LOGINتفرّ جماعات يمينا وشمالا، تغالب العقل وتأمن للوسواس، فتزدحم وتتدافع هربا من نطق النهاية.
إنّ شيطانه قد غلب فرمان الزبانية فصنع لنفسه مخرجا، فعاد من هناك إلى هنا. لقد عاد من أقاصي جهنّم زاحفا، حاله كقطعة خشب أكلت النار بعض أطرافها، واسودّ لونها. ثقلت خطاه وهو يلمح سرابا أو أشبه بالسراب، تحنّط برهة فإذ بالرائحة لا تشبه ذاك الشواء الآدمي الموضوع داخل تنّور تُوقَد ناره بوتيرة أدقّ من عقارب الساعة. كأنها أرضه الأولى، يطيل النظر بعد أن اعتدل في جلسته، ويمسك بيده حفنة تراب يتحسّس رائحتها فإذ هي أديم أرضه، فأيقن أنه عاد من جديد إلى بلده بعد هروبه من الحساب. مشى وهو يتحاشى نظراتهم وتلويح أياديهم تشير إليه. نعم إنه فلان. كيف؟ أَلم يمت؟ أَلم نحضر جنازته؟ أَلم نطلب له المغفرة عن زلّاته وأفعاله؟
تسارعت خطاه حتى بلغ مدخل داره فتكشّفت هيئته لتتمازج المشاعر وتتناقض بين ساخط وراغب، ومذهول وخائف، ومستبشر بغد أفضل، ومتشائم من قادم مقيت.
تربّع على عرش مملكته الصغيرة مجددا، وأثنى اليمين أن يقطع مع صنيعه الأول خوفا وموعظة من لسعات جهنّم في العالم الفوقي. خرج واستنشق نسمات باردة ليعلن بداية رحلة التوبة الكبرى. كيف لا وهو العائد من منازل جهنّم وأبوابها المخيفة، صارع الحياة وثقلها، واستقام وصلىّ، سعى في الأرض يشقى وخلع أثواب الخسّة ما يظهر منها وما يخفى. كيف لا وقد أكلت لحمه نارا زادته سوادا بعد حمرة.
بدت ملامح الزمن تكشف عن صنيعها الأغبر، وزاد شطط ظلم السائس والعسكر، واشتدّ الجوع ووهِن العظم، واستشرى الفساد من ذوي السلطان وأهل الورع وأئمة المساجد ومشائخ الافتاء فضاق الحال، حينها شدّ الرحال مشيا وهو يرتدي كفنه الأبيض دون موكب جنائزي. سار إلى ذات مكانه حيث رمته الأقدار من علٍ، فانتظر زبانية النار وبالعين لهفة للعودة إلى حيث سعير حارق خير من هذه الدار وظلم سائسها المارق، وتزلّف ذوي الحاجة بنوايا مكشوفة ليس عليها من حجب تغطّي قبحها. نعم هو الهارب من الجحيم والمقبل من بعد هروب عنوة.
هو المتجرّد ليطهّر النفس ويعود إلى سجيته الأولى.
يفتح عينيه فإذ بالعصا على خليقتها الأولى لكنّها لا تتحرّك ولا تتكلّم.
- "أتكون قد كفّت؟ أأحادثها؟ أفعلها وأمسّي؟
إنّي لم أتجرّد، لم أتطهّر، لم تنفع تعويذتها، أو أنّ بي مارد! أو عبد مجنون!"
يصمت ثمّ يتكلّم.
-"هذا المكان به معصية، سأرحل إلى دنيا أصيبها.
يخرج ويطيل النّظر صوب بناء غير بعيد. يسكنه فضول ليلقى صاحبه أو شيئا منه.
يتحدّث بحماس بعد إرهاق أصابه من فعل جماد أصمّ متيبّس فيقول:
-"سألحق برغبتي أستطلع ذاك المقام لقد كنت قديما أنكره.
قد يكون أرحم من هذا الحيّز أكلّم فيه قطعة خشب فتعلّمني الحكمة. " يقولها بتوجّس.
