로그인
الفصل الأول
"أنتِ ترتكبين أكبر خطأ في حياتك. هل تعتقدين أنه بعد زواجك ستستطيعين نسيان ما بيننا؟“ كانت تلك آخر جملة قالها مالك قبل أن يغلق الهاتف… ومنذ ذلك الوقت… لم يتوقف صوته عن مطاردتها. وقفت لوليتا أمام واجهات محلات الزفاف اللامعة، تحدق بالفستان الأبيض المعروض خلف الزجاج وانعكاس وجهها الشاحب كأنه يسخر منها: ”هكذا يبدو وجه من تُباع.“ قبل سنوات، كانت تحلم بهذا اليوم. كانت تتخيل نفسها تضحك بينما يختار مالك معها فستانها، يختلفان على التفاصيل الصغيرة، ثم ينتهي بهما الأمر وهما يتعانقان ويضحكان كطفلين. كما كانا يفعلان دائماً. ولكن الآن… ها هي تقف هنا لتختار ثوب زفاف لترتديه من أجل رجل تكرهه. رجلاً اشترت عائلته مستقبلها بديون والدها. ”هيا يا لولا، ادخلي على الأقل وشاهدي المجموعة الجديدة،" قالت والدتها بحماس وهي تسحبها من ذراعها. وأضافت سوزان ضاحكة: "لو كنت مكانكِ لدخلت ركضاً، أنتِ ستتزوجين من رائف الأغا نفسه.“ رائف الأغا. رجل تتمناه كل عائلة لإبنتها. رجل يملك من النفوذ ما يجعل الناس تخفض أصواتها عندما يمر. فاسمه وحده يرسل الهيبة في النفس. ولكن بالنسبة للوليتا فهو أسوأ كابوس. رغم أنها لم تقابله سوى مرات قليلة… إلا أن شيئاً فيه كان يخنقها دائماً. طريقة نظرته إليها. هدوءه المستفز، وكأن العالم خُلق ليطيعه. أما هي… فلم تكن ترى فيه سوى السجن الذي سرقها من أحلامها الوردية مع مالك. شعرت بحرقة خلف عينيها عندما تذكرت مكالمتها الأخيرة مع مالك قبل أيام. ”أرجوكِ لا توافقي،" قالها بصوت مبحوح كأنه يختنق. كانت تسمع أنفاسه المتقطعة عبر الهاتف، وتشعر بقلبها يتمزق معها. ”دعينا نهرب. نتزوج… ثم نعود. وقتها لن يستطيع أحد أن يفرقنا.“ حتى الآن ما زالت تتذكر كيف ارتجفت يدها وهي تمسك الهاتف. أبي مدين لهم يا مالك،" همست باختناق. "إذا رفضت… سيدمرونه." ساد الصمت للحظة. ثم جاءها صوته محطماً بطريقة جعلت الدموع تحرق عينيها. ”لا أستطيع تخيل رجل آخر يلمسك.“ ”سيفعل معكِ كل ما حلمت أن أفعله أنا،“ قال بانكسار. ومن شدة ضعفها وتأثرها… قامت بتسجيل المكالمة، حتى تعود إليها عندما يقتلها الاشتياق. لأنها تعرف أن هذه كانت النهاية. حبست شهقاتها وتمتمت: "أعدك أنني لن أحبه، ستبقى أنت من يسكن قلبي حتى المشيب." ”لوليتا؟“ انتفضت على صوت والدتها. ”أين ذهب عقلك؟ هيا أخبريني ما رأيك في هذا الثوب؟“ رفعت سوزان فستاناً أبيض ضيقاً وقالت بحماس: ”إنه مذهل! سيجعلكِ فاتنة جداً. وأراهن أن رائف سيفقد عقله عندما يراكِ به.“ كانت سوزان تنصحها منذ اليوم الأول بأن تتخلى عن حبها الطفولي لمالك وتتزوج من هذا الزوج الغني. تجمدت ملامح لوليتا. للحظة، تخيلت يد رائف على جسدها… ثم تذكرت صوت مالك وهو يقول: ”لا أستطيع تخيل رجل آخر يلمسك.