ログインالفصل 2
---
ليا
جلست على ممشى البحيرة الكبيرة أراقب المياه، وتفاصيل حياتي الملعونة تمر كالشرائط أمامي... كيف كنت مراهقة ساذجة وقعت في فخ ذلك المجنون الذي دمر مستقبلي بالكامل وجعلني مطاردة من قبل العدالة.
مرت ساعات طويلة وأنا على حالتي تلك، حتى استيقظت من أفكاري على أصوات ضحكات قادمة من مطعم قريب على الشاطئ. نهضت وقصدت المكان بحثاً عن عمل أو مأوى.
دخلت لأجد سيدة في مقتبل الخمسين تضع الطعام للنادليين، فاقتربت منها بتوتر: "مـ من فضلك، أنا أبحث عن المالك."
"أنا المالكة، أدعى هانا"
"اهلا هانا، انا ليا"
"مرحبا بكِ في هامبستيد ليا.."
نظرت لها بابتسامة متوترة وابتلعتُ لعابي قبل أن أسأل وأنا أنظر حولي: "شكراً لك، كنت أتساءل، هل يوجد مكان شاغر لنادلة أخرى هنا؟ أنا أحتاج العمل بشدة."
تأملتني هانا بابتسامة دافئة: "بالطبع، يمكنني أن أجد لكِ مكان معنا، لكن هل لديكِ خبرة؟"
"بالطبع لدي"
وفجأة، امتدت يد من خلفي لتضع قيمة الحساب على الطاولة، وجاء صوته الهادئ العميق: "شكراً هانا، لقد استمعت بالطعام"
أجاب هانا عليه بابتسامة متواضعة: "طعاماً هنيئاً جيمس"
التفتّ بسرعة لأصطدم بجسده الفارع؛ إنه نفس الرجل صاحب العينين العسليتين واللحية المرتّبة الذي رأيته في المتجر!
"اووه اووه، على مهلك يا فتاة"
أردفت باضطراب، "انـ أنا اعتـ اعتذر لم اقصـ لم اقصد انـ"
فابتسم ورفع يده بتهدئة: "لا بأس، لا بأس"
قاطعت هانا الموقف بابتسامة: "تعالي معي، ليا"
ذهبت معها سريعاً، بينما شعرت بنظرات ذلك الوسيم تتبعني. قضيت الليلة أتمرن على نظام العمل وأغتاد على نظام المكان جزلي، وعندما أردت خلع مئزري، سألتني هانا بلطف: "أين منزلك، ليا؟"
ابتلعت لعابي بتوتر، وشعرت كالطفل التائه الذي لا مكان له عند سؤالي لها: "هذ - هذا ما أردت أن أسألك عنه، هل تعرفين أي مكان يمكن أن اقضي به الليلة حالما أجد منزلا غداً؟"
أردفت بلطف وهي تبتسم "يمكنك البقاء منزلي، وصباحاً نسأل السيد آشفورد اذا كان لديه أي منازل فارغة قريبة من الشاطئ؟"
نظرت لها بتعجب، وسألت: "السيد آشفورد؟"
أشارت عند البوابة بابتسامة "إنه الرجل الذي اصطدمتي به منذ عدة ساعات"
رمشت بصدمة وأنا أسترجع تفاصيل اللقاء، لكنني طردت تلك الأفكار حين ربتت هانا على كتفي: "هيا تعالي معي."
---
*لندن، الساعة 12:30 منتصف الليل*
في مركز الشرطة، كان يقف بضمادته الملفوفة بإحكام حول بطنه، ينهدّ ونفسه ينفث غضباً جهنمياً يتصاعد مع كل حركة حادة يصدرها.
لم تهزمه آلام الجرح الغائر، بل كانت تشعل في عروقه نيراناً لا تطغى عليها مسكنات الألم. يدور حول نفسه كالمجنون في غرفة المراقبة الضيقة، يذرع الأرض جيئة وذهاباً، يفرك فكه بكفه الخشنة بينما نظراته المعتمة مثبتة على الشاشات المعلقة.
كان يتفحص تسجيلات الكاميرات التي جلبها بنفسه قسراً من المحطة، ينظر إلى الحشود المتحركة بنفاذ صبر، يعيد اللقطات بسرعة ثم يبطئها بكبسة زر، يُكَبِّر الصور حتى تتضح أدق التفاصيل.
