Home / الآخر / تخاريف / تخاريف الفصل 14

Share

تخاريف الفصل 14

last update publish date: 2026-07-08 23:47:52

يسكت ويستقيم ثم يبدأ في الكلام:

-"أأبدأ في الإنشاد؟ "

-"إن منبتي أنقى من صاحب المقام، قد أنشد فأملك داره، فأغدو صاحب الكرامة، ومقصدا، فأنا العائد بعد التطهّر." 

"إني ملاقي الحقيقة هاهنا حيث غريمي."

هاتفه أخرس، انعقد لسانه عن الكلام فصيّر نفسه أبكم وكذا جذع النخل الخاوية والصخرة الصمّاء لا تحرّك سواكنها.

-"لقد باعوك فاشتروا لأنفسهم سيدا. "

"نزعت عنك هالتك وقداستك. "

يصرخ:

-" حيّ، إني شبيه إنسان ".

" حيّ، لست مثلي تجرّد وتطهّر، ففرّت منه شياطين الإنس والجان"

"حي، لا مسكن لك ولا مفرّ، فإن أردت أخلد مكانك فتكون الراقد منزوع الكرامات"

"حيّ، إنك ميّت، وإني لك خليفة أكتب بدل القصة ألف قصة وإنك على الهامش"

يهتزّ لحاف أخضر بقوّة شديدة، تصلّب وهو رخو وتمدّد ثم تقلّص، كأنه يرقص من صدى كلمات لا معنى لها إنه أبعد من أن يكون وحي يوحى.

 أضغاث أحلامه عادت إليه.

-" لحاف به روح؟ وما الغريب فقد صوّرت لي هواجسي عصا تتحرك وتحدّث. إنها مسكونة أو مسيّرة لتقصّ عليّ قصّتها، أو لتذكر لي أني أنا من يقبع على هامش القصة. وأنّ للمقام حرّاسا وسدنة، وأنّ فيهم من يسقي، وفيهم من يطعم، وفيهم السجّان، إن عصيت وزدت في طغيانك وعماك وانفلت عقالك فعثت فسادا يكون لك سجّانا وسيّدا"

يذكر السجّان وإذ بالباب يوصد محدثا طنينا وصفيرا مخيفا فيفزع ثم يهدأ.

-" إنه متهالك معوجّ لا يثبت"، وماذا عن ذاك اللحاف إن به تصلبا لم نألفه في القماش ومادة صنعه؟" 

-"أأرحل؟"

 شكّ يزحف فيتوجّس خيفة من مصارعة أحد السّدنة.

حدّثه بعضهم قديما عن تلك الشّعوب سدنة المقام، حدّثه عن كبيرهم وصغيرهم.

يقول:

'إن صغيرهم فتيّ له قطعة حديد يعلوها سنان، كسوته حجر صوّان، وشرابه مغلّى بشطط، طعامه يجترّه ليلا فيتطاير شراره.

وأوسطهم خلق من حجر صوّان، وحديد صلب ترى جمره وتسمع صليله يدوي.

 وأكبرهم تلمح في وجهه عطش وبه نهم وعليه جسم شياطين هامة وعين لامّة، ومشية تزلزل فتصيب في مقتل، إن هوى ضرب فأدمى، وإن أمسك له سهام لحظ تضرب فتدمي'. 

هكذا هي فصول الرواية، نقلتها ألسن طيبة فصدّقنا قولهم حياء. فيهم من تعلقت روحه وذابت فتخمّر وقال مناجيا:

'إني نذرتك للمقام وإني وهبتك للحقيقة قربان' مخاطبا كيانه المسلوب طوعا.

اشتدّ به العناد فراح يتفقّد المقام ملتمسا تلك الشموع التي يحكى أنها تجلب للتبرّك، سيشعلها ويتجلّى له الأمر إن كانوا هنا حقا، أم خرافة؟ بالأمس كان يسلّم أنها خرافة، واليوم أصابه شكّ يذهب ما بقي من عقله.

يضيء شمعة أخفتها يد عابدة لتهب له نورا ضئيلا فيسعد.

يوقف كلّ ظنونه، ويستكين للحظة... يرمق المقام برمش خافت، ويرمق ذاك الشّال الأخضر لينظر حقيقة تصلّبه.

يطيل صمته وتطول استكانته مثل المسافر يترقّب راحلة.