يخرج إلى حيث الحياة. يقف ويبعث بسلطان خياله في اتّجاه الغرب. إنّه يكره الاتّجاهات وأكثرها ثقلا على قلبه الغرب. فيه إيذان بالنّهاية، غروب وظلمة وريح عاصفة وغيمة سوداء تحطّ عاتية.
لا يهمّ فباله مشدود إلى حيث ذلك المقام، يفكّر إن كان سيقبل توبته وهو بالأمس المنتقد وغير المعتقد في كراماته، والهازئ بأهازيج تنبعث من قلب المقام، والعابث بزوّار سلبت ذواتهم لسلطان عشقهم فسكنوا الدّار وأقاموا ليال للتهجّد.
صرف نظره وعدل، إنه لا يريد أن يكون الصابئ.
يعي أنه أضلّ طريق الهداية، كيف لا وهو يتبع جهة الغرب.
يندفع نحوه ينشد بدعة، أو لعلّه يؤلّف لنفسه قصّة العاشق والمعشوق، فيطرد الوجع ويرقص مرحا في صفوة نهار، وزرقة سماء تلفّها غمامة بيضاء ناصعة.
إنه المقام الذي هجره معصية لا هروبا من معصية. سيحجّه في يومه وليله، ويستبيح حور عين أوجدتهم بركات صاحبه. في جوف الفواعل تنصب الولائم، وتقام الشّعائر. إن النفس لخفّاقة لجوجة تتشوّق لرؤية صاحب المقام.
بينه وبين المتشوّق حجبا!! يزيله حين يقدّم قربانه.
للمقام قصّة مثل صاحبنا، قصّة خطّاء ناكر، أوشك أن يلبس ثوب الولاية على إبليس فتعفّف محبّة. زيّنت له النفس أهواء الدنيا فهاج وماج. وأوجع، وسال لعابه حين ضرب في الأرض يسعى إلى مجون يلفّه. جاب الفلاة بحثا عن نشوة، فأدركه للموت قرب تلّة. في بعض متاعه شال أخضر كان يتبع ريحه تسكنه شهوة. نسيجه خليط بين خيوط صوف ليّنة، ومجون سائلة تتزيّن لليل تسقى فيه شرابا معتّقا به لذّة.
تنفخ نسمة هواء، فيحطّ شالها الأخضر على وجه المعتمر إلى دار العربدة جهرا، فيستحيل صاحب الخطوة الرّاقد على الصّخرة، الواضع لختم فوق حجر في أعلى التّلة، حاكته رياحا وسيل مطر، وزمن ينحت من تآكلها صورة أقدام تحيطها علامات قالوا عنها إشارات ربانية للعاشق الماجن.
صنعوا منه عبدا صالحا، سعى بين ذهاب وعودة، فحفت قدماه محبّة وورعا، وخفقت فرائسه لغير ذي معاش، وجلد صنائعه فأخرج عرقها الدسّاس، وشرّح الصدر، فإذ بأعشاش فاسدة تسكن بين شريانين أرقّ من شعر وليد شهر. إنه القابض على جوهره الأبيض معتصرا ألمه مثل القابض على جمر لم يصنعها إنسي.
أقاموا له محجا بعد أن تغرّى وتجرّد، يقول:
-"هو مثلي غير أنه يحادث شالا أخضر ليّن، وأنا أحادث عصا. تجرّد فتطهّر، وأظن أنّي للتو تجردت فتطهّرت".
يستدرك:
- "إن كنت تطهّرت فما سرّ مناجاتي لصاحب المقام وأنا الصابئ الكاره لمعتقده؟"
"سأنازله وأنازعه أرضه فإما أن يكون الراهب أو أكون".
يستدرك ثانية:
- "أيحادثني أم أبدأ فتكون لي الغزوة الأولى فأحسم الجولة؟
يرمي بسهام بصره فيدقّ الباب في حياء ويقول:
-"إن كنت المنازع والراغب أن أكون الرّاهب والوالي، فأي حماقة أفعلها؟ ما هكذا تكون الولاية؟"
يدفع باب المقام فيفتح طوعا دون مقاومة.
