LOGINاستيقظت رهف في صباح اليوم التالي وكأن الليل لم ينتهِ بعد. لم يكن الأمر مجرد تعب جسدي عابر، بل كان ثقلًا غامضًا يستقر فوق صدرها، يضغط أنفاسها ببطء ويجعلها تشعر وكأنها لم تنم دقيقة واحدة.
فتحت عينيها على ضوء خافت يتسلل من خلف الستائر، لكنه لم يحمل معها أي دفء أو طمأنينة، بل زاد إحساسها بالوحشة. ظلت لثوانٍ تحدق في سقف غرفتها، تحاول أن تجمع شتات نفسها، أن تتذكر كيف انتهى بها الحال إلى هذا الشعور المرهق. لكن الذكريات لم تأتِ واضحة، بل جاءت مبعثرة مشوشة، كأن عقلها يحاول حمايتها من استرجاع ما لا يُحتمل. نهضت ببطء، وكأن جسدها لم يعد يطيعها كما كان، وسارت نحو الحمام بخطوات ثقيلة. أغلقت الباب خلفها، ثم وقفت أمام المرآة للحظة. انعكس وجهها شاحبًا، وعيناها متورمتان من البكاء الذي لم تتذكر متى بدأ ومتى انتهى. مدت يدها ولمست وجنتها برفق، كأنها تتأكد أنها ما زالت هنا... ما زالت على قيد الاحتمال. تحت الماء، حاولت أن تغسل كل شيء. الخوف، الألم، الذكريات، وحتى الإحساس بالعجز. لكن الماء لم يكن كافيًا، فكان ينساب على جسدها دون أن يصل إلى عمق الجرح الذي يسكنها. بعد أن انتهت، ارتدت ملابسها بصمت، وكأنها تؤدي طقسًا يوميًا بلا روح. وما إن فتحت باب الحمام لتخرج، حتى دوى صوت الباب الخارجي وهو يُفتح بعنف، كأنه إعلان عن عاصفة قادمة لا مفر منها. اندفع مدحت إلى الداخل، والغضب يتفجر من عينيه قبل صوته. لم يمنحها حتى لحظة لتفهم ما يحدث. "كيف تفعلين هذا أيتها الوقحة؟!" صرخ بصوت هز أركان الغرفة. "هل أخذتكِ معي لتسهيل الأمور أم لتسببي المشاكل؟ كيف تضربين مالك بهذا الشكل؟ هل جننتِ؟!" تجمدت رهف في مكانها، وشعرت بأن الأرض تهتز تحت قدميها. حاولت أن تتكلم، أن تدافع عن نفسها، أن تقول الحقيقة التي تحرق صدرها. "أنت لا تعلم ما الذي حاول فعله... لقد حاول ——" لكن الكلمات لم تكتمل. في لحظة خاطفة، ارتفعت يد مدحت وهوت على وجهها بقوة، صفعة دوّت في أرجاء المكان، كأنها ليست مجرد ضربة، بل حكم نهائي بإسكاتها. اختل توازنها وسقطت على الأرض، وشعرت بدوار يجتاح رأسها، بينما لسعة الألم امتدت عبر وجنتها كالنار. "لا أريد سماع أعذاركِ السخيفة!" قال ببرود قاسٍ، كأن ما حدث لا يستحق حتى نقاشًا. "في كل مرة تفسدين الأمر هكذا... يا لكِ من عديمة النفع." كانت رهف على الأرض، تحدق في الفراغ، بينما كلمات والدها تنغرس فيها أعمق من الصفعة نفسها. حاولت أن ترفع نفسها، لكن شيئًا في داخلها كان قد انكسر... شيئًا لم يعد قابلًا للإصلاح بسهولة. ثم أضاف، بنبرة تحمل عقابًا مدروسًا: "وعقابًا لكِ... لن تذهبي إلى الجامعة طوال الأسبوع المقبل." تسارعت أنفاسها فجأة، وكأن هذا القرار انتزع منها الهواء. لم يكن الأمر مجرد منع مؤقت، بل كان سلبًا لشيء هو الوحيد الذي يمنحها سببًا للاستمرار. وهو يعرف ذلك تمامًا. يعرف أن الجامعة ليست مجرد مكان للدراسة بالنسبة لها، بل ملاذ، نافذة، فرصة للهروب من هذا العالم الضيق الذي يحيط