LOGINبين شر الأقارب
بقلم لوجين آل جنات انتفض الجميع على صراخ ثرية الذي مزّق هدوء البيت: *"ساعدوني! الحقوني!"* ركضوا بلهفة نحو غرفتها. كانت جالسة على الأرض قرب السرير، جسدها يرتجف وعيناها غارقتين بالدموع. هرع إليها ابنها عبد الرحمن بقلبٍ مفطور: *عبد الرحمن:* أمي... ماذا حدث؟ تكلّمي! التفّ حولها باقي الأبناء بوجوهٍ شاحبة، وعيونهم تمسح الغرفة بخوف. رفعت ثرية يدها المرتجفة وأشارت بصمتٍ نحو السرير. هناك... كان ذلك الجسد مستلقيًا بلا حراك، كأنّه غارقٌ في نومٍ أبدي. تقدّم حفيدها رأفت بخطواتٍ ثقيلة. جثا بجانب السرير ومدّ يده يتحسّس النبض. لكنّ يده تجمّدت في مكانها. أغمض عينيه بقهرٍ وهمس بصوتٍ مخنوق: *رأفت:* لا حول ولا قوّة إلّا بالله... إنّا لله وإنّا إليه راجعون. وفي ثوانٍ، انفجرت الغرفة بالبكاء والنحيب. علت أصوات القهر، وانكسرت قلوبهم قبل أن تنطق ألسنتهم . وقفت سارة في الزاوية ترتجف، والدموع تنهمر من عينيها دون توقف. كانت تُخفي وجهها بيديها، لكنّ النحيب كان يفضحها. البيت كلّه تحوّل إلى فوضى... أصوات بكاء، وأقدام تركض، وأبواب تُفتح وتُغلق. حمل الرجال جسد الحاج إسماعيل على عجل وخرجوا به نحو المستشفى. لحقت بهم زوجتاه زمرد وثرية حافيتين، وهما تتوسلان بصوتٍ متهدج: *زمرد:* خذوني معه... أرجوكم! *ثرية:* لا تتركوني وحدي! لكنّ أحداً لم يلتفت. ردّ عليهم أحد الأبناء بحدّة: *"مكانكنّ في البيت! الطريق ليس للنساء الآن!"* وما هي إلا دقائق حتى امتلأت الدار بنساء الجيران. دخلت أم خالد تبكي وترفع يديها إلى السماء، واحتضنت ثرية وهي تصرخ: *"يا حسرتي عليك يا إسماعيل!"* وجلست أم حسين قرب زمرد تمسح على ظهرها وتردّد: *"اصبري يا أختي، الله يرحمه كان نِعم الرجل."* أمّا سارة فبقيت واقفة، غارقة في ذنبها، والكلّ يبكي على رجل... وهي تبكي على نفسها. وفي تلك الليلة... لم يذق أحدٌ منهم طعم الراحة. كأنّ جدران البيت نفسها بكت، وكأن سقفاً من الهموم قد انهار فوق رؤوسهم. النساء جالسات في حلقة، كل واحدة تحاول أن تواسي الأخرى بيدٍ مرتجفة ودموع لا تتوقف. صوت النحيب يخنق المكان، والهمس يقطّع القلب: *"شلون نصير من بعده؟ منو السند هسه؟"* أمّا الرجال... فلم يعد أحدٌ منهم من المستشفى. الغرف فاضية، والكراسي باردة، وريح الغياب مالية كل زاوية. والهواتف لم تهدأ. رأفت، رافد، وعمهم رسول... تتهافت عليهم الاتصالات. أرقام غريبة، وأقارب يسألون، وأصدقاء مفزوعين. لكن لا أحد يملك القوة ليرد. فقط صمت ثقيل، وكأن الرد يعني الاعتراف بالحقيقة. طلعت خيوط الصباح عليهم كأنها سكاكين. عاد الأحفاد إلى البيت، أجسادهم منهكة وقلوبهم ميتة. ما لحقوا يخطون خطوة... حتى انهال عليهم سيل الأسئلة. وصوت البكاء كان يضرب الجدران من كل جهة. كان أول من تكسر هو رأفت. تقدمت منه جدته ثرية، عيناها محمرتان ومنتفختان من السهر، ويداها ترتجفان وهي تمسك بطرف ثيابه: *"ولدي... لماذا عدت وحدك؟ أين جدك؟ لماذا لم تجلبوه معكم؟"* ثم انهارت على صدره وصرخت: *"يا إلهي... لا تتركنا! ساعدنا أرجوك!"* وفي الغرفة الداخلية كان صوت آخر يقطع القلب. زمرد جالسة على سجادة الصلاة، تحتضن المصحف وتبكي. صوتها مكسور وهي تتلو القرآن كأنها تودع الدنيا: *"إنا لله وإنا إليه راجعون..."* وحولها حفيداتها الصغيرات، متكومات بجانبها، كل واحدة تدفن وجهها بثياب الأخرى وتبكي بصمت. الصباح طلع... بس ما طلعت وياه أي راحة. الأربعاء، الساعة العاشرة والنصف صباحاً. امتلأ البيت بالأقارب من كل مكان. كان عزاء الرجال في المجلس الخارجي، يجلسون في صمت ثقيل. أما عزاء النساء فكان داخل البيت، بين البكاء والدعاء. لكن وسط الحزن كانت هناك همسات لا تهدأ. همسات حقد قديم عاد للظهور، وهمسات تساؤلات عن الميراث وتقسيمه. كأنهم نسوا أنهم جاؤوا ليعزوا. وفي إحدى الغرف، جلست سارة على سريرها. تبكي بصمت، وتضم نفسها بيديها. عقلها لا يتوقف عن تذكر جدها... تذكر كلماته الحانية، ودعاءه لها في كل صلاة، وصوته الهادئ وهو يناديها. البيت مليء بالناس، ولكن قلبها كان فارغاً وحيداً.بين شر الأقارببقلم لوجين آل جنات"حين يصبح الغدر وجهًا من وجوه الأقارب، فاعلم أن الأمان لم يكن إلا وهمًا، وأنك أبحرت منذ البداية في القارب الخطأ."ارتجفت يداها من شدة الخوف، فانزلق إبريق الماء من بين أصابعها، وارتطم بالأرض مُصدرًا صوتًا مكتومًا.شهقت بفزع، وانحبست أنفاسها حين امتدت يدٌ قوية وكممت فمها بإحكام.وفي لحظة، رفعها شخصٌ ضخم من خصرها، وسحبها بعيدًا.تحركت بعشوائية بين ذراعيه، تحاول الإفلات من قبضته التي شعرت أنها لا تختلف عن قبضة الموت، بينما كانت دقات قلبها تتسارع حتى خُيّل إليها أنها ستفضح مكانها.أخذها ذلك المجهول إلى الجهة الخلفية من الديوان، بعيدًا عن الباب.وما إن أرخى قبضته عنها، حتى زفرت أنفاسها براحة، وما إن وقعت عيناها عليه حتى هدأت قليلًا.رافد:— ماذا تفعلين هنا؟تعثرت الكلمات على شفتيها، وقالت بصوتٍ متقطع:سرور:— كـ... كنت أسقي الورود...حاولت أن تتمالك نفسها، لكن الخوف خانها. ارتخت ساقاها فجأة، وكادت تسقط أرضًا، لولا أنه أمسكها من خصرها بسرعة وأسندها إليه.رفع بصره إلى وجهها، فتجمد للحظة وهو يرى الدموع تنهمر من عينيها دون توقف.ارتسمت على ملامحه علامات القلق،