'صوت عواء يتردد صداه. 

ذئاب!؟

- "إن العواء بالدّاخل" يحدّث فيقول:

-"إنه صوت فحيح وكشيش أسفل التابوت، أهي عقارب تبعث نواحا، وتحرّك عناقيدها؟" 

" نعيق أطائر البوم غيّر عادته وميقاته فأطلّ صباحا؟ "

" مأمأة تتردّد... إنها الذبيحة تستعجل ناحرها"

"ونباح في الجوار. أخ الإنسان وحارس غنمه يحطّ الرّحال يطلب حاجة. "

" همهمة وصلصلة ثم جلجلة. ليس في السماء سحاب، أهي إشارة؟" 

"فرقعة، أو صاعقة أو هزيز، أهي شهب تنزل أم أصوات حجزت بين مطرقتين فأحدثت فعلها؟ "

تهدأ العاصفة وتستكين النفس بشيء من الحذر القلق، كل الأمور تعود لحالتها الأولى، لا تسمع دويا ولا صوتا، لقد هجع المزار وعمّ سكونه. اطمأنّ وأنس المكان فأمن ثم تمدّد. 

به ثقل في الرأس، غلبه النّعاس فنام قرب صاحبه.

لقد غاب عن وعيه، حتى الأحلام غادرته، خلت روحه من هواجسه. لقد ألقى بها في خانات منسيّة في هذا المقام، وكأن سحره قد فاض فأغدق عطاياه على غريم يطلب عرشا. 

تواصل نومه وهو يجهل كم مضى من وقته وهو يجاور المقيم هامدا لا يتقلّب.

تمضي الأزمنة تطوي محطاتها وتتسارع بجنون وهو ممدّدا على حاله.

إنه لا يسمع ولا يرى ولا يتكلم، لا يفكر أو يحلم حتى. 

أحسّ ببرودة الجوّ فأخذ يتقلّب ويضمّ أطرافه وقامتيه. يرفع يديه ويسحب اللّحاف المعلّق يغطّي به بعض جسده فيشعر بشيء من الدفء. دفء وتخاريف، إنه النائم المتلحّف بشال المعشوقة المهجورة.

تعود الأصوات الغرائبية إلى نقر المسامع، وتحت اللّحاف إنسيّ يتلوّى ويضطرب. كأنّ به مسّ من الجنون.

دنت الأصوات وانقشعت عشوائية ترتيبها ونطقها. كلمات واضحة تخرج من أفواه فوق رأسه، وعلى يمينه أكثر من شماله. حركتهم نشطة. كل كيان فيهم يعلم مقصده وفعله. بدأ اللّحاف يضيق بصاحبنا مثل المعتصر، إنها تلفّه لفّا حدّ الاختناق، وتقيّد حركته فلا يقوى على النهوض. زاد دفء مرقده واشتعل، إنه ظامئ في قيظ فيافي لا تنبت الزّرع.

أصابه تعرّقا شديدا، وشلّت حركته فاستسلم. 

يسمع صوتا ‘يمّنوه قليلا'.

تبرد مفاصله وترتعد فرائسه بعد حرّ أصابها، وتغادر الشمس الدّانية مكانها، ومعها ريحها ولهيبها فتلين النسمة وتستقرّ طيّبة.

 ينادي مناديا:

' ناولني "كلّوبا" من حديد فإنّ جوفه مريض معتل. أو هو مذنب ينشد طهارة؟ '

تسري في عروقه رجفة. إنّه زمهرير يلفّه صقيع يوم كسيح. يسمع مناد صوته أنعم من صاحبه.

' لا ليس "كلّوبا" من حديد، إني أدّخره لذاك التّنور'.

 اطمأن قليلا دون أن يسأل ما التنّور.

 يعود المنادي ويقول:

 'إن كلّوب الحديد يخدش ويعظّ، وإن صاحبنا يريد طهارة كبرى، وأمّا التنّور فناره ملتهبة تخمد قليلا لترسل بعدها ألسنة ترفع المتطهّر إلى أعلاه فلا يبلغه، وإن بلغه يردّه إلى قعره من ضيق مخرجه فيصطلي بدل المرّة ألف مرّة. لا يحتاج أن ينزع ما فسد تواترا، فداخل التنّور تنزع دفعة واحدة. '

ترتعد مجددا فرائسه، إنه يغلي ويصطلي قبل إلقائه داخل منزله، فيسمع مناديا هو ثالثهم وحكيمهم وكبيرهم.

