها؟ أمام العيون، في قلب الحديقة، وعلى مرمى نظرات عائلتها؟

الأمر خرج عن السيطرة.الخطوط الحمراء تكسّرت تحت أقدامه الثقيلة، دون أن يتردد.

أغمضت عينيها للحظة، وتنفست بعمق.

نعم، سوف تُواجه.  مهما كانت العاصفة القادمة، لن تنكسر.

فتحت خزانة الملابس ببطء، اختارت سروالًا كلاسيكيًا بلون الفحم، وقميصًا أبيض بأزرار دقيقة.

شعرها رفعت نصفه للأعلى، وتركته ينسدل بنعومة على كتفيها.

حين نظرت إلى المرآة، رأت امرأة تعرفها جيدًا… امرأة تتظاهر بالقوة، وتُخفي الزلزال تحت عظامها.

نزعت نظرتها عنها. ثم خرجت.

Lanjutkan membaca buku ini secara gratis
Pindai kode untuk mengunduh Aplikasi

Bab terbaru

  • بين أنياب البراتفا   12

    لم تكن كاترينا تعرف كيف مضى الوقت داخل السيارة، لكنها كانت تدرك تمامًا أنها لم تُغمض عينيها للحظة.جلست بصمت إلى جواره، في المقعد الخلفي للسيارة السوداء الثقيلة، بينما كان ديمتري يجلس بجانبها، ساكنًا كصخر الجبال الروسية… متجهّم الملامح، يُحدّق في الطريق المظلم أمامهم كأنه يسير نحو ساحة معركة، لا منزل.كان الليل الروسي قد انغمس في برودته القارسة، والضباب يزحف على أطراف الزجاج، يُرسم عليه أنفاسها الخافتة كلما زفرت بلا وعي.الثلج بدأ يهبط من السماء كأن الشتاء قرر الاحتفال بزفافها أيضًا… أو ربما عزاءه.أطراف أصابعها متجمدة داخل قفازها، رغم أن التدفئة تعمل. لكن البرد لم يكن يأتي من الخارج فقط.بردٌ آخر كان يحتل صدرها… برد الرهبة واللا يقين.ألقت نظرة جانبية نحوه.لم يتحرك منذ لحظة خروجهم.وجهه مشدود، حاجباه منعقدان، ونظراته لا تغادر الطريق، كما لو أنه يُعد نفسه لشيء قادم… أو يُخفي شيئًا لا تودّ أن تعرفه."هل أنتِ بخير؟"قالها بصوته العميق، فجأة، دون أن يلتفت.ترددت. لم تكن تتوقع السؤال، ولا تملك له إجابة حقيقية.لكنها تمتمت بصوت منخفض:"أشعر بالبرد قليلاً."كان ذلك كذبًا جزئيًا. كانت تشعر

  • بين أنياب البراتفا   11

    كانت الشمس قد ارتفعت، لكنها بدت بعيدة... باهتة... كأنها تنظر للبيت من بعيد، ولا تجرؤ على الاقتراب.داخل جناحها، جلست كاترينا على طرف الأريكة المخملية، بملابس النوم البيضاء التي اختارتها لها والدتها خصيصًا لهذه المناسبة.شعرها المربوط بخفة كان ما زال ناعمًا من تأثير الحمام الدافئ،ورأسها... مليء بالضجيج.خائفة؟ نعم.متوترة؟ نعم.لكنها لم تكن جبانة. لم تكن لتتراجع الآن.منذ الفجر وهي مستيقظة... تنظر إلى السقف، تحاول التنفس.تُقنع نفسها أن الأمر مجرد حفل... مجرد مراسم.لكن عقلها لا يتوقف عن تكرار الحقيقة الوحيدة:"اليوم... ستصبحين زوجته."لم تكن تعرف ما إذا كان ذلك مطمئنًا أم مفزعًا.طرقات خفيفة على الباب قطعت أفكارها، ثم دخلت والدتها، بابتسامة متوترة."صباح الخير، حبيبتي... هل نمتِ قليلًا؟""لم أستطع."أجابت كاترينا بصوت خافت، وهي تشيح بعينيها.اقتربت الأم، جلست بجانبها، أخذت يدها بين يديها الدافئتين."أعرف أن قلبكِ ليس مطمئنًا... لكن كل شيء سيكون بخير. ديمتري... رجل صعب، نعم، لكن لا أحد يستطيع حمايتكِ مثله."لم تجب. لم تستطع.دخلت زويا بعدها مباشرة، بابتسامة متحمّسة، وهي تحمل صندوقًا ك