-" إنه لفتح عظيم" قال هازئا، ثم يستأنف محدثا.
- "أسموه صاحب الخطوة! ما يعني ذلك؟ " قد تكون علامة، سأرفع المقام حيث مرقده أو ما خيّل لهم أنه مرقده لأسأله. "
يدنو، تنحبس الأنفاس فجأة. إنّ به ظلمة، سواد لا يشبه ليلنا. نحن في نهار جديد، صحو.
- "بدأت ترهقني ذكرى البارحة وصحبة سوء أكلت نصيبها مني. "
"لن أسلّم، ولن أمسّي هذه المرّة. لن أعيد فعلتي فأهزم. إن لي في النّزال خدعة، سأرفع صوت تعويذتي بنتا لبنات أفكاري، أقارع بها أولئك الدراويش الذين سكنوا المهجع... ألفها وألفته فأحبّ دروشتها، وأحبّت مجونه البريء بعد توبة عقدها فرقد رقدته تحت الصخرة. "
-"أأنت هنا؟"
.......
-"أفي روحك سكن لي بعد أن آويتنا؟ "
........
-"ألك في العشق عبرة، ومن دائه ببركاتك شفينا؟ "
......
-"ألست ذاك الماجن صائد الملذّات؟ "
......
-"ألست المارق عن ذويك تبحث عن سوق عاريات؟ "
.....
-"أتخرج فأسكن؟ سأخلفك وأجمع دراويشك وأنشد. "
......
-"ألا تملك هاتفا يهتف فأسمع؟ "
......
-"يقال إنّ لك كرامات. لا أعتقد، أتسمع؟"
.....
-"إن كان بك مصاب، فإني لك بمجيب إن دعوتني أسمع؟ "
"وإن قدّمت قربانك، فإنك النّاجي الرّاحل إبّان فواصل اللّيل والنّهار حيث حبيب لا يسمع نحيبك.
.....
-"عزمت أن أخرج مقامك هذا فترجّل إن كنت فوقه، وتنحّ إن أنت تقبع تحته، وارحل إن كنت تحت الجلباب تصغي وتتمنّع".
.....
يميط اللّحاف عن المقام فلا يجد سوى جذع نخل قديم تشدّه صخرة، وتحته فراغ.
- "هل رحلت؟ "يحدّث وبه ابتسامة شقيّة.
تذكّر قوما ألفوا المكان فتجمهروا وتكدّسوا. قدّموا ذبائحهم، وأراقوا دمائها تذللا وتقرّبا، أنشدوا فتخمّروا، وذابت خواطرهم. إنّ بهم كروبا، وإن له لخطوات دانية، إلى خالقها باسطة، تطلب وساطة صادقة، فيعطي ويسرف ويغدق من متاعه ويبسط، تزاح الهموم كلّها، فتسعد النفوس بعد الشّقاء، هكذا صوّر لهم الوسواس فصدّقوا أن بهم علّة، وأنّ المفتون -بقطعة قماش تحمل ريح معشوق -صاحب كرامة، فاعتقد من اعتقد. وتعبّد من تعبّد. وذكر اسمه وردّد، وقام فتودّد، وعن اللّهو تزهّد.
تذكّر ضرب الأكف قرب نار عاتية، ونشيد تردّده أصوات باكية، وأجساد تنتفض كأنّ في جوفها هامّة ساعية، عليها ساخطة، تأكل من لحمها فتنبت شجرة زقوم يابسة، طعم ثمراتها عفنة.
إن بهم مرضا، فزادهم فعلهم كدرا على علّة يطيب مقامها في دير جاهلة.
إنها ساعة الانتقام. له تعويذة قاسمة، حقيقتها آثمة، تجتثّ جوفه فتخرج منه بقايا نفوس آسنة ريحها فاسدة.