بها، لذلك كان يستخدمها كسلاح دائمًا. رفعت رأسها بصعوبة، ونظرت إليه بعينين ممتلئتين بالرجاء. "لا... يا أبي، أرجوك... الامتحانات اقتربت..." لكن صوته جاء قاطعًا، باردًا، لا يقبل أي نقاش: "لا نقاش." ثم استدار وخرج تاركًا الباب مفتوحًا خلفه، وكأن رحيله لم يكن سوى استمرار للعاصفة التي خلّفها. بقيت رهف على الأرض، ولم تحاول حتى النهوض هذه المرة. انهمرت دموعها بصمت، لا صراخ، لا احتجاج... فقط بكاء هادئ يشبه الانهيار البطيء. كانت تبكي نفسها، ضعفها، وحدتها، وكل مرة حاولت فيها أن تكون أقوى وفشلت. ...... بينما في الطابق السفلي، كان المشهد مختلفًا تمامًا. نزل مدحت بخطوات ثابتة، وكأن شيئًا لم يحدث. وما إن لمح جاسر حتى ناداه بنبرة عادية، بل شبه ودودة: "فهد، رهف مريضة بعض الشيء، ربما أصيب بنزلة برد بسبب فستانها الذي ارتدته بالأمس، لذلك لن تذهب إلى الجامعة طوال الأسبوع المقبل. ويمكنك مرافقتي أنا خلال هذه الفترة." ابتسم جاسر ابتسامة خفيفة، وشعر بنوع من الرضا الداخلي. أن يكون قريبًا من مدحت أكثر يعني فرصة أكبر لمراقبته، وربما كسب ثقته بشكل كامل. "تمام، تحت أمرك." لكن رغم ذلك... كان هناك شيء. شعور غريب وضاغط لا يستطيع تفسيره. كأن شيئًا غير مريح يزحف في داخله دون سبب واضح. حاول تجاهله، وأقنع نفسه أنه مجرد توتر عابر، لكنه لم يختفِ. مر الأسبوع بهدوء ظاهري. لم تقع أحداث صاخبة، ولم تظهر مشاكل واضحة. لكن تحت هذا السطح الهادئ، كانت هناك توترات خفية، نظرات، صمت يحمل أكثر مما يُقال. كان جاسر يراقب. يراقب كل تحركات مدحت، كل لقاءاته، كل كلمة يقولها. كان يحلل، يربط، يحاول فهم الصورة الكاملة. ومع مرور الأيام، بدأت ثقة مدحت به تزداد، خصوصًا بعد ذلك اليوم الذي تغير فيه كل شيء. في طريق عودتهما في أحد الأيام، اعترضهما أحد المنافسين. لم يكن مجرد تهديد لفظي، بل تحول الموقف بسرعة إلى اعتداء مباشر. وفي لحظة حاسمة، تدخل جاسر دون تردد وتصدى للهجوم بحزم، لينقذ مدحت من موقف كان قد يتفاقم بشكل خطير. منذ ذلك اليوم، لم يعد جاسر مجرد حارس شخصي... بل أصبح شخصًا يعتمد عليه. ...... أما في الجهة الأخرى من المنزل، فكانت هناك حكاية مختلفة. رهف. لم تعد كما كانت. الصمت أصبح رفيقها الدائم، والحزن يحيط بها كظل لا يفارقها. لم تعد تخرج من غرفتها إلا للضرورة. تأكل بصمت، تدرس بصمت، تنام هربًا من التفكير… وكأنها تحاول أن تختفي من العالم دون أن يلاحظ أحد. وعندما يثقل عليها الوقت، كانت تقف في شرفة غرفتها، تحدق في الحديقة الممتدة أمامها. لم تكن تنظر إلى شيء محدد، بل إلى الفراغ... إلى مكان بعيد داخلها. وفي أحد تلك الأيام، وبينما كانت غارقة في شرودها، رفعت عينيها مصادفة. والتقت بعينيه. فهد. كان في الأسفل، ونظر إليها في اللحظة نفسها. لم يكن في نظرته شيء واضح، لا قسوة ولا شفقة، فقط نظرة عادية... لكنها كانت كافية لتربكها. اتسعت عيناها قليلًا، ثم سحبت نظرها بسرعة، وكأنها لم ترَ شيئًا. دخلت غرفتها على الفور، وأغلقت باب الشرفة خلفها، وقلبها يخفق بسرعة غير مفهومة. منذ ذلك اليوم... منذ لحظة انهيارها، شعرت وكأنها أصبحت مكشوفة أمامه. كأن كل ضعفها، كل خوفها، كل ما حاولت إخفاءه... أصبح واضحًا في عينيه. ولهذا لم تعد قادرة على النظر إليه. ولم تعد تعرف... هل تخجل منه؟ أم من نفسها؟في تلك الليلة، وبعد أن انتهت الزيارة وطال الوداع أكثر مما توقعت رهف، وقف جاسر أمام منزل والديه ممسكًا بيدها، بينما كانت والدته تقف عند الباب تلوح لهما وتوصيه بأن يعود في اليوم التالي لأنه، على حد قولها، لم يأكل بما يكفي، فيضحك جاسر ويعدها بأنه سيأتي، بينما كان والده يصرخ من الداخل: "دعيهما يذهبان يا امرأة، لقد جعلتِهما يتأخران!" ضحكت والدته وردت عليه: "وأنت اصمت، أنت الذي طلبت منهما البقاء للعشاء!" ضحك جاسر، ثم أمسك يد رهف وسار معها مبتعدًا عن المنزل، بينما ظلت والدتهما تراقبهما للحظات قبل أن تغلق الباب. وبعد أن قطعا مسافة قصيرة، التفتت رهف إلى المنزل وظلت تنظر إليه طويلًا، وكأنها كانت تحاول أن تحفظ تفاصيله في ذاكرتها، ثم قالت: "جاسر..." التفت إليها وقال: "نعم؟" ابتسمت ابتسامة هادئة وقالت: "أعتقد أنني أحببت عائلتك أكثر مما توقعت." ابتسم جاسر وقال: "وأعتقد أنهم أحبوكِ أكثر مما تتخيلين." سكتت قليلًا، ثم قالت: "كنت خائفة جدًا قبل أن ندخل." أجابها: "أعرف. لقد كنتِ تضغطين على يدي طوال الطريق وكأنكِ ستكسرين أصابعي، وأعتقد أن أصابعي ستحتاج إلى أسبوع كامل حتى تتعافى." ضحكت رهف لأو
وفي وسط ذلك كله، شعرت رهف بشيء غريب لم تعرف كيف تصفه في البداية، ثم وجدت الكلمة المناسبة أخيرًا. دفء. ذلك هو الشعور الذي افتقدته طويلًا دون أن تعرف كيف تطلبه أو أين تبحث عنه. دفء العائلة. لم تكن تعرف أن الجلوس حول طاولة واحدة، والضحك على تفاصيل صغيرة لا تستحق في العادة كل هذا الاهتمام، والاستماع إلى أب يتذمر من زوجته ثم يبتسم في اللحظة نفسها، وأم تتحدث بحماس عن زفاف ابنها وكأنها كانت تنتظر هذه اللحظة منذ سنوات، وشاب ينظر بين لحظة وأخرى إلى المرأة التي يحبها وكأنه حصل أخيرًا على الشيء الذي كان يخشى أن يفقده، يمكن أن يجعل قلب الإنسان يشعر بهذا القدر من الأمان. خفضت رهف عينيها للحظة، ثم ابتسمت لنفسها، وشعرت أن شيئًا في داخلها قد استقر أخيرًا في مكانه. لم تتخيل يومًا أن كل أحزانها يمكن أن تنتهي بهذه الطريقة، فقد كانت تظن أن الألم الذي عاشته سيظل يطاردها طويلًا، وأن الخوف سيبقى جزءًا ثابتًا من حياتها، وأنها ستحتاج إلى سنوات طويلة حتى تتمكن من الشعور بالأمان من جديد. لكنها الآن كانت تجلس على طاولة عائلة لم تكن عائلتها بالأمس، وتسمعهم يتحدثون عن زفافها وكأنها كانت جزءًا منهم منذ سنوات
