Mag-log in(عودة إلى أول لقاء بين رائف ولوليتا.)
"هراااء!" ارتطم فنجان القهوة بالطاولة بعنف حتى انسكب جزء منه على السجاد الفاخر. تجمد الخدم في أماكنهم. أما رائف… فلم يرمش حتى. كان يجلس أمام جده بهدوئه المعتاد، ساق فوق الأخرى، وكأن الرجل الذي يصرخ أمامه ليس ميكائيل الأغا نفسه… الرجل الذي كانت ترتعد منه مجالس كاملة. على مواقع التواصل الإجتماعي، كانت الصفحات تتحدث منذ الصباح عن “فضيحة” حفيد العائلة الأرستقراطية. وصور رائف مع الراقصة الاستعراضية شوشو انتشرت كالنار. عشاء تحت ضوء الشموع. مطعم فاخر. ولا أحد معهما. وكان ذلك كافياً لتبدأ صفحات المؤثرين وأخبار المشاهير بنسج القصص. [حبيبة سرية.] [علاقة مشبوهة.] [حفيد الأغا الخارج عن السيطرة.] لكن رائف لم يهتم يوماً. فمنذ مراهقته الإشاعات تلاحقه كما لو أنها تنتظر سقوطه بفارغ الصبر. كل نجاحاته كانت تُختصر بخبر سخيف عن امرأة جديدة أو شجار أو فضيحة. وفي مرحلة ما… توقف عن الاكتراث. رفع ميكائيل عينيه الغاضبتين نحو حفيده وقال ببرود مخيف: "ألا تدرك أنك لا تمثل نفسك فقط؟" أخذ رائف رشفة هادئة من قهوته قبل أن يجيبه: "حياتي الخاصة لا تخص أحداً." ضاقت عينا الجد. ذلك الرد وحده كان كفيلاً بإشعال غضبه أكثر. "اسم السيوفي يخص الجميع!" قالها ميكائيل بحدة جعلت الهواء يتوتر. لكن رائف ظل كما هو. هادئاً بشكل مستفز. بارداً بطريقة تجعل الآخرين يشعرون أنهم هم العصبيون. "لم أفعل شيئاً يسيء للعائلة." ثم أضاف دون أن يرفع صوته: "أما من أتناول العشاء معه… فليس موضوع نقاش." كاد ميكائيل ينهض من كرسيه من شدة الغضب. هذا الشاب… نسخته حرفياً. العناد نفسه. الكبرياء نفسه. حتى تلك النظرة الباردة… كانت تشبهه عندما كان شاباً. زفر الجد ببطء محاولاً السيطرة على أعصابه. أما رائف، فقد وقف بهدوء وكأنه أنهى الاجتماع بالفعل. "سأطلب من الخدم تنظيف الفوضى." قالها واتجه نحو الباب. راقبه ميكائيل للحظات، ثم قال فجأة بصوت مختلف تماماً: "الأطباء يتوقعون أنني لن أعيش أكثر من عام." تجمدت خطوات رائف. لأول مرة منذ بداية الحديث… اختفى البرود من عينيه. استدار ببطء. "ماذا؟" لم يرد ميكائيل فوراً. بل أخذ نفساً متعباً، وكأنه رجل أنهكه المرض فعلاً. "كنت أخفي الأمر عن الجميع." شعر رائف بشيء يهبط داخل صدره بعنف. جده؟ يموت؟ ذلك الرجل الذي بدا دائماً وكأنه أقوى من الزمن نفسه؟ اقترب منه بسرعة وجثا أمام كرسيه المتحرك. "هل هذا صحيح؟" كانت تلك أول مرة يظهر فيها الذعر بوضوح على وجه رائف. وهذا وحده جعل ميكائيل يعرف أنه انتصر. ربت الجد على يد حفيده ببطء وقال بتنهيدة متعبة: "لا تنظر إليّ هكذا… أكره نظرات الشفقة." شد رائف فكه بقوة. ثم وقف واتجه نحو النافذة، واضعاً يديه في جيوبه محاولاً استعادة توازنه. "سنذهب إلى أفضل الأطباء." قالها بإصرار. "سآخذك لأي مكان في العالم." ابتسم ميكائيل بحزن متقن. "فات الأوان يا بني." ساد الصمت. صمت ثقيل بشكل خانق. ثم قال رائف أخيراً: "أخبرني ماذا عليا أن افعل، لا استطيع أن اقف مكتوف الايدي." رفع الجد عينيه إليه مباشرة. "أريد أن أرى ابنك قبل أن أموت." انعقد حاجبا رائف فوراً. وكانت تلك كافية لتعود الذكريات السوداء إلى رأسه دفعة واحدة. الزواج. الخيانة. العار. ذلك الفصل القذر من حياته الذي أقسم ألا يكرره أبداً. منذ طلاقه… أصبحت النساء مجرد علاقات مؤقتة. أجساد. أسماء ينساها سريعاً. لا حب. لا ارتباط. ولا زواج. أبداً. لكن ميكائيل لم يمنحه فرصة للهروب من أفكاره. بدأ يسعل بعنف فجأة. اتسعت عينا رائف وتحرك نحوه فوراً. "جدي…“ أمسكه ميكائيل من يده بقوة مفاجئة. "سمعت أن جاد لم يسدد ديونه." عقد رائف حاجبيه بعدم فهم. ما علاقة ذلك الآن؟ لكن الجد أكمل وهو يلهث قليلاً: "ستتزوج ابنته." ساد الصمت. حتى الهواء بدا وكأنه توقف. حدق رائف فيه غير مصدق. "ماذا؟" "الديْن سيكون مهراً لها،“ قال ميكائيل. شعر رائف بشيء مظلم يتحرك داخل صدره. زواج؟ مرة أخرى؟ نظر إلى جده مطولاً. ثم قال ببرود أخفى تحته كل اضطرابه: "وأنت تعتقد أن هذه فكرة جيدة؟" "أعتقد أنها آخر أمنية لرجل يحتضر." ضربت الجملة نقطة ضعفه مباشرة. أغمض رائف عينيه للحظة. تباً. كان يعرف تماماً ما يفعله جده. يعرف أنه يحاصره عاطفياً. ويعرف أيضاً… أنه لن يستطيع رفضه. فتح عينيه أخيراً وقال بصوت منخفض: "كما تشاء." ولأول مرة منذ بداية الحديث… ابتسم ميكائيل فعلاً. ابتسامة انتصار. ما إن خرج رائف من الغرفة حتى اندفعت سيلا إلى الداخل بسرعة. "حسناً؟" كانت عيناها تلمعان بالترقب. "قل لي إنه رفض." لكن نظرة زوجها وحدها كانت كافية. شهقت سيلا ثم وضعت يدها على فمها بصدمة: "وافق؟!" ضحك ميكائيل بخفوت وهو يستند إلى كرسيه. "أخبرتكِ… رائف قد يبدو بارداً، لكنه يضع العائلة فوق نفسه دائماً." هزت سيلا رأسها بعدم تصديق. "أشعر بالذنب قليلاً." "وأنا أيضاً." لكن ذلك لم يمنع الابتسامة الصغيرة على شفتيه. لم يضيعا الوقت. بعد أيام قليلة فقط… كانت عائلة الأغا بأكملها في منزل جاد. جلس رائف بصمت، غير مهتم بمعظم الحديث الدائر حوله. كان ما يزال غير مستوعب كيف وافق جاد بهذه السرعة على تزويج ابنته. لكن على ما يبدو… المال يجعل الناس يبتلعون الكثير من كبريائهم. أو هكذا ظن. لأن هناك أسراراً لم يكن يعرفها بعد. أسراراً ستجعله يعيد التفكير في كل شيء. رفع عينيه بملل وهو يجيب على رسائل مساعدته على هاتفه. ثم… دخلت لوليتا. وتوقف الزمن للحظة قصيرة جداً. رفع ريان حاجبه بإعجاب وصفّر بخفة: "يا رجل… إن أردت، يمكنني الزواج بدلاً منك." لكن رائف بالكاد سمعه. كان ينظر إليها فقط. شعرها الأحمر كان أول ما ضرب انتباهه. أحمر بطريقة مستفزة. جريئة. غير مناسبة أبداً لصورة “العروس المثالية” التي تخيلها. ثم عيناها. خضراوان بشكل حاد. وفيهما شيء… شيء لم يعجبه. التحدي. كانت تنظر إليه وكأنها تكرهه مسبقاً. والمشكلة؟ أنه وجد ذلك مثيراً للاهتمام أكثر مما ينبغي. مرر نظره عليها ببطء. الفستان. الساقان المكشوفتان. ملامحها الطفولية المتناقضة مع نظرتها الحادة. ثم عاد بعينيه إلى وجهها. جميلة. للأسف… جميلة جداً. رفع ريان حاجبيه بمكر هامساً: "أنت تحدق." أبعد رائف نظره عنها فوراً. المظاهر خادعة. وقد تعلم ذلك بالطريقة القاسية. جلست لوليتا بجانب والدتها بكبرياء واضح، رافعة ذقنها وكأنها ترفض أن تبدو متأثرة بنظراته. لكن المفاجأة الحقيقية جاءت من ميكائيل. "تعالي يا ابنتي." ربت على المكان بجانبه. تبادلت لوليتا النظرات مع والدها قبل أن تتحرك نحوه ببطء. وما إن جلست… حتى أمسك الجد يدها بحنان صادم للجميع. "هذه اليد لن تُترك أبداً." اتسعت عينا رائف قليلاً. حتى هو لم يعتد رؤية جده بهذه العاطفة. نظر ميكائيل نحو حفيده وأضاف: "وإذا أزعجكِ هذا الأحمق يوماً… تعالي واشتكيه لي." ضحك الجميع بخفة. ما عدا رائف. كان يراقب لوليتا فقط. يراقب ارتباكها المخفي خلف تلك النظرات العنيدة..ثم لاحظ شيئاً آخر. عيناها كانتا محمرتين. كأنها بكت قبل مجيئها. همم… مثيرة للاهتمام. قالت سيلا بلطف: "رائف، قدم نفسك للفتاة." التقت عيناهما أخيراً بشكل مباشر. وللحظة… شعر كل منهما بشيء غريب. لوليتا كانت ترى فيه الرجل الذي سيدمر حبها. أما رائف… فكان يرى مشكلة جديدة وُضعت فوق كتفيه. لكن عندما عضّت شفتها السفلية بتوتر… ثبتت عيناه هناك لثانية أطول مما ينبغي. ثم قال أخيراً بابتسامته الواثقة المستفزة: "أنا زوجكِ المستقبلي." لم تكن جملة تعارف. بل تصريحاً قاسياً، يعكس قسوة الواقع رغم تجميله. وكأنه يخبرها أن الأمر قد انتهى بالفعل. رفعت لوليتا نظرها إليه بحدة واضحة. فتدخلت سيلا بسرعة قائلة بضحكة خفيفة: "دعنا نأخذ موافقة الفتاة أولاً يا رائف." كان الجميع يعلم أن لا رأي لها لتقوله، فقد وضعت القوانين مسبقاً وأُتخِذت القرارات. أرخى ظهره إلى المقعد ونظر إلى لوليتا مجدداً. ثم ابتسم ببطء عندما رأى التحدي يلمع داخل عينيها. آه. إذن… هي مجبرة أيضاً. وللمرة الأولى منذ أسابيع… شعر رائف بشيء يشبه الفضول. وربما… المتعة. المشكلة الوحيدة؛ أنه أحب التحدي في عينيها أكثر مما ينبغي.لم تجبه لوليتا انما نظرت في عيني وشاهد الاجابه دون ان تنطق بها. وقف على الفور ومزيج من الحزن والغضب والالم يملا صدره، قال بصوت يبدو جافا، ” انا راحل يا لوليتا، ساسافر الى الخارج، انا ذاهب لكي اكمل دراستي. ربما ساظل من خمسه الى سته سنوات في الخارج، اتيت اليوم لكي اودعك “مد يده اليها فنظرت نحو كفه، ثم مدت هي يدها بالمقابل وصافحته، ثم بعدها لم يقل الا كلمه واحده، ” اعتني بنفسك من اجلي “ ورحل.