ضرب بكفه على الطاولة الخشبية بقوة جعلت شاشات العرض تهتز، وصاح بنبرة جافة كالسم: "أعيدوا الشريط الأخير! كبّروا اللقطة عند رصيف الحافلات المتجهة للشرق!"
انعكس ضوء الشاشة الأزرق على ملامحه الحادة المتشنجة. وفي زاوية الكادر، لمح تلك القبعة التي تغطي الرأس المبتل، ذلك الجسد الصغير الذي ينكمش بذعر وينسلّ بين الزحام ليختفي داخل إحدى الحافلات المتنقلة قبل إغلاق أبوابها بلحظات... لكنه لم يعرف أنها هي بسبب لون شعرها الأشقر.
لم يكن يفكر إلا في الانتقام؛ كيف جرؤت تلك السافلة على طعنه والهرب؟ كيف تجرأت على رفع السكين في وجهه والاعتداء عليه؟ من الساذج الذي ساعدها؟ ومن أين أتتها الشجاعة لتختفي بهذه السرعة والدهاء؟
وقف أحد الضباط خلفه محاولاً تهدئته:
"سيدي، أنت يجب أن تستريح، الجرح قد ينفتح مجدداً..."
قاطعه بنظرة قاتلة أخرسته في مكانه، وأمسك بطرفه الثوب الطبي تحت قميصه يضغطه بيده؛ كي يوقف النزيف الخفيف الذي بدأ يتسرب للضمادة، ثم همس بنبرة حاقدة تفيض بالموت: "لن أستريح حتى أجدها... تتبعوا كل كاميرات مراقبة المنطقة كلها ، اعرفوا كل محطة تتوقف عندها حافلات الصباح عندها وكل قرية مرت بها. سأصل إليها ولو اختبأت تحت الأرض."
كان عقله السام يعمل كآلة انتقام لا تتوقف، لا يبتغي سوى العثور عليها وخنقها بيده، ليرد لها الصاع صاعين ويذيقها مرارة التجربة اليوم قبل الغد.
الفصل 8---ليابقيتُ مستلقية على فراش جيمس العلوي، أتقلب بانزعاج وشعور بالذنب يأكل أطرافي. كان عقلي يحترق بالتردد والتساؤلات: هل أنزل إليه الآن وأعتذر عن انفعالي وجفائي؟ أم أترك الأمر يمر وكأنه لم يكن، تجنباً لمزيد من التوتر؟مرت الساعات ثقيلة وخانقة حتى انقضت الليلة ، ولفت هامبستيد شمس يوم جديد.استيقظتُ بنعاس، ونزلتُ درجات السلم بخطوات خافضة أبحث عنه في أنحاء البيت، لكنني لم أجد له أثراً. لم يكن هناك سوى طبق فطور دافئ أعده بعناية ووضعه على طاولة المطبخ، وبجانبه ورقة صغيرة مطوية.سحبتُ الورقة بإنهاك وفتحتها لأقرأ خط يده الأنيق:*(أنا أعتذر عن تطفلي بالأمس، لا أريدكِ أن تشعري بالانزعاج بسببي إطلاقاً. لقد ذهبتُ إلى لندن وسأعود غداً.. يمكنكِ البقاء في المنزل بحرّية حتى أعود وأقوم بإصلاح الباب... جيمس.)*اعتصر قلبي ألم خفيف؛ وسرت في حلقي مرارة حزن لأنني لم أنزل بالأمس لأعتذر منه وأشرح له ما أعيشه. تناولتُ الفطور الذي أعده لي والابتسامة تتسلل إلى شفتي رغماً عني... كيف لشخص أن يكون بهذا اللطف والرقة رغم كل القسوة التي قابلته بها؟ذهبتُ إلى الغرفة الخلفية ذات الباب المكسور، جمعتُ بعض ملاب