' أرخ اللّحاف قليلا' فيفعلوا.

يلوّح بيديه يأذن بقرع صوت الدّف فيفعلوا.

'انحروا خروفين أقرنين' هكذا يأمرهم فيفعلوا.

'قل للمعشر خارجا أن يولموا' فيفعلوا. 

تتأجج الحركة وتعلوا مخارج الأصوات بكلام لا يفهم. الكل منشغل بمشغل.

يواصل في الداخل المنادي الحكيم عمله فيأمرهم أن يطفئوا ضوء الشّمعة فيفعلوا.

 تسودّ بعد نور. أمرهم أن يمدّد على ظهره في استقامة فيفعلوا، ثم أمرهم أن اصطفّوا يمينا وشمالا فاصطفوا، فأمن ثانية فالاصطفاف عادة إما يمينا أو شمالا.

'ائتوني بنار ' فيفعل صغيرهم.

يصمت الجميع وسط كوكبة دخان تصعد للسماء بريح أطيب من المسك. إن ريح العطر لا تخرج من عند فاجر فيأمن.

يفرغ حكيمهم من تمتماته ثم يأمرهم أن حوقلوا في استدارة، وأن يسدّوا المنافذ كي لا تهرب أرواحه الخبيثة تطلب جسدا غيره.

تنطلق أصواتهم خفيفة تكاد لا تسمع. إنشاد لا تعي معناه تطرب الروح لوقعه تعلوا الأصوات فتعلوا. تدوي فتربك، فتفزع الأنفس لتعود إلى حالها الأول بأداء خفيف لا يسمع، فيتكرّر الفعل وهم على ذلك حتى صاح مناديا أن الموائد قد نصبت فلبّوا على عجل تاركينه حيث مرقده.

يحاول عبثا أن ينفض عن نفسه غبار نهاره، ويتخلّص من رداء لبسه استعاره من صاحب المقام ليتدثّر 

تعود الفرقة إلى الإنشاد دون كبيرهم. لقد استكانت روحه له فماذا يصنع؟ 

يحسّ بخطى تقترب من رأسه، وشيء يثبّته فلا يقوى أن يزحزحه صوب يمين أو شمال ويستنشق ريحا غريبة لتختلط عليه الأمور فلا يميّز بين طيبها وفاسدها. 

أحسّ بيد من تحت اللحاف تتسحّب تحمل تلك الرائحة. يمررها على وجهه بلطف فعاوده الشعور بلمسة حنونة غابت منذ زمن، ثم مررها أعلى رأسه بقوة حتى كاد يفصله عن جسده، وكرّر فعلته أعلى صدره يمينا، فغفى غفوة من تحت غفوة تريح الجسد وتمسح كدر النفس، ومررها شمالا، فإذ به ينتفض، فهي تلمس قلبه من الداخل تحرّكه دون شفقة.

يكفّ المنادي الحكيم ويقول:

 'إن به علّة جهة اليمين، فشماله ينبض حياة ولم تمسسه الشرور، نداوي يمينه فيبرأ' 

_ وماذا نصنع له؟ يحدث مناديا من شماله.

يردّ الحكيم:

 'أما أنتم فارحلوا آمنين، وليبقى من هم على يمينه فلنا يوم يطول. '

فيسأل مناديا على اليمين.

_ وماذا نصنع له؟ 

'لا تستعجل أمره، إن شطره فاسد، فلنحضر عدّتنا نفصل نصفه عن أخيه'.

يفزع من تحت اللّحاف ويعتصر كلماته، ليخبر أنه ليس صاحب المقام، ولا وارث الشال الأخضر، فتنحبس داخل جوفه.

يسمع المنادي الحكيم ينطق شهادة غريبة لم يعهدها ولم يسمعها من قبل لا من عند أجداده، ولا من عند معلّمه زمن الصّغر، ولا من عند من أورثوه علمهم، ولا من عند إنسيّ يمشي على الأرض.

تخبّطت روحه فهو في ضيافة مجهولة المنشأ، فحتى عشيرة الجنّ تنطق ذات الشهادة التي علم منبتها وأصلها ورددها فحفظها، فمن يكون؟ يسأل نفسه سؤالا حبيس اغوار نفسه.

