Compartir

فصل الرابع

last update Fecha de publicación: 2026-07-11 00:53:57

بين شر الأقارب

بقلم لوجين آل جنات

انتفض الجميع على صراخ ثرية الذي مزّق هدوء البيت:

*"ساعدوني! الحقوني!"*

ركضوا بلهفة نحو غرفتها. كانت جالسة على الأرض قرب السرير، جسدها يرتجف وعيناها غارقتين بالدموع.

هرع إليها ابنها عبد الرحمن بقلبٍ مفطور:

*عبد الرحمن:* أمي... ماذا حدث؟ تكلّمي!

التفّ حولها باقي الأبناء بوجوهٍ شاحبة، وعيونهم تمسح الغرفة بخوف.

رفعت ثرية يدها المرتجفة وأشارت بصمتٍ نحو السرير.

هناك... كان ذلك الجسد مستلقيًا بلا حراك، كأنّه غارقٌ في نومٍ أبدي.

تقدّم حفيدها رأفت بخطواتٍ ثقيلة. جثا بجانب السرير ومدّ يده يتحسّس النبض.

لكنّ يده تجمّدت في مكانها.

أغمض عينيه بقهرٍ وهمس بصوتٍ مخنوق:

*رأفت:* لا حول ولا قوّة إلّا بالله... إنّا لله وإنّا إليه راجعون.

وفي ثوانٍ، انفجرت الغرفة بالبكاء والنحيب.

علت أصوات القهر، وانكسرت قلوبهم قبل أن تنطق ألسنتهم .

وقفت سارة في الزاوية ترتجف، والدموع تنهمر من عينيها دون توقف. كانت تُخفي وجهها بيديها، لكنّ النحيب كان يفضحها. البيت كلّه تحوّل إلى فوضى... أصوات بكاء، وأقدام تركض، وأبواب تُفتح وتُغلق.

حمل الرجال جسد الحاج إسماعيل على عجل وخرجوا به نحو المستشفى.

لحقت بهم زوجتاه زمرد وثرية حافيتين، وهما تتوسلان بصوتٍ متهدج:

*زمرد:* خذوني معه... أرجوكم!

*ثرية:* لا تتركوني وحدي!

لكنّ أحداً لم يلتفت. ردّ عليهم أحد الأبناء بحدّة:

*"مكانكنّ في البيت! الطريق ليس للنساء الآن!"*

وما هي إلا دقائق حتى امتلأت الدار بنساء الجيران.

دخلت أم خالد تبكي وترفع يديها إلى السماء، واحتضنت ثرية وهي تصرخ: *"يا حسرتي عليك يا إسماعيل!"*

وجلست أم حسين قرب زمرد تمسح على ظهرها وتردّد: *"اصبري يا أختي، الله يرحمه كان نِعم الرجل."*

أمّا سارة فبقيت واقفة، غارقة في ذنبها، والكلّ يبكي على رجل... وهي تبكي على نفسها.

وفي تلك الليلة... لم يذق أحدٌ منهم طعم الراحة.

كأنّ جدران البيت نفسها بكت، وكأن سقفاً من الهموم قد انهار فوق رؤوسهم.

النساء جالسات في حلقة، كل واحدة تحاول أن تواسي الأخرى بيدٍ مرتجفة ودموع لا تتوقف.

صوت النحيب يخنق المكان، والهمس يقطّع القلب: *"شلون نصير من بعده؟ منو السند هسه؟"*

أمّا الرجال... فلم يعد أحدٌ منهم من المستشفى.

الغرف فاضية، والكراسي باردة، وريح الغياب مالية كل زاوية.

والهواتف لم تهدأ.

رأفت، رافد، وعمهم رسول... تتهافت عليهم الاتصالات.

أرقام غريبة، وأقارب يسألون، وأصدقاء مفزوعين.

لكن لا أحد يملك القوة ليرد.

فقط صمت ثقيل، وكأن الرد يعني الاعتراف بالحقيقة.

طلعت خيوط الصباح عليهم كأنها سكاكين.

عاد الأحفاد إلى البيت، أجسادهم منهكة وقلوبهم ميتة.

ما لحقوا يخطون خطوة... حتى انهال عليهم سيل الأسئلة.

وصوت البكاء كان يضرب الجدران من كل جهة.

كان أول من تكسر هو رأفت.