الفصل 7---ليادخلنا المنزل سوياً، وسارع جيمس بإضاءة الأنوار في المكان ليمنحني شعوراً بالأمان والاطمئنان. لمح ارتجافة جسدي الخفيفة أمام عينيه، فلم أكن أرتدي سوى شورت قصير وتيشيرت بدون أكمام، فجلب لي غطاءً دافئاً ليلفه حول كتفي بلطف."الجو يكون بارداً هنا في المساء... هل تشربين شيئاً ساخناً؟"تلعثمتُ بحرج وأنا ألف الغطاء حول جسدي: "لا أريد أن أزعجك..."ابتسم برقة وهو يهز رأسه: "ما بكِ يا فتاة؟ إنه مجرد كوب قهوة، أم أعدها لكِ شوكولاتة ساخنة؟""شوكولاتة ساخنة من فضلك..."ابتسم ودخل المطبخ، فلحقتُ به ووقفتُ عند حافة الطاولة أراقبه وهو يعد المشروب باحترافية.لم أستطع منع عينيّ من تفحص الجزء العلوي العاري من جسده؛ فقد خرج مسرعاً دون قميص، فتسمرت نظراتي بشرود على الوشوم الدقيقة التي تحتل مساحات متفرقة من كتفيه وجمال ذراعيه المشدودين.سألته بخجل محاولةً كسر هذا الصمت:."ألا تشعر بالبرد؟"نظر إلى جسده العاري ثم التفت إليّ بابتسامة دافئة:"لا، جسدي معتاد على هذه الأجواء."ناولني الكوب المشتعل بالدفء، وجلسنا سوياً عند طاولة المطبخ لنرتشف المشروب في سكون الليل."أنت تصنع مشروبات رائعة حقاً، سيد ج
الفصل 6---لياخرج جيمس وتركني بمفردي في الغرفة، لأسقط على طرف الفراش بتنهيدة ثقيلة يملؤها الإرهاق.كان صدري ينقبض برهبة وخوف جارف من فكرة الاقتراب من أي رجل آخر بعد الكابوس المظلم الذي عشته في لندن. بمجرد أن يخيم السكون، تنفتح أبواب الذاكرة رغماً عني ، لتستحضر تفاصيل تلك الليلة المرعبة بكل قسوتها...---"كايت...""أوه حبيبي، أتيت؟""أجل، انظري ماذا جلبت لكِ؟"أعطاني داني حقيبة أنيقة، فتحتها لأجد فستاناً أسود قصير بكتف واحد ، مطرزاً بالخرز اللامع حتى الخصر، بينما نصفه الآخر مصنوع من القماش الجلد الناعم."واو... إنه رائع حقاً، داني!""أريني كيف سيبدو عليكِ إذاً؟"دخلتُ الغرفة لأبدل ثيابي وارتديته، وحين خرجت وجدتُه يعد السفرة. أقبل نحوي بابتسامة يملؤها الإعجاب وأمسك بيدي:"تبدين رائعة يا حياتي.""حقاً؟"انحنى وقبّل عنقي بقوة وجنون: "بالطبع..."شعرتُ بأسنائه تعض على جسدي بحدة، ليجتاحني الانزعاج فوراً ، لقد كانت هذه طريقتَه المعتادة؛ يبدأ بالملاطفة والتودد، لينتهي بي المطاف مكبلة ومقيدة على الفراش حتى الصباح تحت رحمة قسوته.ابتعدتُ عنه بهدوء يحاول كتم الخوف: "لقد حضرتُ لك عشاءً لذيذاً."