  • بين أنياب البراتفا   10

    استفاقت على شعور ثقيل، كأن رأسها محشوّ بالرصاص.أجفانها ترفض الانفتاح بالكامل، وجسدها مُلقى على السرير كما لو أنه أُسقط عليه دون إرادتها.ضغطت أناملها على جانب جبينها… ألم. ألم نابض خلف عينيها مباشرة. ذلك النوع من الألم الذي لا يُخففه ضوء… بل يزيده."ما الذي…؟"تمتمت بصوت خافت بالكاد خرج منها.حاولت تذكر كيف وصلت إلى هنا… منزل صوفي؟ النبيذ؟ ضحكات متقطعة؟ وبعد ذلك .... صوت.صوت ثقيل، مألوف… نظرة حادة، يد قوية… ديمتري؟شهقت بصمت. نعم… لقد جاء.جلست ببطء على السرير، تغطّي نفسها بالبطانية البيضاء، والواقع يتسلّل إليها كالماء البارد.لقد نامت على أريكة بيت صوفي، مخمورة بالكاد تعرف اسمها،واستيقظت هنا… في سريرها. في قصر آل رومانوف."لقد أخذني…!"همست بالكلمات وكأنها اعتراف، أو فضيحة.لقد حملها ديمتري إلى هنا.دفنت وجهها بين راحتيها، الشعور بالحرج والخوف والارتباك اجتاحها دفعة واحدة.كأن كل شيء خرج عن السيطرة…بل هو خرج فعلًا.أزاحت البطانية عن جسدها ببطء، وقفت أمام المرآة الكبيرة.وجهها شاحب، عيناها متورمتان قليلًا من قلة النوم، وشعرها فوضوي.لكن الأسوأ من كل ذلك… هو ذلك الشعور العالق في صدر

  • بين أنياب البراتفا   9

    ظلّت واقفة، لم تتحرّك.الهواء حولها كان كثيفًا… كأنّ الأوكسجين ذاته صار عبئًا على رئتيها. عيناها عالقتان على الباب الذي خرج منه… وكأنهما تتوسّلان إليه أن يعود… أو لعلّهما تتوسّلان ألا يفعل أبدًا.الزفاف… بعد أسبوعين.كرّرت الكلمة داخل عقلها، صوت ديمتري لا يزال يرنّ في أذنيها كصفعةٍ لم تتعافَ منها بعد.أسبوعان.أسبوعان فقط، وتُصبح… زوجته."زوجة ديمتري آل مالكوف…؟"همست بها كأنها تتذوّق السمّ بلسانها.مشاعرها ممزّقة، قلبها يدقّ بقوة، ببطء، ثم بسرعة.ضياع. ارتباك. خوف. وغضب خام.لقد قرر عنها. أعلن الأمر. ولم يترك لها مساحة للرفض، ولا حتى للاختيار. أعلنها أمامها، كأنها مُلكٌ له… كأنها صفقة حُسمت."أناني... وقاسٍ... ومخيف."همست وهي تغمض عينيها.لكنها حين فتحتها، كانت الدموع قد تراكمت… على حدود لا يجب أن تتجاوزها.لم تسمح لها بالسقوط. ليس الآن. ليس بسببه.كيف يمكن لرجل أن يُشعل حريقًا في قلبها، ويتركها تحترق وحدها؟ كيف تكرهه الآن… بينما قلبها لا يزال ينبض به؟ كيف تخاف منه… بينما جزء منها لا يريد لأحدٍ سواه أن يلمسها؟جلست على الأريكة خلفها، يداها في حجرها، وصدرها يعلو ويهبط.هل كان هذا حبً