يدنو بعضهم... لا يكلّمني منهم أحد... طرحوني أرضا، ومدّدوني، وقوّمي اعوجاجي... ثم تدنو مني بعض النسوة تحمل كل منهنّ لحافا... لا تسمع لهم كلمة تعي بها مقصدا.... وبعدها حملوني وساروا في جوف اللّيل وعيني شاخصة أرقب حركة مسيرهم ووجهتهم... طابور يسير خلف حاملي جسدي، لا أحد يردّد قولا، ولا يخطئ صغيرهم فتصغي إلى قول مسروق، ولا ترى إشارة... لا بكاء أو تحصّرا وألما.... ولا شفقة.... ولا تذمّرا... ولا ابتسامة بريئة أو ساخرة أو ماكرة... لا دمعة تسيل... يختفي الإنشاد والذّكر وتحجب التعويذات... ويقبر حوار شبيه الإنسان بالسراب والأطياف والخيالات والجماد والحيوان.... مشيتهم منظّمة، لكنها ثقيلة...يلحق بهم صاحبي المجنون فيأخذ مكانه، نقلت نظري إليه أترقب جنونه... انتظرت أن يطلب سيجارة أو رغيف خبز أو يردّد أن لبّيك قادم...إنه لا ينطق... إن حاله أفضل... يواصل الحشد حملي... أطلق بصري للوراء فإذ بالكلب الأبيض يلحق من الخلف ومعه معشر الدود وكبيرهم... وعصا لا تبدو يابسة كآخر عهدي بها تسير محاذاتهم، وخيالات تحاذي أشجارا قرب المسلك تتراقص كعادتها.... وقطع متزاوجة بين بياض وسواد تفيض على المكان فتضيء بعضه وتزيد
-"وهل توقفوا؟ "_'لا بل زادوا... أخبروني أن الدّماء داخلي سائلة مميّعة، وأن تجمّدها سيريح وجعي، فوضعوني داخل مخزن تبريد به ثلج كثيف... أخرجوني مثل قطعة جليد، وأخبروني أن الماء السّاخن يريح علّتي ويعدل حالي، ففعلوا حتى اصطلى جسدي... ثم خرجت من عندهم إلى داري ...'-"وهل صرت على منهج غير ما تعلّمته؟ "_'قلّبت نظريتي غربيّها وشرقيّها، فوجدت الإنسان كيانا كادحا، يكافح لغاية مبدؤها ثروة وعدالة... '-"وكيف يحققها...؟"_'بثورة على الحاكم والكفر بمنهجه... '-"هي نفس الفكرة الأولى هل زاروك ثانية؟ ... "يطيل النظر إلى الفتى ويقول... _'نمت في زنازينهم ليالي، وأطعموني ماء مغلي ممزوجا بشيء مسموم، ورغيفا يابسا أو قل حجرا من سجّيل... وغطوني بلحاف من أشواك وعيون... ورأيت كرمهم حين تصافحني يد سجّان محكوم بنار حقد على كل مخالف بالعدل مسكون... ويلقي بي حيث سراديب بها عقارب وسموم تأكل من نصيبها علّي ألاقي سميعا عليما... ''أتعلم أنهم أعدموا أبنائي؟ '-"أي قسوة تلفّهم؟ كم أعمارهم؟ "_'منهم ابن البارحة، ومنهم من يبلغ المائتين أو تزيد ...'-"ماذا تقصد؟ "_'هي كتبي أعدموها، وجهل حارقها أنها محفورة في هذا الر
عاقل من ينعتك مجنون... فيصيب حزنك وشجونك...ويجبرك أن تختار بين جنونك...أو قطع رزق من يطعمونك"...ثم ينظر إلى تلك المصابيح فيحدّثه شيطانه أن يجمعها حيث ركن ويغطّيها فتذهب تلك الأجسام صاغرة يلفّها غطاء لا تبرق ولا ترقص فيه ولا تنشد... فيفعل ويغادر ضاحكا نحو غايته...***انشطر روح الحي نصفين... عتيق وجديد... بيوت بدأت تطلّ بجدرانها القديمة... تنسج خيوط الماضي بدقّة... إنها قصص منسيّة تعاند الأزمنة...