“ شعرت بالغثيان. ”مكشوف أكثر من اللازم،“ قالت ببرود وهي تبعد الفستان عنها. تنهدت سوزان بيأس بعد أن تبادلت النظرات هي ووالدة لوليتا. كان هذا الفستان العشرين الذي ترفضه لوليتا خلال أيام قليلة. وفي كل مرة، كانت تبدو وكأنها تعاقب الجميع فقط لأنها عاجزة عن معاقبة القدر. اتجهت لوليتا نحو قسم آخر من الفساتين، محاولة الهروب من نظرات والدتها المتعبة. قطع سيرها نحو الأمام وصول صوت إشعار رسالة إلى هاتفها. "تنق.“ أخرجت هاتفها بسرعة. [أنا في الشارع الخلفي. أرجوكِ تعالي. أريد أن أراكِ ولو لدقائق.] تجمدت أنفاسها. مالك. حملقت للحظة في شاشة الهاتف بارتباك. ما الذي يفعله هنا؟ ولماذا الآن؟ ”لِمَ لا تجربينه على الأقل؟" سألت سوزان بضجر. وضعت لوليتا يدها على جبينها فجأة وقالت بتمثيل درامي: ”يا إلهي… نسيت.“ اقتربت والدتها فوراً بقلق. ”ماذا نسيتِ؟“ "ماما، في الحقيقة إنه ثوب الزفاف رائع. احجزي لنا يوم لاجربه،“ قالت وهي تتوجه نحو الباب. ”هناك… شيء يجب أن استلمه من المحل آخر الشارع. سأعود بسرعة.“ ”ماذا؟ أي محل ولماذا؟“ ضيقت والدتها عينيها بشك وهي تتبعها بخطوات سريعة تحاول مجارات خطوات ابنتها. ابتسمت لوليتا بتوتر. ”ثوب نوم… كنت قد طلبته مسبقاً.“ تبادلت والدتها وسوزان النظرات بذهول. ”ثوب نوم؟" كررت سوزان بعدم تصديق. لكن لوليتا لم تمنحهما فرصة للتحقيق أكثر. خرجت بسرعة قبل أن تصر إحداهما على مرافقتها. كانت خطواتها متسارعة، وقلبها ينبض بعنف. لم تنتبه للسيارة الرياضية السوداء التي توقفت قرب الرصيف. ولا للرجل الجالس خلف المقود وهو يراقبها بنظرات باردة قاتمة. عندما رفعت عينيها نحوه للحظة… شعرت بانقباض غريب داخل صدرها. لكن السيارة تحركت فجأة واختفت. هزت رأسها وأكملت طريقها حتى دخلت إلى شارع ضيق. ثم فجأة… التفت ذراعان حول خصرها من الخلف. شهقت بفزع واستدارت بسرعة. #### ”اهدئي… أنا فقط،" قال مالك بابتسامة متعبة. دفعت صدره فوراً وهي تنظر حولها بخوف. ”هل جننت؟ قد يرانا أحد.“ اختفت ابتسامته تدريجياً. ”تخافين أن يرانا خطيبكِ؟“ ”لا تقل كلاماً سخيفاً، أنت تعرف أبي جيداً.“ راقبها مالك لثوانٍ طويلة بابتسامة حزينة. أمسك يدها فجأة وسحبها خلفه. ”تعالي. قريبتي تملك هذا المحل. سنتحدث في الداخل.“ دخلت معه إلى متجر الملابس النسائية، بينما كان قلبها يخفق بتوتر. توجه مالك للحديث مع قريبته، أما هي فبدأت تتجول بعشوائية بين الرفوف. ثم وقعت عيناها على قميص نوم حريري ناعم. توقفت للحظة. لو كانت ستتزوج مالك… لأخذته دون تردد. ”أعجبكِ؟“ رفعت رأسها لتجد البائعة تبتسم لها بحماس. كادت ترفض فوراً… لكنها لمحَت مالك يقترب. فشعرت بالاختناق. لا تريد أن يراها تختار شيئاً كهذا لرجل آخر. هزت رأسها بسرعة وهي تنوي الرفض، لكن البائعة فهمت الإشارة بالعكس. ”اختيار رائع يا آنستي.