راحل مالك، خرج من حياتها، شعرت بتانيب ضمير شديد. شعرت انها كانت سببا في حزنه وفي المه.رمت نفسها على الوساده واجهشت بالبكاء، لا تعلم لما تبكي، ولكنها شعرت إنها خذلته، خذلت صديق الطفولة.صديق!فكرت لوليتا وسط دموعها. ليجيب عنها قلبها ويقول، ’أجل صديق، صديق عزيز جدا ولكن ليس أكثر من ذلك، وأنت تعلمين ذلك جيدا، ربما سيجد يوما ما الحب الحقيقي في حياته‘بعد مرور يومان عادت لوليتا إلى منزل والديها ولكن دون طفلها، لقد ظل الطفل في الحضانة، فقد أخبلاتها طبيبة الأطفال أنه يحتاج بعض الوقت للبقاء في الحضانة."هل أنت مستيقظة؟" قالت جولي بعد أن دخلت إلى غرفة لوليتا التي كانت مستلقية على سريرها ومغمضة عينيها مستغر
سكنت سحابة من الحزن على وجه رائف. كان يعلم ويدرك أن الأطفال حديثي الولادة يكونون ضئيلي الحجم، ولكن عندما قارن طفله بطفلة مانيا التي حملها بين يديه قبل عدة أيام شعر بالفارق الكبير بينهما. كما شعر بتأنيب ضمير قاسٍ، فهو يؤمن بأنه السبب فيما حدث. السبب في ضعف البنية الجسدية لطفله، لأنه لم يكن موجوداً إلى جانب لولا طوال فترة الحمل. لو كان هو ولولا تحت سقف واحد خلال تلك الأشهر كلها، لربما كان طفلهما الآن بصحة أفضل وبنية جسدية أقوى."إنه طفل جميل للغاية." قالت الممرضة وهي تبتسم.فسألها رائف على الفور: "هل صحته جيدة؟ الطبيبة أخبرتني أنه بصحة جيدة، ولكنه يبدو لي نحيفاً للغاية!"ابتسمت الممرضة بلطف وقالت: "أجل، إنه نحيف نوعاً ما، ولكن صحته جيدة. بعض الأطفال يولدون ببنية جسدية أصغر قليلاً من غيرهم، ولكن هذا لا يعني وجود مشكلة. صدقني، حالته الصحية ممتازة."أطلق رائف زفرة خافتة وقال: "شكراً لك."ثم استدار دون أن يضيف كلمة أخرى وابتعد.اتجه مباشرة إلى غرفة لوليتا. أدار مقبض الباب وكان يتوقع أن يجدها نائمة، ولكن ما إن دخل حتى وجدها جالسة على السرير تتجادل مع إحدى الممرضات."ولكنني أريد رؤيته الآن،
حركت مانيا كتفه بقوة وهي تقول بلهفة: "بسرعة، بسرعة! إنها في حالة ولادة، يجب أن تأخذها إلى المستشفى حالاً!"عمت الفوضى المكان في لحظة واحدة، ووجد رائف نفسه مرتبكاً على نحو لم يختبره من قبل.قالت لولا من بين آلامها: "اتصل بماما..."لم تكن تعتقد أنها ستلد هذه الليلة. صحيح أنها كانت تشعر ببعض الآلام منذ أن بدأت تستعد للحفل، لكنها لم تتخيل ولو للحظة أن هذا اليوم سيكون يوم ولادة طفلها.حملها رائف بين ذراعيه وأسرع بها نحو السيارة، بينما لحقت بهما جيسي دون تردد.وفي الطريق إلى المستشفى، أرسل رسالة صوتية إلى جولي يخبرها فيها بما حدث.