يعيد نطق الشهادة فلم يظفر بكلمة يتدبّر معناها.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • تخاريف    تخاريف الفصل 22

    يدنو بعضهم... لا يكلّمني منهم أحد... طرحوني أرضا، ومدّدوني، وقوّمي اعوجاجي... ثم تدنو مني بعض النسوة تحمل كل منهنّ لحافا... لا تسمع لهم كلمة تعي بها مقصدا.... وبعدها حملوني وساروا في جوف اللّيل وعيني شاخصة أرقب حركة مسيرهم ووجهتهم... طابور يسير خلف حاملي جسدي، لا أحد يردّد قولا، ولا يخطئ صغيرهم فتصغي إلى قول مسروق، ولا ترى إشارة... لا بكاء أو تحصّرا وألما.... ولا شفقة.... ولا تذمّرا... ولا ابتسامة بريئة أو ساخرة أو ماكرة... لا دمعة تسيل... يختفي الإنشاد والذّكر وتحجب التعويذات... ويقبر حوار شبيه الإنسان بالسراب والأطياف والخيالات والجماد والحيوان.... مشيتهم منظّمة، لكنها ثقيلة...يلحق بهم صاحبي المجنون فيأخذ مكانه، نقلت نظري إليه أترقب جنونه... انتظرت أن يطلب سيجارة أو رغيف خبز أو يردّد أن لبّيك قادم...إنه لا ينطق... إن حاله أفضل... يواصل الحشد حملي... أطلق بصري للوراء فإذ بالكلب الأبيض يلحق من الخلف ومعه معشر الدود وكبيرهم... وعصا لا تبدو يابسة كآخر عهدي بها تسير محاذاتهم، وخيالات تحاذي أشجارا قرب المسلك تتراقص كعادتها.... وقطع متزاوجة بين بياض وسواد تفيض على المكان فتضيء بعضه وتزيد

  • تخاريف    تخاريف الفصل 21

    -"وهل توقفوا؟ "_'لا بل زادوا... أخبروني أن الدّماء داخلي سائلة مميّعة، وأن تجمّدها سيريح وجعي، فوضعوني داخل مخزن تبريد به ثلج كثيف... أخرجوني مثل قطعة جليد، وأخبروني أن الماء السّاخن يريح علّتي ويعدل حالي، ففعلوا حتى اصطلى جسدي... ثم خرجت من عندهم إلى داري ...'-"وهل صرت على منهج غير ما تعلّمته؟ "_'قلّبت نظريتي غربيّها وشرقيّها، فوجدت الإنسان كيانا كادحا، يكافح لغاية مبدؤها ثروة وعدالة... '-"وكيف يحققها...؟"_'بثورة على الحاكم والكفر بمنهجه... '-"هي نفس الفكرة الأولى هل زاروك ثانية؟ ... "يطيل النظر إلى الفتى ويقول... _'نمت في زنازينهم ليالي، وأطعموني ماء مغلي ممزوجا بشيء مسموم، ورغيفا يابسا أو قل حجرا من سجّيل... وغطوني بلحاف من أشواك وعيون... ورأيت كرمهم حين تصافحني يد سجّان محكوم بنار حقد على كل مخالف بالعدل مسكون... ويلقي بي حيث سراديب بها عقارب وسموم تأكل من نصيبها علّي ألاقي سميعا عليما... ''أتعلم أنهم أعدموا أبنائي؟ '-"أي قسوة تلفّهم؟ كم أعمارهم؟ "_'منهم ابن البارحة، ومنهم من يبلغ المائتين أو تزيد ...'-"ماذا تقصد؟ "_'هي كتبي أعدموها، وجهل حارقها أنها محفورة في هذا الر