الفصل 5---جيمسعدت إلى غرفتي العلوية بعد جلستي الطويلة في الشرفة، وجلست على طرف الفراش أخلع حذائي ببطء. سكنت عيوني على النافذة الزجاجية المقابلة تماماً لغرفة الضيوف في منزل هانا. أُضيئ النور هناك فجأة، وبغير قصد مني، وقع بصري على تلك الشقراء الذابلة ذات العينين الزرقاوين الساحرتين وهي تبدأ بخلع ملابسها الشاقة.جلستُ مشدوهاً لثوانٍ، قبل أن أبتعد عن النافذة بسرعة بابتسامة خطفتها من ثنايا الذهول، ثم أعدت نظري في غواية غير متوقعة لأجدها تقف بملابسها الداخلية فقط.تنهدت بعمق، متفادياً التلصص، وأطفأت نور غرفتي كلياً؛ كي لا تراني أو تتنبه لوجودي في العتمة. لم أكن لأحاول إنكار الأمر بيني وبين نفسي؛ لقد أعجبتني بلا أدنى شك، ومنذ اللحظة الأولى التي رأيتها فيها تلتحف الذعر عند موقف الحافلات. إنها من ذلك النوع المفضل لدي تماماً... شقراء بنكهة الغموض والهشاشة التي تغري بالتحدي.همستُ في نفسي وأنا أتأمل قوامها المتناسق من خلف الستار الخفيف: "يا إلهي... هذا الجسد بإمكانه إيقاف شاحنة كبيرة عن مسارها!"وفجأة، انتبهت هي للنافذة المفتوحة خلفها، فسحبت الستار بسرعة وجنون وهي ترتجف خوفاً، وكأن ذعرها انت
الفصل 4---لياأدخلتني هانا إلى منزلها الدافئ، ورافقَتني إلى الغرفة التي جهزتها لي بعناية. كانت الغرفة تفوح برائحة الزهور الناعمة، والفراش المرتّب يرتسل بالدفء الذي افتقدته لليالٍ طويلة.نظرت إليّ هانا بابتسامة حنونة وسألتني: "هل تريدين شيئاً آخر، ليا؟"ابتسمتُ لها بامتنان صادق وقلت: "لا، هانا، شكراً لكِ... أنا حقاً لا أعلم ماذا كنت سأفعل بدونكِ لولا لطفكِ معي."ردت برقة: "لا بأس، أنتِ مثل أختي الصغيرة تماماً."تأثرتُ بنبرتها وسألتها بتفضّل: "أوه... هل لديكِ أخت؟""أجل، هي في مثل سنكِ تماماً وتدرس في أكسفورد."انشرح صدري لسماع ذلك وقلت تلقائياً:"هذا رائع حقاً! لقد درستُ أنا أيضاً في أكسفورد."تطلعت إليّ باهتمام وسألتني: "حقاً؟ هل عائلتكِ تعيش هناك إذاً؟ وكيف انتهى بكِ المطاف هنا في هامبستيد بهذا الشكل المفاجئ؟"تجمّدت الدماء في عروقي لثانية، وانتابني ذعر خفي؛ إذ كيف لي أن أخبرها بالكابوس المظلم الذي فررت منه ليلة أمس؟ كيف أصارحها بأنني طعنتُ رجلاً مجنوناً يطاردني، وأن الدماء كانت تغطي كفّي، والشرطة تبحث عني في كل مكان؟أخفضتُ رأسي ونظرتُ إلى الأرض بابتسامة حزينة، محاولةً استحضار قص
الفصل 3---هامبستيد، الساعة الواحدة صباحاًجيمسكان الهدوء يلف هامبستيد بسكون تام ومطبق، هدوء لا يكسره سوى صوت أمواج البحر المتلاطمة بعيداً على الصخور، ونشيج الريح الخفيفة التي تلفح وجهي المرهق.كنت أقف في شرفة منزلي العلوي، أضع يدي في جيبي بينما الأخرى تدير سيجارة مشتعلة، ينبعث منها دخان رمادي يتصاعد ليتلاشى في عتمة الليل الشاسعة.كان جسدي يطالب بالراحة بعد يوم طويل وشاق؛ فقد قضيت نهار اليوم بأكمله قيادةً في زحام لندن الاختناقي لأجلب شحنات المعدات، الأدوات وبذور المزارع الخاصة بأهل القرية والمطاعم. عدت بظهر يئن من التعب وعضلات مشدودة، ولم أكن أبتغي سوى الجلوس في منزلي الهادئ واحتساء شرابي لترميم ما أفسده إرهاق الطريق والعمل المتواصل.فهامبستيد ليست مجرد قرية ساحلية عادية؛ إنها ملجأ لأصحاب النفوذ وأثرياء المجتمع الذين يفرون من صخب المدن ليختبئوا خلف أسوار قصورهم الفارهة ومزارعهم الممتدة.الجميع هنا يمتلك حسابه المصرفي الخاص، سيارته الفارهة، وعنوانه الثابت... الجميع معروف، والوجوه هنا معتادة لا تتغير ، وكل غريب يدخلها ينكشف أمره في غضون دقائق.لكن الليلة، ورغم إنهاكي الشديد ، كان هنا