تقدمت منه جدته ثرية، عيناها محمرتان ومنتفختان من السهر، ويداها ترتجفان وهي تمسك بطرف ثيابه:

*"ولدي... لماذا عدت وحدك؟ أين جدك؟ لماذا لم تجلبوه معكم؟"*

ثم انهارت على صدره وصرخت: *"يا إلهي... لا تتركنا! ساعدنا أرجوك!"*

وفي الغرفة الداخلية كان صوت آخر يقطع القلب.

زمرد جالسة على سجادة الصلاة، تحتضن المصحف وتبكي.

صوتها مكسور وهي تتلو القرآن كأنها تودع الدنيا:

*"إنا لله وإنا إليه راجعون..."*

وحولها حفيداتها الصغيرات، متكومات بجانبها، كل واحدة تدفن وجهها بثياب الأخرى وتبكي بصمت.

الصباح طلع... بس ما طلعت وياه أي راحة.

الأربعاء، الساعة العاشرة والنصف صباحاً.

امتلأ البيت بالأقارب من كل مكان.

كان عزاء الرجال في المجلس الخارجي، يجلسون في صمت ثقيل.

أما عزاء النساء فكان داخل البيت، بين البكاء والدعاء.

لكن وسط الحزن كانت هناك همسات لا تهدأ.

همسات حقد قديم عاد للظهور، وهمسات تساؤلات عن الميراث وتقسيمه.

كأنهم نسوا أنهم جاؤوا ليعزوا.

وفي إحدى الغرف، جلست سارة على سريرها.

تبكي بصمت، وتضم نفسها بيديها.

عقلها لا يتوقف عن تذكر جدها...

تذكر كلماته الحانية، ودعاءه لها في كل صلاة، وصوته الهادئ وهو يناديها.

البيت مليء بالناس، ولكن قلبها كان فارغاً وحيداً.

Continúa leyendo este libro gratis
Escanea el código para descargar la App

Último capítulo

  • بين شر الأقارب    الفصل الثامن عشر

    بين شر الأقارب بقلم لوجين آل جنات لا تحاول تغيير قدرك، فالأقدار مكتوبة منذ ولادتنا.الساعة الرابعة مساءًسارة:بعد أن وصلنا إلى العمارة، استقررنا في البيت نفسه الذي هربنا إليه في البداية. بعد زواجنا، سافرنا إلى كربلاء المقدسة حتى تهدأ الأوضاع، ثم قررنا العودة إلى أرضنا. لكننا وصلنا متأخرين، فقال لي رأفت إنه في صباح الغد سيذهب إلى عائلتنا ويطلب منهما السماح.رتبت أغراضنا، ثم جلست على السرير وأخرجت دفتر مذكراتي. بدأت أكتب عن أسوأ اللحظات التي مررت بها حتى الآن، وعن أجمل لحظاتي مع حب طفولتي، الإنسان الذي وقف إلى جانبي ودعمني وجعلني أشعر بالأمان.كان بيتنا يبعد عن بيت عائلتي نحو ربع ساعة. كان يتكون من طابقين؛ في الطابق العلوي غرفتان وحمام، وفي الطابق السفلي صالة وممر ومطبخ وحمام. أما الساحة الخارجية، فكانت تضم حديقة صغيرة أحببتها كثيرًا.كنت أنا ورأفت قد قررنا أنه بعد أن تستقر الأوضاع، يشتري لي أرجوحة أضعها في الحديقة. كنت أتخيلها كثيرًا، وأتخيل الأيام الهادئة التي ستجمعنا هنا.كم مرة تمنيت أن أتصل بأختي لأطمئن على أمي.كنت أشتاق إليها كثيرًا، لكن الخوف كان يمنعني. خوفي من أبي، ومن عمي