  • تخاريف    تخاريف الفصل 20

    عاقل من ينعتك مجنون... فيصيب حزنك وشجونك...ويجبرك أن تختار بين جنونك...أو قطع رزق من يطعمونك"...ثم ينظر إلى تلك المصابيح فيحدّثه شيطانه أن يجمعها حيث ركن ويغطّيها فتذهب تلك الأجسام صاغرة يلفّها غطاء لا تبرق ولا ترقص فيه ولا تنشد... فيفعل ويغادر ضاحكا نحو غايته...***انشطر روح الحي نصفين... عتيق وجديد... بيوت بدأت تطلّ بجدرانها القديمة... تنسج خيوط الماضي بدقّة... إنها قصص منسيّة تعاند الأزمنة...تتدفّق فيه صورة نسيها وانسابت خواطره تتدافع... تفرّ من سكونها إلى حركتها...إنها ليست بالبيوت... إنها حياة... إنها أرواح وذوات بها عيون ووجوه وشفاه... إنها تنطق وتسمع... تكتم سرّا وتفصح حين السؤال وتريح عند الكدر... بيوت تداوي العلل وتشفي وتحيي...يعبر أزقتها... أي خراب قد أصابها؟ من شقّ جوفها؟ ...هذا بيت الطّيبة، وذاك منزل المؤذّن، وهناك بيت العلاّمة... وفي آخر الزقاق الأم الكبيرة... وفي الوسط بيت القائد هكذا كانت ألقابهم ...يقف عند بيت القائد ... بيت متواضع لدارس علم ومعرفة ومثقّف لا تملّ محاورته... يطرق فكرة فيسرد معناها، ويشرح جوهرها، ويعطي بديلها، ويستدلّ بحججه فتقنع... ثم يواصل فيبس

  • تخاريف    تخاريف الفصل 19

    نلفّه بقبس ... ونخيطه دسائس... نلبسه وجه عابس... فلا تجزع إن أسرف... بضربك أو نهرك ... أو طردك من مجلس... أو قهرك عند المحن... أو دفعك بقسوة ... والشك فيه قابع ... يصفك بفاجر ..." تهفت قليلا وبه شكّ يحدّثه أن الإنشاد لحلقة ذكر هناك عند الحي وأنّ صداها يسمع.... تتدافع الأصوات كتدافع لعبة الأبيض والأسود المعلّقة أعلى قبر شيخ الكرامات فتقول محدثة بعضها... _'أتراه؟' 'لا هو في الجوار... ' _'اتسمع صوته؟ ' 'لا إنه أخرس... أو سكت كي لا يفتضح أمره ' يحدث نفسه سرا... -"إنها قطع من نور وظلمة وإنها ضريرة " يتواصل الحوار... _'أبه رائحة؟ ' 'أجل به، وإني عائد إلى حيث الكفن، لأسأل خالقي يدلني فالعطور تتشابه.... ' _'اذهب، ونحن هاهنا باقون وإن له لممسكين ' في سرّه مجددا... -"لقد اقلعت عن العطور مذ شددت الرحال إلى تلك المنازل.... هذه واحدة أغنمها بعد مشقّة... " تواصل تلك المصابيح رقصاتها وتواصل قطع السواد مناجاة رديفتها.... ليأتي مبعوثه حيث الكفن... _'نعم إن به رائحة... ' 'وكيف تكون؟ ' _'ليست عطرا... ولا مسكا ولا عود ندّ.... إن به عرقا' 'كيف يبدو؟ ' _'لم يفسد' 'وم

  • تخاريف    تخاريف الفصل 18

    فعل فعلته، ومرّر عليها كبريته لتشتعل، فيسحب دخانها الكثيف متسلّلا إلى رئتيه فيطرب عقله.... يعيدها متواترة ... ينظّف ويلفّ، ويشعل ويسحب دخانها... ثم يكتفي... لقد صار أفضل... يواصل سيره بعد فسحة صغيرة، ويرقب صامتا تلك المسالك... إنه يطلب راحة... ليس التّعب بل شعور غريب بشيء تسلّل إلى أعماقه يقضمه.... يلوح في الجوار جدار قديم بزاويتين، تقدّم وآوى إلى ظلّه ينشد دواء... يتّكئ... ثم يتمدّد... به ثقل وارتعاش... يعاوده ألم الرأس، وفي عينيه دمع ساخن يخرج منسابا... أصابه تعرّقا زاده في ارتعاشه، فأخذ يطقطق أسنانه دون توقف.... يغفو أو ربما يكون قد أغمي عليه، فدنت منه غيبوبة لا يعرف مداها... إنه محموم من ليلة صقيع ممطرة... لا يد آدميّ تعالجه، ولا جار أو عابر سبيل يعثر على جثّته إن أخذته يد المنيّة غيلة.... يئنّ طويلا، ويخلد إلى كوابيسه اللّعينة وأضغاث أحلامه.... تمرّ أمامه أحداث متلاطمة تعيد شريطا من الحكايا إلى الوراء... يرى منها طيفا... وأحيانا يسمع كلمة، أو إشارة متكلّم ... يقف به حلمه الممزوج بالحمى عند ليل كسيح ... لا رغبة له في الأحلام.... فنفسه متثاقلة عزوف، وبعضه يأكل بعضه بلا شفقة،