“ وأخذت القميص مباشرة نحو المحاسبة. ”لا، انتظري…“ لكن الأوان كان قد فات. في اللحظة نفسها، عاد مالك إليها. ”تعالي،" قال وهو يفتح باب الغرفة الخلفية. دخلت خلفه بسرعة وأغلقت الباب. جلست على الكرسي وهي تعقد يديها بتوتر. "لا أستطيع البقاء طويلاً." ظل واقفاً أمامها للحظات. ينظر إليها بطريقة جعلتها عاجزة عن رفع عينيها نحوه. ثم سأل بهدوء قاتل: "هل اخترتِ فستان زفافكِ؟" ارتجفت أنفاسها. لم يكن السؤال مؤلماً… بل الطريقة التي قاله بها. وكأنه يحاول أن يتخيلها عروساً لرجل آخر رغم أن ذلك يدمره. أدمعت عيونها وهي تدرك قسوة موقفه، وقسوة كل ما يمكن أن تنطق به ويجرح هذا القلب الذي أحبها. "لا يهمني أي شيء يخص هذا الزفاف." اقترب منها خطوة. "إذن اهربي معي." رفعت رأسها نحوه بصدمة. لكن مالك أمسك كتفيها بقوة هذه المرة. "أرجوكِ يا لوليتا، وافقي فقط." كان صوته مكسوراً، يائساً وخطيراً. "أنا لا أستطيع مشاهدة رجل آخر يأخذكِ مني. هذا يقتلني." ثم فجأة… قبلها. أطبق شفتيه على شفتيها. تجمدت لوليتا للحظة من الصدمة. هذه أول مرة يفعلها. ورغم عمق حبها له، لكن شيئاً داخلها رفض. رفض شعورها وكأنه يحاول سرقتها من مصيرها بالقوة. دفعته بعنف. "مالك!" ثم فتحت الباب بسرعة وخرجت. كانت ترتعش من شدة الغضب. أنفاسها مضطربة، وعيناها مشوشتيْن… لحق بها مالك مسرعاً وهو يلعن غبائه وعدم سيطرته على نفسه. إلا إنه وقف فجأة يراقب من الزاوية. تجمدت لوليتا فجأة في منتصف صالة المحل. رائف الأغا كان يقف أمامها. بهيبته الطويلة وبدلته السوداء ونظرته الثقيلة… بدا وكأن المكان كله أصبح أصغر بمجرد دخوله. وخلفه وقف رجلان بملامح جامدة. شعرت معدتها بالانقباض. هل رأى شيئاً؟ هل تبعها؟ رفع رائف إحدى حاجبيه ببطء وهو ينظر إليها. لم يتحدث… لكنه لم يكن بحاجة للكلمات. ذلك النوع من الرجال الذي يفرض حضوره بصمته أكثر من صوته. ابتلعت ريقها وسارت نحوه بخطوات مرتبكة، لكن كعبها انزلق فجأة. شهقت وسقطت أرضاً أمامه مباشرة. "رائع…" همست داخلها بخزي. انحنت بسرعة تجمع أغراضها، لكنها توقفت عندما رأت رائف ينزل على ركبته أمامها دون تردد. بدأ يجمع الأشياء معها بهدوء. وعندما اقترب… وصلها عطره. رائحة باردة، رجولية، خطيرة. رفعت نظرها نحوه للحظة تتسائل إن شاهدها برفقة مالك، فتجمد الهواء داخل صدرها. عيناه الداكنتان كانتا ثابتتين عليها بطريقة أربكتها أكثر. وكأنه لا ينظر إلى وجهها… بل يقرأ أفكارها. وقفت بسرعة وهي تحاول استعادة رباطة جأشها. قال رائف بهدوء: "هل انتهيتِ من الهروب؟" اتسعت عيناها. "ماذا؟" استقام أمامها بالكامل. "منذ أسبوع، وأنتِ ترفضين كل فستان زفاف." ثم أضاف وهو ينظر داخل عينيها مباشرة: "لو كنتِ تكرهين الزواج مني إلى هذا الحد… كان يمكنكِ إخباري." كانت تعلم التهديد المبطن وراء كلماته. فكلاهما يعلم جيدا أنها لم تكن تملك خيار الرفض. هل يحاول إذلالها؟ اختنقت أنفاسها. لأول مرة… شعرت أن خلف بروده شيئاً آخر. شيئاً أكثر ظلمة، وأكثر خطورة. خفضت عينيها بسرعة. "هل يمكننا ألا نتحدث هنا؟" راقبها للحظات طويلة. ثم رفع ذقنها بإصبعه ببطء شديد. تصلبت مكانها. اقترب قليلاً وهمس بصوت منخفض أربك قلبها: "أنتِ ترتجفين… أنا لا آكل البشر بالمناسبة." كرهت الطريقة التي تسارع بها نبضها. وكرهت أكثر أنها لم تستطع إبعاده. "سنذهب لتناول القهوة،" قالها أخيراً بصيغة لا تقبل الرفض. ثم أمسك يدها ووضعها على ذراعه. ألقت لوليتا نظرة أخيرة نحو الخلف، نحو الفرقة التي غادرتها منذ دقائق. ولكن لم ترى شيء. بالرغم من أن مالك كان يراقبهما والغضب يكاد يقفز من عينيه المحمرة. في اللحظة التي وصلا فيها إلى الباب… سمعا صوت البائعة. "آنستي! لقد نسيتِ هذا." كانت البائعة تحمل حقيبة المتجر. الحقيبة التي تحتوي على قميص النوم. يا إلهي. أخذتها بسرعة وهي تتمنى لو تنشق الأرض وتبتلعها. لكن المصيبة الحقيقية… أن رائف كان ينظر للحقيبة، ثم إليها. ثم عاد بنظره إلى الحقيبة مرة أخرى. ببطء مخيف. انقبض فكّه للحظة قصيرة جداً. قصيرة لدرجة أن أي شخص آخر ربما لن يلاحظها. ولسبب لم تفهمه… ارتفع التوتر داخل صدرها. دفعت ثمن الحقيبة بسرعة، لكن رائف سبقها. أخرج بطاقته السوداء ووضعها أمام المحاسبة دون حتى أن ينظر للسعر. "لا داعي…" بدأت تقول. لكنه قاطعها بهدوء: "ستعتادين على الأمر قريباً." تجمدت. كانت الجملة بسيطة… لكنها كانت تعلم أكثر من أن تقع ضحية هذا اللطف المزيف. قهوة رجل استغلالي استغل حاجة والدها وضعفه ليشتريها. إنها تعلم تماما ما تحت هذه القشرة الخارجية. وهي تكره ما تحتها بكل ما تملك. ابتسمت البائعة بلطف وهي تسلمها الحقيبة. "أتمنى أن يحبها زوجكِ." توهج وجه لوليتا ولعنت داخل قلبها… ولكن قلبها توقف في الثانية التالية عندما شاهدت مالك.وصلت الرسالة من الرقم المجهول الذي يبتزّها، فتجمّد الدم في عروق لولا للحظة، وجفّ حلقها حتى شعرت بأنها عاجزة عن ابتلاع أنفاسها. في تلك الثواني تحديدًا، تمنت لو تستطيع أن ترتمي بين ذراعي رائف وتبكي… أن تخبره بكل شيء، بكل خوفها، بكل ارتجافها، بكل ذلك الثقل الذي يسحق صدرها منذ أيام. كانت تحتاج للحماية… للدعم… لشخص يقف أمام هذا الكابوس بدلًا عنها.لكنها كانت تعلم أيضًا أن رائف ليس ذلك الرجل الذي يمنح الطمأنينة بسهولة، وليس الرجل الذي يمكنها أن تركض إليه وتعترف له بكل ضعفها دون أن تخشى العواقب.رفعت عينيها نحوه وقالت بتنهيدة مثقلة،"هل ستؤمن لي المبلغ؟ يمكنك أن تخصمه مستقبلًا من المبالغ التي ستعطيني إياها."تفاجأت عندما ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة.لم تكن ساخرة، ولا باردة، ولا تلك الابتسامة القاسية التي اعتادت رؤيتها منه في اللحظات النادرة التي يبتسم فيها.بل كانت… متعاطفة.لاحظ توترها، ارتجاف أصابعها، والطريقة التي كانت تحاول بها التماسك رغم كل شيء، وشعر لأول مرة منذ أيام بشيء يشبه الشفقة تجاهها.أعجبه حرصها على والدتها، ومحاولتها مساعدتها رغم ارتباكها الواضح.ولم تنتظر لولا أكثر من ذلك