تتدفّق فيه صورة نسيها وانسابت خواطره تتدافع... تفرّ من سكونها إلى حركتها...إنها ليست بالبيوت... إنها حياة... إنها أرواح وذوات بها عيون ووجوه وشفاه... إنها تنطق وتسمع... تكتم سرّا وتفصح حين السؤال وتريح عند الكدر... بيوت تداوي العلل وتشفي وتحيي...يعبر أزقتها... أي خراب قد أصابها؟ من شقّ جوفها؟ ...هذا بيت الطّيبة، وذاك منزل المؤذّن، وهناك بيت العلاّمة... وفي آخر الزقاق الأم الكبيرة... وفي الوسط بيت القائد هكذا كانت ألقابهم ...يقف عند بيت القائد ... بيت متواضع لدارس علم ومعرفة ومثقّف لا تملّ محاورته... يطرق فكرة فيسرد معناها، ويشرح جوهرها، ويعطي بديلها، ويستدلّ بحججه فتقنع... ثم يواصل فيبس
نلفّه بقبس ... ونخيطه دسائس... نلبسه وجه عابس... فلا تجزع إن أسرف... بضربك أو نهرك ... أو طردك من مجلس... أو قهرك عند المحن... أو دفعك بقسوة ... والشك فيه قابع ... يصفك بفاجر ..." تهفت قليلا وبه شكّ يحدّثه أن الإنشاد لحلقة ذكر هناك عند الحي وأنّ صداها يسمع.... تتدافع الأصوات كتدافع لعبة الأبيض والأسود المعلّقة أعلى قبر شيخ الكرامات فتقول محدثة بعضها... _'أتراه؟' 'لا هو في الجوار... ' _'اتسمع صوته؟ ' 'لا إنه أخرس... أو سكت كي لا يفتضح أمره ' يحدث نفسه سرا... -"إنها قطع من نور وظلمة وإنها ضريرة " يتواصل الحوار... _'أبه رائحة؟ ' 'أجل به، وإني عائد إلى حيث الكفن، لأسأل خالقي يدلني فالعطور تتشابه.... ' _'اذهب، ونحن هاهنا باقون وإن له لممسكين ' في سرّه مجددا... -"لقد اقلعت عن العطور مذ شددت الرحال إلى تلك المنازل.... هذه واحدة أغنمها بعد مشقّة... " تواصل تلك المصابيح رقصاتها وتواصل قطع السواد مناجاة رديفتها.... ليأتي مبعوثه حيث الكفن... _'نعم إن به رائحة... ' 'وكيف تكون؟ ' _'ليست عطرا... ولا مسكا ولا عود ندّ.... إن به عرقا' 'كيف يبدو؟ ' _'لم يفسد' 'وم
فعل فعلته، ومرّر عليها كبريته لتشتعل، فيسحب دخانها الكثيف متسلّلا إلى رئتيه فيطرب عقله.... يعيدها متواترة ... ينظّف ويلفّ، ويشعل ويسحب دخانها... ثم يكتفي... لقد صار أفضل... يواصل سيره بعد فسحة صغيرة، ويرقب صامتا تلك المسالك... إنه يطلب راحة... ليس التّعب بل شعور غريب بشيء تسلّل إلى أعماقه يقضمه.... يلوح في الجوار جدار قديم بزاويتين، تقدّم وآوى إلى ظلّه ينشد دواء... يتّكئ... ثم يتمدّد... به ثقل وارتعاش... يعاوده ألم الرأس، وفي عينيه دمع ساخن يخرج منسابا... أصابه تعرّقا زاده في ارتعاشه، فأخذ يطقطق أسنانه دون توقف.... يغفو أو ربما يكون قد أغمي عليه، فدنت منه غيبوبة لا يعرف مداها... إنه محموم من ليلة صقيع ممطرة... لا يد آدميّ تعالجه، ولا جار أو عابر سبيل يعثر على جثّته إن أخذته يد المنيّة غيلة.... يئنّ طويلا، ويخلد إلى كوابيسه اللّعينة وأضغاث أحلامه.... تمرّ أمامه أحداث متلاطمة تعيد شريطا من الحكايا إلى الوراء... يرى منها طيفا... وأحيانا يسمع كلمة، أو إشارة متكلّم ... يقف به حلمه الممزوج بالحمى عند ليل كسيح ... لا رغبة له في الأحلام.... فنفسه متثاقلة عزوف، وبعضه يأكل بعضه بلا شفقة،