وما إن استمعت جولي إلى الرسالة وعلمت أن لولا في طريقها إلى المستشفى وأنها دخلت في حالة ولادة، حتى ركضت نحو جاد الذي كان يشاهد الأخبار على التلفاز."لولا في المستشفى... إنها تلد!"في تلك الأثناء كان رائف يسير أمام غرفة الولادة ذهاباً وإياباً بخطوات متوترة، غير قادر على الجلوس أو الثبات في مكانه، ينتظر خروج الطبيبة بأي خبر يطمئنه على لوليتا.وبعد نحو نصف ساعة بدأت العائلة تتجمع أمام غرفة الولادة. جولي وجاد، وسيلا وميكائيل، وسوزان وجيسي، وبالطبع رائف. كان التوتر بادي
"أنا سعيدة جداً بحضورك. مرحباً سيد رائف، أتمنى أن تنال الحفلة إعجابكما."كان منزل مانيا جميلاً للغاية. ورغم صغر حجمه، إلا أنه بدا دافئاً وحميمياً على نحو يبعث الراحة في النفس. كان لمانيا ثلاثة أطفال إلى جانب طفلتها الصغيرة، لذلك كان المنزل يعج بالأطفال والضحكات البريئة، وممتلئاً بالبالونات الوردية والأزهار وألعاب الصغار المنتشرة في كل زاوية.انحنى رائف قليلاً وهمس قرب أذن لولا، فاندفعت قشعريرة خفيفة على طول عمودها الفقري وهو يقول:"لا أستطيع الانتظار حتى يولد طفلنا. أنا متأكد أنه سيكون جميلاً جداً كوالدته."احمر وجه لولا على الفور، لكنها أبت أن تُظهر تأثرها بكلماته. فحولت نظرها بعيداً عنه وقالت بتماسك:"سأذهب لأرى الطفلة وأضع لها الهدية."تبعها رائف نحو سرير الطفلة الموضوع في منتصف الصالة، والمحاط بالهدايا الكثيرة من كل جانب.ابتسمت لولا وهي تنظر إلى الصغيرة النائمة وقالت بحنان:"كم تبدين جميلة جداً أيتها الصغيرة."ثم مررت يدها فوق بطنها المستديرة وهي تشعر بشوق كبير لاحتضان طفلها بين ذراعيها.كان رائف يراقب حركاتها بصمت، يقرأ ما خلف نظراتها ولمساتها دون أن يعلق بشيء. فلم يكن يملك كلما
ربتت جولي على يد ابنتها بحنان، ثم نظرت إليها بعينين ممتلئتين بالشفقة وقالت:"لا تقسي على نفسك يا بنيتي. ما حدث قد حدث، وصفحة رائف يجب أن تُطوى من حياتك. لا تظني أنني لا أعلم أنك تحبينه، فأنا أعرفك أكثر مما تتصورين. لكن في الوقت نفسه، ذلك الحاجز الذي نما بينكما سيبقى موجوداً، مهما حاولتما تجاهله.أنا لا أريد لكِ أن تعيشي حياة مليئة بالتعاسة. لا أريدكِ أن تستيقظي كل صباح وأنتِ تسترجعين ما حدث في ذلك اليوم، ثم تعودين لتلومي نفسك من جديد. لا أريد أن أراكِ أسيرة لذكرى تؤلمك كلما ظننتِ أنك تجاوزتها."تنهدت بعمق قبل أن تضيف بصوت أكثر هدوءاً:"صحيح أنكِ ستتألمين في البداية، لكن ذلك أفضل لكِ على المدى البعيد. أنا أعلم أنك تحبينه، فلا تظني أنني لا أشعر بما يدور داخلك. أنتِ ابنتي، وأعرف ما تخفينه حتى عندما لا تتكلمين.كما أنني متأكدة من أنه سيكون أباً جيداً لابنه، لكن هذا لا يعني أنه الرجل المناسب لكِ. يجب ألا يبقى بينكما سوى الطفل. صدقيني يا عزيزتي، سيأتي يوم تنظرين فيه إلى كل هذا من زاوية مختلفة، وربما تجدين الشخص الذي يمنحك السكينة التي تستحقينها."مرت سحابة من الحزن فوق وجه لولا.لم تستطع حت