"أأ… أأمم… هل يمكننا التحدث في الداخل؟"تلعثمت لولا فور أن ظهر أمامها فجأة، وكأن وجوده وحده كفيل ببعثرة كل الكلمات التي كانت تحفظها طوال الطريق إلى مكتبه.لم يجبها رائف مباشرة.بقي واقفًا يحدق بها بصمت، بعينيه الباردتين اللتين أصبحتا مؤخرًا أكثر قسوة كلما نظر إليها، ثم ابتعد قليلًا عن الباب تاركًا لها مساحة ضيقة لتعبر من أمامه.وقفت لثانية تنظر إلى تلك المسافة الصغيرة بينه وبين الباب، وشعرت وكأنها ستضطر لعبور حاجز أخطر بكثير من مجرد ممر ضيق.رفعت رأسها أخيرًا وأجبرت نفسها على التقدم.وما إن مرت بجانبه حتى غمرت أنفها رائحة عطره القوية، تلك الرائحة التي كلما اقتربت منها أرسلت قشعريرة خفية عبر عروقها وأربكت ثباتها بالكامل.شدّت أصابعها على بعضها تحاول التماسك ثم وقفت في منتصف المكتب.أما هو، فلم يقل لها حتى "اجلسي".اكتفى بالنظر إليها ببرود ولا مبالاة قبل أن يتجه نحو مكتبه بخطوات هادئة ويجلس خلفه وكأنه يستعد لاجتماع عمل رسمي لا لحديث بين زوجين.فبعد قراءته لملف مالك، أدرك أخيرًا حقيقة الشعور الذي كان ينهشه طوال الأيام الماضية.الغيرة.وذلك كان آخر شيء يسمح لنفسه بالشعور به.لذلك قرر أن ي
رفع ريان يديه باستسلام ثم قال بصوت يملؤه المرح والمكر المعتاد الذي لا يفارقه:"اهدأ يا رجل! أنا ذاهب إلى النادي، هناك حفلة عيد ميلاد روزي، ومن المؤكد أنها تنتظر حضور أحدنا… لذا سأذهب أنا، رغم أنني متأكد تمامًا أنني لست الشخص الذي كانت تتمنى أن ترقص معه الليلة!"قال جملته الأخيرة وهو يغمز بمشاكسة قبل أن ينسحب سريعًا من الغرفة، مدركًا أن بقاءه أكثر قد يدفع رائف لقذفه بأي شيء يقع تحت يده.ابتسم ريان لنفسه وهو يغادر.لقد حقق ما أراده على الأقل… حتى وإن لم يتوقف هذان العنيدان عن استفزاز بعضهما البعض، فسيضطران الآن للتحدث.كان يعلم جيدًا أن رائف يهتم بلولا أكثر مما يحاول إظهاره، كما أنها هي الأخرى لم تعد غير مبالية تجاهه كما تدّعي دائمًا، لكن كبرياء كلٍّ منهما وعناده كانا يوسّعان المسافة بينهما أكثر فأكثر، حتى أصبحت تلك المسافة مؤلمة لكليهما دون اعتراف.ساد الصمت بعد خروج ريان.جلس رائف أمام لولا وهو يضمّد جرح إصبعها بعناية شديدة، بينما بقيت هي تحدق إليه بصمت.ورغم أن الجرح كان عميقًا نسبيًا، إلا أنها لم تعد تشعر بألمه… وكأن الألم الحقيقي بدأ يتشكل في مكان آخر داخلها.في قلبها ربما.ذلك الش
"عدتِ متأخرة؟"انتفضت لولا في مكانها عندما انطلق الصوت من خلفها فجأة بينما كانت غارقة بالكامل في أفكارها، حتى كادت حقيبتها تسقط من يدها من شدة الفزع.وضعت يدها فوق صدرها وهي تستدير نحوه بسرعة،"لقد أفزعتني!"رفع رائف حاجبًا واحدًا وقال ببرود ممزوج بسخرية خفيفة،"لماذا؟ هل قلت شيئًا مخيفًا؟"التقطت لولا تلك السخرية المختبئة في نبرته فورًا، وأدركت في اللحظة نفسها أنه لا يزال يعاقبها بطريقته الخاصة.هل تملك حتى حق التساؤل عمّا يعاقبها؟سخرت من نفسها داخليًا.بالطبع هي تعلم.هو يعلم أنها كذبت عليه.لم يواجهها مباشرة، لم يسألها، لم يفتح الموضوع حتى… لكن منذ تلك الليلة تغيّر كل شيء.