كانت الساعات التالية بسيطة في ظاهرها، لكنها بالنسبة إلى رهف كانت أشبه بحلم جميل لم تكن تعرف قبل ذلك أنها كانت تتمنى حدوثه. فقد جلست إلى جانب والدة جاسر في المطبخ، تساعدها في ترتيب الطعام وتجهيز الأطباق. بينما بدأت والدته تتحدث معها عن جاسر منذ طفولته، عن عاداته الغريبة التي لم تتغير كثيرًا رغم مرور السنوات، وعن الأشياء التي كان يحبها والأخرى التي كان يكرهها، وعن المرات التي كان يعود فيها من المدرسة غاضبًا لأنه خسر مباراة، ثم يختبئ في غرفته محاولًا إقناع الجميع بأنه لا يريد شيئًا، قبل أن يظهر فجأة عندما يشم رائحة الطعام الذي يحبه. كانت رهف تستمع إليها وهي تبتسم، وكلما ذكرت والدته موقفًا محرجًا من طفولة جاسر كانت تضحك وتقول: "حقًا فعل ذلك؟" فتجيبها والدته وهي تضحك: "بل فعل أكثر من ذلك بكثير، لكنني سأحتفظ ببعض الأسرار لنفسي، فأنا لا أريد أن أعطيكِ كل الأسلحة ضده منذ البداية." وفي كل مرة كانت رهف تضحك فيها، كان شيء في قلبها يزداد دفئًا، وكأنها لم تكن تسمع مجرد حكايات عن طفولة الرجل الذي تحبه، وإنما كانت تتلقى شيئًا آخر أعمق من ذلك؛ كانت تتلقى جزءًا من عائلة ظلت لسنوات تتمنى أن تجد
ابتسم جاسر، وعادا إلى السير معًا حتى وصلا إلى الباب، ثم مد جاسر يده وضغط على الجرس. لم تمر سوى لحظات قليلة حتى فُتح الباب، وظهرت والدة جاسر أمامهما، وما إن وقعت عيناها على ابنها حتى تبدلت ملامحها بالكامل، وارتسمت على وجهها ابتسامة واسعة امتزجت فيها فرحة الأم بالشوق الذي لم تستطع إخفاءه. قالت وهي تفتح ذراعيها: "أهلًا بك يا بني!" وقبل أن يتمكن جاسر من الرد أو حتى أن يخطو خطوة إلى الداخل، اندفعت والدته نحوه وعانقته بقوة، فضحك وهو يبادلها العناق، ثم ابتعدت عنه قليلًا وأخذت تتفحص وجهه بعينين لا تزالان تحملان قلق الأم، وقالت: "اشتقت إليك، لقد حضرت لك كل أطعمتك المفضلة، ووالدك ينتظرك منذ ساعة كاملة، وطبعًا يتظاهر بأنه لا يهتم وأنه لم يكن ينتظرك أصلًا." ضحك جاسر وقال: "أعرفه جيدًا، سيقول إنني تأخرت، ثم يجلس أمام الطعام ويأكل أكثر مني." ضحكت والدته وقالت: "بالضبط، ولهذا ادخل قبل أن يسمعك ويبدأ محاضرة جديدة." دخل جاسر خطوة إلى الداخل، ثم ابتعد قليلًا عن الباب، وعندها وجدت رهف نفسها واقفة أمام والدة جاسر مباشرة، وكأن اللحظة التي كانت تخشاها طوال الطريق قد وصلت فجأة دون أن تمنحها الوقت الك
مرَّ شهر كامل منذ تلك الليلة التي كادت أن تغيّر كل شيء في حياة رهف وجاسر، شهرٌ بدا لها طويلًا بما يكفي كي تستعيد جراحها شيئًا من عافيتها، وقصيرًا إلى درجة أنها، كلما أغمضت عينيها في لحظة هدوء، كانت تجد نفسها تعود إلى ذلك المشهد ذاته، إلى غرفة المستشفى الباردة التي كان جاسر يرقد فيها شاحب الوجه، محاطًا بالأجهزة والأسلاك. بينما كانت قطرات الدم التي خرجت من جسدها تعبر الأنبوب ببطء في طريقها إلى جسده، وكأن جزءًا منها كان يغادرها ليصل إليه، ثم يعود إليها في صورة حياة جديدة، وكأن الدم الذي حمله جسدها إليه كان يقول ما عجزت الكلمات طوال سنوات عن قوله؛ إن بعض الأشخاص حين يدخلون القلب يصبح إنقاذهم جزءًا من غريزة البقاء ذاتها. وخلال ذلك الشهر، تغيّر الكثير من الأشياء التي كانت تبدو في السابق مستحيلة التغيير، فقد بدأ جاسر يستعيد عافيته تدريجيًا، وعاد إلى حياته خطوةً بعد خطوة، وإن كان الأطباء قد أصروا عليه أن يخفف من ضغط العمل، وأن يمنح جسده الوقت الكافي كي يستعيد قوته كاملة، وألا يتعامل مع نجاته وكأنها نهاية الخطر. بينما استعادت رهف هي الأخرى قوتها بعد أيام طويلة أمضتها تحت المراقبة الطبية. أ