  • تخاريف    تخاريف الفصل 17

    -"بسطوة النار، وحكم لهيبها، وبحق الحقيقة، وصوت الحقيقة، لأجعل منك قصّة إنسان بدل شبيه إنسان...."تغرق نظراته في التحديق بالعاشقين.... إن بعينيه بريق تتدفّق منه نارا حامية، وإن بلسانه كلام يثقله شربه، وإن به حركة معطّلة يتربّص بها صائد ملذّة....تسري في هشيم وحطب، فتزيد توهّجا، تحرّكها ريح شرقية تأذن بليلة ملائكية.... تتراقص ألسنتها فتحرّك الأطياف الجاثمة القابعة على مقربة منه...فينطق مقاله ...- "لقد بدأت في الاحتفال... مرحى برفقة تؤنس جمودي... إني لا أبالي بقول شيخ يدّعي أنه حكيم... لن أقلع عن حديث الإنس والجن، وخلائق الأكوان صلبها ورخوها، فإني مثلهم جسد ينشد طرب النفس، فأكون ظالما إن تركت... لن أترك أمرا كنت له طالبا ولو صرت بدل المجنون ألف مجنون...""لن يعاتبني قريني، فإنّ به رغبة تسرق بعض من روحه... وتزرع نطفتها في غير ذي أديم، فتنبت بغير ذي جبلّة..."يستقيم ويبسط يداه مثل منشد... يطلق كلمات تدعو صحبه أن ...-"اجتمعوا... فلي قول إن حفظتموه سلمتم، وإن أدركتموه وتدبّرتم معانيه ملكتم أرواحكم وآمنتم قسمتها بين لصّ وحاقد وحاسد وظالم وواعظ ومرشد وصادق... وإن أنتم ردّدتم قولها في ليلكم ت

  • تخاريف    الفصل 6

    يغادر المكان، يعاند خطواته ليقف عند مفترق طريقين يعلمهما جيدا، أوله سهل منبسط مختصر يخلو من الالتواءات، وثانيه طويل، به مضيق مضن، وفيه تعرّجات تحاذي المنازل المتناثرة المتباعدة عندما تسلكها تقف عند بقايا آثار قديمة لأناس حيكت عنها أساطير تطرب الأسماع. لم يفكّر طويلا، إن به رغبة مبطنة تقف دونه وبلوغ

  • تخاريف    تخاريف الفصل 5

    يخرج من البيت المتآكل ويشيّع بصره نحو جذع شجرة يابسة قست عليها الطبيعة منذ عقود ونخرها دود الفناء فأفسد عرقها واجتثّ نضارتها. اسودّت وتشقّقت وفتحت خدوشا تلفّها لفّا مميتا. كانت كذلك منذ زمن. لم تنبت يوما ولم يفكّر أهلها في اقتلاعها. هي شجرة عجوز سردت عنها حكايات غريبة عن حسناء ألفت لقاء وليفها خفية

  • تخاريف    تخاريف الفصل 4

    يسدل اللّيل ستاره... لم يحدّث جليسه هذه المرّة، فكلاهما مسافر يبحث عن رفقة ضائعة.صارت النّار رمادا. يمزّق قلبها بقايا دخان وقطعتين من الجمر تميلان للانطفاء. كأنّهما عينان أعيتهما الصّحوة الفاقدة للغفوة. نعم تبدو كذلك، يقلّبها فتتوارى ثم تعود لتظهر. تغمض وتفتح. يعيدها فتفعل ما فعلته في صنيعها الأوّ

  • تخاريف    تخاريف الفصل 3

    يعبر المنحدر ليجد نفسه وسط الوادي تحيطه شجيرات يانعة ريحها عطرة. تحرّكها نسمات تبدو باردة. لا تؤذي، باردة لا تقسو. ينزع الحذاء ويضرب بخفّيه الرّمال الرّاسبة. يتلذّذ وقعها ودغدغتها، كأنّه يريد أن يجذب الأحداث للوراء قليلا حيث الرّفقة الصغيرة وحيث لحن الطّفولة. اقترب من جرف به استدارة، لا يزال يحتفظ

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status