أصبح يعاملها ببرود جاف، بطريقة رسمية قاسية تختلف تمامًا عن أسلوبه السابق معها في بداية الزواج، وذلك التغيير ولّد داخلها شعورًا خانقًا بعدم الارتياح.'إذا كانت هذه ردة فعله بسبب مجرد اتصال… فكيف ستكون ردة فعله إن أخبرته بالحقيقة كاملة؟''ماذا لو عرف بأمر الفيديو؟… بلقائي مع مالك ليلة زفافنا؟'أغلقت عينيها لثانية وهي تشعر بالاختناق.'يا إلهي… لا أستطيع حتى تخيل ما قد يحدث.'أجبرت نفسها على التماسك، ثم رسمت ابتسامة
ثم رفعت سوزان بصرها نحو لولا عندما لم تتلقَّ أي إجابة منها، وقالت وهي تعقد حاجبيها باستغراب،"لماذا كان هاتفك مشغولًا طوال هذا الوقت؟ لقد حاولت الاتصال بكِ مرارًا! مع من كنتِ تتحدثين؟… هل كنتِ تتحدثين مع رائف؟"أنهت جملتها الأخيرة بلمعة حماس وسعادة ارتسمت في عينيها، لكنها اختفت سريعًا فور أن انتبهت للشحوب الذي غطّى وجه صديقتها.تبدلت ملامحها فورًا وهي تسأل بقلق حقيقي،"لولا… ما الأمر؟"تنهدت لولا بعمق، وكأن الهواء نفسه صار ثقيلاً داخل صدرها، ثم قالت بصوت مكسور اختلط فيه الحزن بالإنهاك واليأس،"لا أعلم لماذا المصائب تلاحقني بهذا الشكل… أريد فقط أن أعيش بسلام."اتسعت عينا سوزان بقلق أكبر وهي تقترب منها فورًا،"ماذا؟ هل انكشف أمر اتصال مالك بك؟ هل تسبب لكِ بمشكلة مع رائف؟ أقسم إن كان الأمر كذلك فسأقتل ذلك المعتوه بيديّ هاتين!"لكن لولا بدت وكأنها لا تسمع شيئًا مما يقال حولها، كانت غارقة تمامًا داخل دوامة أفكارها المظلمة، وهمست بصوت شارد،"خسرت حب حياتي للأبد… والدي مهدد بالسجن… تزوجت رجلًا أكرهه… ومالك لا يتوقف عن ملاحقتي…"ثم رفعت عينيها نحو الفراغ أمامها وأضافت بصوت يكاد يختنق،"والآن…
الصمت… كان كل ما تلقته لولا عبر الهاتف.عقدت حاجبيها باستغراب وأبعدت الهاتف عن أذنها، تنظر إلى الشاشة لتتأكد إن المكالمة لم تنقطع.كانت لا تزال جارية. أعادت الهاتف إلى أذنها مجددًا وقالت بنفاد صبر:”مرحبًا؟ هل تسمعني؟“ثم أخيرًا… جاءها الصوت.صوت رجولي منخفض، يحمل سخرية باردة جعلت معدتها تنقبض فورًا.”هل أعجبكِ الفيديو؟“توقف قلبها لثانية.ثم أكمل الرجل بنفس النبرة المستفزة:”يمكنني إرسال مقاطع أوضح… إن أردتِ“ارتفعت حاجباها قليلًا بينما اتسعت عيناها بصدمة، قبل أن تضيق عينيها تدريجيًا وهي تضغط على أسنانها وتحاول السيطرة على غضبها:”ماذا تريد؟“كان واضحًا لها منذ أول كلمة أن المتصل لا ينوي خيرًا.هناك شيء مظلم في صوته… شيء جعل أعصابها تتشنج دون إرادة منها.أما على الطرف الآخر…فقد كان الشاب يراقبها بصمت.يجلس داخل المقهى نفسه، في الزاوية البعيدة قرب النافذة، مرتديًا سترة سوداء وقبعة تغطي جزءًا كبيرًا من ملامحه. عيناه لم تفارقاها منذ بدأت المكالمة، يدرس ارتجافة أصابعها، شحوب وجهها، والطريقة التي بدأت تضغط بها على كوب القهوة وكأنها تحاول التمسك بشيء يثبتها.لكن لولا لم تكن تدرك أنه قريب