  • بين أنياب البراتفا   9

    استيقظت قبل أن يوقظها أحد.أو لعلها لم تنم حقًا.مجرد ساعتين من نوم متقطع… كانت كافية لتشعر أن جسدها لم يغادر عبء اليوم السابق، بل حمله معه إلى هذا الصباح.جلست على طرف سريرها، أقدامها الحافيتان لامستا الأرضية الباردة، ويداها تغطّيان وجهها للحظة… ثم سحبتهما بتنهيدة ثقيلة.كأن الهواء داخل الغرفة ثقيل، خانق، مشبّع بشيء لا يُرى… لكنه يُشعر.مشطت شعرها بأصابعها ببطء، دون أن تنظر إلى المرآة.لم تكن تملك الطاقة الكافية لتواجه حتى انعكاسها.نهضت ببطء. خطواتها إلى الحمام كسولة، مترددة، كأنها تخشى أن يختبئ خلف كل زاوية… خبر سيء.غسلت وجهها بماء بارد، أكثر برودة مما توقعت، أرادت أن توقظ شيئًا في داخلها… شجاعة ربما، أو حدة تركيز فقدتها.بينما كانت تجفف وجهها بالمنشفة القطنية البيضاء، حدقت في المرآة أخيرًا.عيناها زرقاوان… لكن لم يكن فيهما أي بريق.تلك لم تكن عينا فتاة نامت على يقين، بل عينا امرأة تنتظر مصيرًا لا تدري من أي باب سيقتحمها.ارتدت رداءً منزليًا حريريًا، وشدت خصره بشريطه الساتر.ثم وقفت للحظة أمام نافذتها، تراقب الحديقة التي كانت مغطاة بندى الصباح. كل شيء بدا طبيعيًا… كاذبًا.حتى الطي

  • بين أنياب البراتفا   8

    الساعة تشير إلى العاشرة صباحًا.الجدران سميكة، النوافذ مغلقة، والحرس خارج القاعة أكثر من المعتاد.المائدة الطويلة كانت ممتدة في المنتصف، من خشب داكن يشبه الظلال التي تسكن المكان.على يمين الطاولة جلس ميخائيل مالكوف، الزعيم، وذراعه اليمنى ديمتري إلى جواره.هادئ، صامت، لكن نظرته تُذيب الحديد.على الجهة المقابلة، جلس فياتشيسلاف وابنه إلياس، الجمر المتقد في أعينهما يكشف عن غضب لا يهدأ.وفي مقدمة الطاولة، جلس أندريه رومانوف... رأس العائلة، وعيناه ثابتتان على الجميع، بينما جلس ابنه أدريان إلى جواره، كتفاه مشدودتان، كأن انفجارًا سيقع.الصمت ساد للحظات.حتى قال أندريه بصوت خافت، لكنه قاطع:"فلنبدأ."تنحنح أحد رجال البراتفا، رجل نحيل يرتدي الأسود:"الهجوم الذي نُفّذ على رجال البراتفا أمس، وعلى شحناتهم، لم يكن خفيفًا. كان واضحًا ومقصودًا. والفاعل معروف."رمق ديمتري إلياس بنظرة واحدة فقط.لا تهديد، لا غضب، فقط... نظرة.إلياس ضغط على كفيه، ثم قال:"لقد تصرّف قبل أن تُحسم الأمور. قبل أن أُمنح أي احترام كخطيب رسمي. ما فعله كان إعلان حرب، أنا فقط رددت عليه."أدريان رفع حاجبه:"رددت؟ أنت هاجمت شحنات

Bab Lainnya
Jelajahi dan baca novel bagus secara gratis
Akses gratis ke berbagai novel bagus di aplikasi GoodNovel. Unduh buku yang kamu suka dan baca di mana saja & kapan saja.
Baca buku gratis di Aplikasi
Pindai kode untuk membaca di Aplikasi
DMCA.com Protection Status