بين شر الأقارب بقلم لوجين آل جنات خرج الجميع من الصالة، بعدما خفتت الأصوات أخيرًا، ولم يبقَ فيها سوى رأفت وجدته زمرد. ساد المكان هدوء ثقيل، لا يقطعه سوى صوت مروحة السقف وهي تدور ببطء، بينما كانت خيوط الشمس المائلة إلى الغروب تتسلل من النافذة الكبيرة، لترسم خطوطا ذهبية على أرضية الصالة. تنهدت زمرد بهدوء، ثم ربّتت على كتف حفيدها برفق، وقد بدا القلق واضحاً في عينيها. زمرد: — والآن... لم يعد أحد هنا. أخبرني يا رأفت، هل كان جدك يخفي عنا شيئًا قبل وفاته؟ أمرًا لم يخبر به أحد؟ رفع رأسه إليها، ثم ابتسم ابتسامة باهتة، وكأنه يستعيد ذكرى بعيدة. رأفت: — جدتي... سأطرح عليكِ سؤالاً. أومأت برأسها بصمت. — لو جاءكِ شخص تثقين به، وطلب منكِ أن تقسمي على القرآن الكريم أن تحفظي سرًا أودعه عندك، ثم وضع ثقته بكِ ثقةً عمياء... هل كنتِ ستخونين تلك الثقة وتفشين سره؟ ارتسمت ابتسامة هادئة على وجه زمرد، وأحاطت كفه بيدها وربّتت عليها بحنان. زمرد: — أحسنت يا بني... لكن تذكّر، هناك أسرار تكون أثقل من الجبال، وثمن الاحتفاظ بها قد يكون باهظًا. أطرق برأسه للحظات، وبقي شاردًا في نقطةٍ بعيدة من الصالة، ثم
بين شر الأقارب بقلم لوجين آل جنات مسح رافت وجهه بكفيه محاولًا تهدئة الأجواء التي كانت، يومًا بعد يوم، تخرج عن السيطرة. قال بصوتٍ هادئ لكنه حازم: — حسنًا... سأوضح لكم بعض الأمور، لكنني أريد من الجميع أن يستمع إليّ حتى النهاية. جلس وهو يزفر بعمق، ثم أردف: — أرجوكم، لا يقاطعني أحد، ولا تسألوني عن أمور لا أستطيع توضيحها الآن. أقسم لكم أن لديّ أسبابًا لكل ما حدث، وسأكشفها لكم في الوقت المناسب. نظر إليه ابن عمه جاسم مليًا، ثم قال بنبرة امتزج فيها الفضول بالسخرية: — إذًا، المسألة ليست مجرد تقسيم إرث... هناك أمور أخرى تخفيها. ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة، وأضاف: — لا تقل لي... هل تزوجت سرًا؟ تنهد رافت وهز رأسه بضيق: — بحقك يا جاسم، هذا ليس وقتًا للمزاح. وقبل أن يتابع حديثه، قاطعه رافد، وهو يشعل سيجارته ببرود، وقال: — ادخل في صلب الموضوع يا أخي... لقد نفد صبر الجميع. استغفر رافت بصوتٍ خافت، ثم قال: — لقد أعطى جدي لكل واحدٍ من أحفاده قطعة أرضٍ تبلغ مساحتها مئتي متر. توقف لبرهة، ثم أكمل وهو يتنقل بنظره بين الحاضرين: — أما جدتاي، ثرية وزمرد، فقد ترك لكل واحدةٍ منهما البيت الذي
بين شر الأقارب بقلم لوجين آل جنات قالت سارة بصوتٍ هادئ، وهي تتجنب النظر إلى أختها: — لا... أنتِ تتوهمين. أنا فقط حزينة على رحيل جدي، وعلى ما آلت إليه حال عائلتنا... وجدتي أيضًا طريحة الفراش، وهذا يؤلمني كثيرًا. تنهدت سرور وهي تحدق في ملامح أختها، ثم قالت بهدوء: — إن كنتِ تريدين إقناعي، فلا بأس... لن أضغط عليكِ. أومأت سارة برأسها، ثم قالت بصوتٍ خافت: — نعم... تصبحين على خير. لدينا صباحًا الكثير من الأعمال. ألقت سرور عليها نظرةً طويلة، وكأنها تشعر بأن أختها تخفي شيئًا أكبر من مجرد الحزن، لكنها آثرت الصمت. ثم أطفأت المصباح، وغرقت الغرفة في ظلامٍ هادئ، بينما كانت كل واحدةٍ منهما تحاول الهروب من أفكارها حتى غلبهما النعاس. الساعة ٨:٣٠ صباحًا استيقظت سرور على صوت ابنة عمتها بتول، التي كانت تهز كتفها برفق. قالت بتول بابتسامةٍ خفيفة:
بين شر الأقارب بقلم لوجين آل جنات بعد ثلاثة أيام من الفاتحة...رجعت زمرد وأولادها وحفادها إلى بيتها.أما ثرية... فكانت طريحة الفراش. جسدها موجود، لكن روحها ما زالت عند إسماعيل.كانت سرور جالسة بجانب جدتها.ملامح المرض مرسومة على وجه ثرية. شعرها الأبيض مبعثر على الوسادة، ويدها ترتجف كلما نطقت اسم "إسماعيل".ثرية بهمس مكسور:— وينه يا بنتي؟ ليش ما يجي؟مسحت سرور دموعها بسرعة وابتسمت محاولةً إخفاء ألمها:سرور:— نايم يا جدتي... تعبان ويريد يرتاح.خرجت سرور من غرفة جدتها، وقلبها ثقيل.نزلت الدرج خطوة خطوة، كأن كل درجة تسحب منها عمرًا.خرجت إلى الحديقة، وكان الجو ساكنًا بشكلٍ يخيف.حتى الورد الذي كان جدها يسقيه بنفسه... ذبل.أخذت نفسًا عميقًا وزفرته، وفركت يديها ببرودة.حدثت نفسها بصوتٍ مبحوح:"الله يرحمك جدي... البيت فارغ بدونك. افتقدك بكل زاوية."وفجأة...صوت بارد قطع شرودها مثل السكين.رافد:— كيف حال جدتي؟انتفضت سرور ووضعت يدها على قلبها بفزع.سرور:— بحقك افزعتني! من أين خرجت؟رفع رافد حاجبه ونظر إليها ببرود:رافد:— بل أنتِ... ماذا تفعلين بالخارج في هذا الوقت؟التفتت إليه وهي تضم
بين شر الأقارب بقلم لوجين آل جنات انتفض الجميع على صراخ ثرية الذي مزّق هدوء البيت: *"ساعدوني! الحقوني!"* ركضوا بلهفة نحو غرفتها. كانت جالسة على الأرض قرب السرير، جسدها يرتجف وعيناها غارقتين بالدموع. هرع إليها ابنها عبد الرحمن بقلبٍ مفطور: *عبد الرحمن:* أمي... ماذا حدث؟ تكلّمي! التفّ حولها باقي الأبناء بوجوهٍ شاحبة، وعيونهم تمسح الغرفة بخوف. رفعت ثرية يدها المرتجفة وأشارت بصمتٍ نحو السرير. هناك... كان ذلك الجسد مستلقيًا بلا حراك، كأنّه غارقٌ في نومٍ أبدي. تقدّم حفيدها رأفت بخطواتٍ ثقيلة. جثا بجانب السرير ومدّ يده يتحسّس النبض. لكنّ يده تجمّدت في مكانها. أغمض عينيه بقهرٍ وهمس بصوتٍ مخنوق: *رأفت:* لا حول ولا قوّة إلّا بالله... إنّا لله وإنّا إليه راجعون. وفي ثوانٍ، انفجرت الغرفة بالبكاء والنحيب. علت أصوات القهر، وانكسرت قلوبهم قبل أن تنطق ألسنتهم . وقفت سارة في الزاوية ترتجف، والدموع تنهمر من عينيها دون توقف. كانت تُخفي وجهها بيديها، لكنّ النحيب كان يفضحها. البيت كلّه تحوّل إلى فوضى... أصوات بكاء، وأقدام تركض، وأبواب تُفتح وتُغلق. حمل الرجال جسد