جلس حسن إلى جوار زوجته وأمسك يدها، فالتفتت إليه بسرعة وسألته: "كيف حال الفتاة؟" نظر إليها حسن للحظات قبل أن يجيب: "فقدت الوعي." اتسعت عيناها وقالت: "لماذا؟" أجابها: "لأنها تبرعت بالدم لجاسر." خفضت المرأة عينيها ولم تتحدث، بينما تابع حسن بصوت هادئ: "الطبيب حذرها من أن صحتها ضعيفة، وقال لها إن التبرع قد يسبب لها دوارًا أو فقدانًا للوعي، لكنها أصرت، بل وقالت إنها مستعدة لتوقيع إقرار تتحمل فيه المسؤولية إذا حدث لها شيء، وكل ذلك لأنها أرادت أن ينقذوا جاسر بأسرع وقت." ظل الصمت بينهما طويلًا، ثم قال حسن: "أعتقد أنكِ كنتِ قاسية عليها." رفعت زوجته عينيها إليه، لكنها لم تجبه، فتابع: "أنا لا أقول إن خوفكِ على ابننا خطأ، ولا أقول إن ما حدث لجاسر أمر بسيط، لكنكِ رأيتِ بنفسكِ ما فعلته، ولم تفعل ذلك من أجل أن تثبت لنا شيئًا، ولم تطلب منا أن نشكرها، ولم تنتظر حتى يراها جاسر وهي تفعل ذلك، بل فعلته وهو لا يعرف أصلًا أنها تتبرع له." نظرت المرأة إلى باب غرفة العمليات، ثم قالت بصوت خافت: "لكنها السبب في دخوله إلى هذا الخطر." أجاب حسن بهدوء: "ربما كانت جزءًا من السبب، لكن لا تنسي أن جاسر هو من ا
استيقظ جاسر الشرقاوي على صوت المنبّه عند تمام السابعة صباحًا، ذلك الصوت الحاد الذي قطع سكون شقته الواسعة. فتح عينيه ببطء، لا لأن النعاس يثقل جفنيه، بل لأن عقله كان قد استيقظ قبله بلحظات، مدركًا أن هذا اليوم لن يكون عاديًا. مدّ يده ليغلق المنبّه، ثم جلس على حافة السرير لثوانٍ، يحدّق في الفراغ أمامه
مرّ باقي الأسبوع هادئًا على غير العادة… هدوءٌ لم يبعث في نفس رهف الطمأنينة، بل جعلها أكثر توترًا، وكأن شيئًا ما يُدبَّر في الخفاء. كانت الأيام تتشابه؛ جامعة، صمت، وتجنّب دائم لأي احتكاك غير ضروري مع والدها. وفي صباح يوم الأحد، استيقظت رهف على شعورٍ غريب، كأن قلبها ينبّهها إلى أن هذا اليوم لن يمر
لم تعد الأيام كما كانت. منذ حادثة المطاردة، تغيّر كل شيء داخل رهف… لم يكن الخوف مجرد شعور عابر، بل أصبح ظلًا يلازمها، يهمس في أذنها مع كل صوت مفاجئ، وكل حركة غير متوقعة. بقيت في غرفتها يومين كاملين. ستائرها مسدلة، والضوء بالكاد يتسلل إلى الداخل. كانت تستيقظ متأخرة، أو ربما لا تنام أصلًا. كلما
استيقظت حور في ذلك الصباح وكأنها لم تنم أصلًا. لم يكن هناك كابوس محدد أيقظها… بل كان شعور ثقيل، مستمر، يضغط على صدرها منذ أن فتحت عينيها. ظلت مستلقية لعدة دقائق، تحدّق في السقف الأبيض، وكأنها تنتظر أن يتغير شيء… أن تختفي فكرة واحدة فقط من رأسها. لكنها لم تختفِ. الحفل. تنهدت ببطء وأغمضت عينيه