"هناك احتمال ضعيف لولادة مبكرة، لذا يجب أن تقومي ببعض التحاليل.""لماذا؟ هل توجد مشكلة ما؟""طبياً لا توجد، ولكن التخطيط أظهر لي وجود بعض التقلصات الخفيفة، كما أن ماء الطفل قد قلّ قليلاً عن حجمه الطبيعي. لا تقلقي، قد تستمر معك هذه التقلصات حتى نهاية الشهر التاسع. ولكن مع ذلك عليك مراجعة طبيبتك دورياً كل ثلاثة أيام تقريباً."لقد أخبرتها طبيبتها بالفعل عن احتمالية ولادة مبكرة منذ أن دخلت الشهر السابع من الحمل، ولكنها أيضاً قالت إنها احتمالية ضعيفة. لذا لم تعطِ لولا الأمر كثيراً من الاهتمام."هل انتهيتما؟" قالت سوزان التي وقفت مباشرة فور أن خرجت لولا ورائف من حجرة الفحص. كان وجهها يبدو أحمر قليلاً وكأنها كانت منفعلة أو تبكي!؟"أجل! كل شيء على ما يرام، دعينا نذهب!" أجابت لولا وهي تسحب يد صديقتها."دعيني أوصلكما." قال رائف وقد سار بجانبهما. بالطبع لن يتركها تذهب في سيارة أجرة وهي بهذه الحالة.أما ريان فلأول مرة بدا مستاءً إلى هذه الدرجة، حيث قال: "لدي عمل هام، أراكِ لاحقاً." وكان هذا كل ما قاله، ولم يضف أي كلمة أخرى، مما أثار استغراب رائف.عندما نزلت لولا من السيارة أمام منزل والديها لاحظت
كانتا جالستين على ركبتيهما، كل منهما مستغرقة في أفكارها الخاصة. كانت جينا تشعر بالحسرة والندم لأنها أضاعت من بين يديها رجلاً مثل رائف. فعندما يحب، يحب بكل جوارحه، ويدافع عن حبيبته بكل الطرق الممكنة.يحميها ويأخذ بثأرها مهما كلّفه الأمر. يحميها ويأخذ حقها حتى من نفسه.أما روزي فكانت تشعر بالحقد والغ
ذلك القناع الفولاذي الذي يخفي المشاعر بإتقان أنت من علّمها إياه يا رائف. تلميذتك هي الآن، لقد لقنتها الدرس بالطريقة الأصعب!تهانينا، يبدو أنك معلم بارع!عندما لم تُجب لولا ولم تُظهر أي ردة فعل، ارتفعت شفة رائف في شبه ابتسامة حزينة. لقد فهم أنها تحاول إخباره بأنها لا تهتم، تخبره بذلك دون أن تنطق بكل
فتحت روزي الباب وابتسامة واسعة ترتسم على وجهها، لكن نظرات رائف الباردة جعلتها تقلص ابتسامتها تدريجيًا."هل نذهب؟" قال رائف بصوت محايد وهو يحاول رسم ابتسامة خفيفة على وجهه.صعدت إلى السيارة وهي في غاية السعادة، وتفكر بأنها ستتصل بجينا وتخبرها بأنها هي من ربحت اهتمام رائف أخيرًا، بل وتهددها لتبتعد عن
وفي منزل عائلة جاد كانت جولي مستلقية على سريرها، تحدق في الظلام بينما تشعر بأنها عاجزة عن النوم. منذ تلك الليلة المشؤومة هجرها النوم تمامًا، وكأن الراحة قررت أن تترك قلبها إلى أجل غير مسمى.قالت بصوت خافت وسط السكون:"جاد، جاد! هل أنت مستيقظ؟"أجابها زوجها فورًا وكأنه كان ينتظر صوتها:"ألا تستطيعين