  • بين شر الأقارب    الفصل السابع عشر

    بين شر الاقارب بقلم لوجين آل جنات شرَدت وأنا أفكر، لكن صوت فتح الباب قطع سلسلة أفكاري. التفتُّ إليه، وابتسمت فور أن رأيته. كان حضوره وحده يجعل المكان أقل برودة، وكأن جزءًا من خوفي يهدأ كلما عاد إليّ. سارة: «وأخيرًا أتيت.» ركضت نحوه من دون تفكير، ووقفت بجانبه وأنا أبتسم. سحبني إليه واحتضنني وهو يضحك، بينما كانت الأكياس في يده. رافت: «ها قد جئت. تعالي إلى حضني، أنتِ زوجتي الآن، لماذا هذا التردد؟» ضمّني أكثر، فأغمضت عيني للحظة. شعرت بدفء حضنه يخفف شيئًا من القلق الذي بقي عالقًا في صدري ، وكأنني نسيت العالم للحظات. نظرت إليه وسألته: «لماذا تأخرت كثيرًا؟» ابتعد قليلًا حتى ينظر إلى وجهي، ثم أجاب بابتسامة هادئة: «لم أتأخر، كنت قريبًا. اشتريت بعض النواقص، وغدًا لدي الكثير من الأشغال.» أخذت الأكياس من يده وبدأت أتفحصها بفضول، محاولة أن أطرد الأفكار الثقيلة من رأسي. سارة: «ماذا اشتريت؟» اتجه نحو الصالة وقال مازحًا: «الأكياس بيدك، لماذا تسألينني؟» وضعت الأكياس على الأرض وجلست أفتحها واحدة تلو الأخرى. اتسعت ابتسامتي عندما وجدت الشوكولاتة ورقائق البطاطا. سارة: «أوه، أحضرت لي شوكولا

  • بين شر الأقارب    الفصل السادس عشر

    بين شر الأقارب بقلم لوجين آل جنات شعرت بأن الدنيا تدور حولي عندما وقعت أمي على الأرض فاقدةً وعيها. ارتطم جسدها بالأرض، وتجمّد قلبي في صدري للحظة. ركضنا إليها جميعًا، واختلطت أصواتنا بالخوف والارتباك. حاولت زوجة عمي عباس إفاقتها وهي تربت على خدها الأيسر، وتناديها بصوت مرتجف. أسرعتُ إلى الثلاجةلجلب الماء، لكن يدي كانت ترتجف حتى كدت أسقط الكأس. أخذت زوجة عمي عبد الرحمن الكأس من يدي، وسكبت قليلًا من الماء على كفيها، ثم بدأت تمسح وجه أمي بلطف. كنت أراقب وجه أمي الشاحب، وأشعر أنني أفقدها أمام عينيّ كما فقدت سارة. عقدت أمي حاجبيها، وبدأت تفتح عينيها ببطء، وكأنها تعود من مكان بعيد. وضعت يديها على وجهها، ثم انفجرت بالبكاء بصوت عالٍ، بكاءً جعل قلبي ينكسر. تمتمت بصوت واهن: «يا رب ساعدنا... أنقذ ابنتي. ماذا أفعل يا إلهي؟» لم أستطع الرد عليها. نظرت إليها بصمت، ودموعي تنزل دون توقف. كنت أريد أن أحتضنها وأقول لها إن كل شيء سيكون بخير، لكنني لم أستطع الكذب عليها... ولا على نفسي. كانت زوجات عمامي يحاولن تهدئتها، ثم ساعدنها على النهوض والجلوس في الصالة. أما أنا، فبقيت في المطبخ مع بنات عمامي

  • بين شر الأقارب    الفصل الخامس عشر

    بين شر الأقارب بقلم لوجين آل جنات مسحت دموعي، لكن اللعنة... كانت أقسى من كل الظروف التي تمر بها عائلتي. عندما سمعت أصواتهم القادمة من الأسفل، شعرت بأن الخوف يزحف إلى قلبي. لم أستطع وصف مشاعري؛ كنت أعرف أن كل عائلة قد تمر بمشاكل، لكنني بدأت أرى أن عائلتي لم تكن متماسكة منذ البداية، وأننا كنا نخفي شقوقها خلف الصمت.فجأة، فزعت على طرقات عنيفة هزّت باب غرفتي. وقفت بسرعة، ويدي ترتجفان، ثم اتجهت نحو الباب وكأن قدمي لا تريدان التحرك.علي: «افتحي الباب، اللعنة!»فتحت الباب ببطء وأنا أنظر إليهم بخوف. كان أبي يقف أمامي، وخلفه الجميع. وجوههم صامتة، لكن صمتهم كان أثقل من أي كلمة.تلعثمت وأنا أسأله: «ماذا يحدث يا أبي؟»لم يجبني. سحبني من شعري فجأة، وصرخ في وجهي بعنف، وكأنني لست ابنته، بل أحد أعدائه.تمسكت بيده وأنا أحاول إبعادها عن شعري، وصرخت: «ماذا يحدث؟ ساعدوني!»حاولت أمي التدخل، لكنه التفت إليها وصاح في وجه الجميع:علي: «إذا تدخل أحد، أقسم بالله سأقتلها!»تراجع الجميع إلى الخلف، وبقيت أمي تنظر إليّ بعينين ممتلئتين بالخوف والعجز.أردف أبي بغضب: «أنا لم أُربِّ بناتي تربية صالحة!»أنزلني الدرج