-"بسطوة النار، وحكم لهيبها، وبحق الحقيقة، وصوت الحقيقة، لأجعل منك قصّة إنسان بدل شبيه إنسان...."تغرق نظراته في التحديق بالعاشقين.... إن بعينيه بريق تتدفّق منه نارا حامية، وإن بلسانه كلام يثقله شربه، وإن به حركة معطّلة يتربّص بها صائد ملذّة....تسري في هشيم وحطب، فتزيد توهّجا، تحرّكها ريح شرقية تأذن بليلة ملائكية.... تتراقص ألسنتها فتحرّك الأطياف الجاثمة القابعة على مقربة منه...فينطق مقاله ...- "لقد بدأت في الاحتفال... مرحى برفقة تؤنس جمودي... إني لا أبالي بقول شيخ يدّعي أنه حكيم... لن أقلع عن حديث الإنس والجن، وخلائق الأكوان صلبها ورخوها، فإني مثلهم جسد ينشد طرب النفس، فأكون ظالما إن تركت... لن أترك أمرا كنت له طالبا ولو صرت بدل المجنون ألف مجنون...""لن يعاتبني قريني، فإنّ به رغبة تسرق بعض من روحه... وتزرع نطفتها في غير ذي أديم، فتنبت بغير ذي جبلّة..."يستقيم ويبسط يداه مثل منشد... يطلق كلمات تدعو صحبه أن ...-"اجتمعوا... فلي قول إن حفظتموه سلمتم، وإن أدركتموه وتدبّرتم معانيه ملكتم أرواحكم وآمنتم قسمتها بين لصّ وحاقد وحاسد وظالم وواعظ ومرشد وصادق... وإن أنتم ردّدتم قولها في ليلكم ت
يخرج من البيت المتآكل ويشيّع بصره نحو جذع شجرة يابسة قست عليها الطبيعة منذ عقود ونخرها دود الفناء فأفسد عرقها واجتثّ نضارتها. اسودّت وتشقّقت وفتحت خدوشا تلفّها لفّا مميتا. كانت كذلك منذ زمن. لم تنبت يوما ولم يفكّر أهلها في اقتلاعها. هي شجرة عجوز سردت عنها حكايات غريبة عن حسناء ألفت لقاء وليفها خفية
يسدل اللّيل ستاره... لم يحدّث جليسه هذه المرّة، فكلاهما مسافر يبحث عن رفقة ضائعة.صارت النّار رمادا. يمزّق قلبها بقايا دخان وقطعتين من الجمر تميلان للانطفاء. كأنّهما عينان أعيتهما الصّحوة الفاقدة للغفوة. نعم تبدو كذلك، يقلّبها فتتوارى ثم تعود لتظهر. تغمض وتفتح. يعيدها فتفعل ما فعلته في صنيعها الأوّ
يعبر المنحدر ليجد نفسه وسط الوادي تحيطه شجيرات يانعة ريحها عطرة. تحرّكها نسمات تبدو باردة. لا تؤذي، باردة لا تقسو. ينزع الحذاء ويضرب بخفّيه الرّمال الرّاسبة. يتلذّذ وقعها ودغدغتها، كأنّه يريد أن يجذب الأحداث للوراء قليلا حيث الرّفقة الصغيرة وحيث لحن الطّفولة. اقترب من جرف به استدارة، لا يزال يحتفظ
يطيل النّظر والجلوس، فإذ به يلحظ خيط دخان. رفقة قادمة على عجل علّها تمسح غبار الطّريق، وتذيب جليدا كسى قلبا مكسورا، وتستلّ أشواك الدّرب المحفوف بالمخاطر والمطبّات. إنّه يدنو فيدنو، قد دنا. وقف وتسمّر، وحدّق فأطنب، ومال شدقيه قليلا ثم ضحك، ثمّ تكدّر، ثمّ قهقه، ثمّ نفخ في مزماره المصنوع من القصب، خرج