  • بين شر الأقارب    الفصل الرابع عشر

    بين شر الأقارب بقلم لوجين آل جنات فتحت عينيّ على طرقاتٍ خفيفة على الباب. مدّ رافت رأسه من باب الغرفة، وأخذ يتفحص المكان بنظره، حتى وقعت عيناه عليّ وأنا نائمة براحة فوق السرير. اقترب مني وهو يبتسم، ثم قال: — هيا، استيقظي أيتها الكسولة... أصبحت الساعة 9:00 . فزعت عندما سمعت صوته، واعتدلت في جلستي بسرعة: — ماذا تفعل في غرفتي؟ اخرج الآن، لا أحد يراك! ضحك رافت وقال: — ههههه، لا أحد سيراني. والآن ابدئي بتحضير نفسك حتى نذهب إلى المحكمة. — أوه... ضحك مرة أخرى وهو ينظر إليّ، ثم قال: — صباح الخير أيتها الثرثارة. ابتسمت بخجل، وأجبته بصوتٍ خافت حتى إنني بالكاد سمعته: — صباح النور... اخرج، وأنا سألحق بك. خرج رافت وهو يصفر بصوتٍ هادئ. يبدو أن مزاجه جيد، فهو عادةً لا يغني أو يصفر بهذا الشكل إلا عندما يكون مرتاحًا. رفعت الغطاء عني، ثم دخلت إلى الحمام وأنا أسترجع لحظات هروبنا. يا إلهي... ماذا سيحدث بعد ذلك؟ استحممت على عجل، ثم فتحت الحقيبة. لم آخذ معي سوى فستانين، فاخترت أحدهما؛ كان أبيض اللون تتناثر عليه فراشات سوداء. فتحت باب الغرفة، ونظرت حولي، فرأيته يقف عند ال

  • بين شر الأقارب    الفصل الثالث عشر

    بين شر الأقارب بقلم لوجين آل جنات إن لم أستطع أن أكون معك، فلن أكون مع غيرك... لديّ خياران فقط: إما أن أكون معك، أو تكون معي. — أنا أعرف أنك ستتخلى عني... لقد استنزفتُ كل طاقتك، لكن من الواضح أن علاقتنا وصلت إلى نهايتها. زفر رافت أنفاسه، واستغفر بصوتٍ هادئ، ثم نظر إليها بحزن. — لماذا تستبقين كل شيء؟ أعرف أنك خائفة، لكنني لن أتراجع عن وعدي لكِ. أنتِ نصف روحي، فكيف لي أن أترككِ؟ شهقت سارة، وقالت بتلعثم: — و... لكن الجميع ضدنا، ماذا سنفعل الآن؟ أجابها رافت بثبات: — سنغادر الليلة، وبعد أن ينام الجميع. في الصباح سنتزوج. لقد جهزت كل شيء، ولم يبقَ سوى شيء واحد... موافقتكِ. إذا كنتِ موافقة، فلن أتردد لحظة واحدة في أن أضحي بكل شيء من أجلكِ. مسحت سارة دموعها، ثم جلست على طرف السرير وسألته: — وماذا سيحدث بعد ذلك؟ ضم رافت كفها بين يديه، وقال بهدوء: — سنسافر، ونبحث عن مكان نعيش فيه. وبعد فترة، سأحاول إصلاح علاقتنا بعائلتنا، لكن كل شيء يحتاج إلى وقت. والدكِ يريد تزويجكِ، وأنا لست مستعدًا لخسارتكِ. عصرت سارة أصابعه، ثم أردفت بصوتٍ مبحوح من شدة البكاء: — أنا أثق بك...

Más capítulos
Explora y lee buenas novelas gratis
Acceso gratuito a una gran cantidad de buenas novelas en la app GoodNovel. Descarga los libros que te gusten y léelos donde y cuando quieras.
Lee libros gratis en la app
ESCANEA EL CÓDIGO PARA LEER EN LA APP
DMCA.com Protection Status