LOGINالملازم مورو ملفّ كاساندرا يرتاح على مكتبي كجرح لم يندمل جيّدًا. كلّ صفحة، كلّ سطر، يفوح منه رائحة الهوس: رسائل حبّ مجنونة إلى ألكسندر، تهديدات بالكاد مموّهة، مكتوبة بخطّ مرتعش، ضدّ ليرا، مشادات علنيّة، شهادات. كلّ شيء هناك. كلّ شيء موثّق. كلّ شيء، باستثناء المنطق الذي سمح بخروجها. أغادر مركز الشرطة بهذا الوزن في الحقيبة. الاتّجاه: السجن. السماء المنخفضة، الرماديّة، تسحق المدينة بعباءة إسمنت. الهواء مشبع، كما قبل عاصفة. في الرواق، رائحة المطهّر والمعدن البالي تلتصق بالجلد. يستقبلني المدير في مكتبه، لكنّ وجهه يخون بالفعل ما يحاول إخفاءه. عندما أنطق باسم كاساندرا، يتنهّد. — لم تعُد هنا، ملازم. أبقى متجمّدًا. يداي على ظهر الكرسيّ. — كيف، لم تعُد هنا؟ يتحنحن، يتجنّب نظراتي. — حالتها... لنقل... النفسيّة... كانت قد تدهورت. لقد نُقلت إلى مستشفى للأمراض النفسيّة قبل بضعة أشهر، بموجب أمر طبّي. كلّ شيء قانونيّ. أقبض قبضتيّ على حافّة مكتبه. — أرني الوثائق. كلّها. الآن. يطيع، لكن شيئًا ما في عينيّ يدفعني إلى الذهاب أبعد. قبل مغادرة المؤسّسة، أطلب استجواب بعض السجينات. ظلّ كاساندرا ما
ألكسندر رائحة المطهّرات اللاذعة تلتصق بحلقي، بأنفي، بكلّ شيء. كلّ تنفّس، كلّ شهيق، يذكّرني بحرق أضلعي المضمّدة، بشظايا الألم في ساقي التي تذكّرني بأنّني على قيد الحياة. الضوء الشاحب، المصفرّ، لغرفة المستشفى لا يعرف لا نهارًا ولا ليلاً. لا نوافذ حقيقيّة. كلّ شيء يمتزج في سهر محموم، في كابوس يقظ طويل حيث تختفي ليرا عند كلّ نبضة قلب، عند كلّ صفّارة آلة. عندما ينفتح الباب، بصعوبة، أعتقد أوّلاً أنّها ممرّضة. لكن الظلّ الذي يعبر العتبة لا شيء مطمئن فيه: بذلة داكنة، معطف مطويّ على الذراع، نظرات قاطعة، ثاقبة. الملازم مورو. إنّه لا يتقدّم كزائر، كصديق. بل كقاضٍ. نظراته تمسح الغرفة، تتحقّق، ثمّ تثبّت عليّ، على سريري. — سيّد ديلكور، يقول بصوت منخفض لكن حازم، دون مقدمات. يجب أن نتكلّم. يسحب كرسيًّا ويجلس قرب سريري. دفتره الأسود يظهر فورًا من جيبه، كسلاح صامت. كلّ حركة عنده دقيقة، منهجيّة. — كنتم حاضرين أثناء الاختطاف. لقد أُصبت. تسلسلكم الزمنيّ واضح. لكنّني لست هنا من أجل هذا. أريد أن أفهم من لديه مصلحة في أن يضرب هكذا. من يكنّ ضغينة للآنسة ليرا... أو لكم. كلماته تخترقني كمشرط. مهما قبضت
والد ليرا الليل تقدّم، ثقيلاً، بطيئًا، لكنّني لم أجد النوم. لم أبحث عنه حتّى. البيت غارق في صمت عميق، صمت مقبرة، لا يكسره سوى بندول ساعة البهو القديمة. كلّ تكّة، كلّ تأرجح للرقّاص، تذكّرني بغياب ابنتي، كشفرة تغوص أعمق قليلاً في اللحم مع كلّ ثانية تمرّ. أبقى جالسًا في المكتب المظلم، مصباح أخضر قديم، مصباح والدي، يضيء أكوام الملفّات التي لا أقرأها. أمامي، على الطاولة، صورة ليرا، طفلة، تضحك بكلّ أسنانها على لعبة دوّارة. أمرّر أصابعي على الإطار، ببطء، بحنان. لطالما كانت نوري. نوري في هذا العالم. وهذا المساء، هذه الليلة، سُرقت منّي. انتُزعت. أقبض قبضتي على الطاولة. ما زالت كلمات الشرطة ترنّ في أذني: "نحن نفعل كلّ شيء للعثور عليها." جملة جاهزة. لكنّني أعرف هذا اللحن جيّدًا. لقد سمعته طوال حياتي. السلطات تتقدّم، نعم... لكن ببطئها، ببروتوكولاتها، بشكوكها، بإجراءاتها. أنا، لا أستطيع الانتظار. لا أستطيع. ولا دقيقة إضافيّة. أمسك بهاتفي وأطلب رقمًا أعرفه عن ظهر قلب. ثلاث رنّات، ثمّ صوت أجشّ يردّ. — سيّدي؟ — إنّه أنا. أريدك أن تتحرّك، فورًا. الليلة. المحقّق الخاصّ الذي أحتفظ به منذ سنوات ل
ألكسندر يقوم الطاقم الطبّي بجولته الليليّة. ممرّضة تدخل، صامتة، تتفحّص المحاليل، تضغط على أزرار، تتأكّد من الأجهزة، تسألني إن كنت بحاجة إلى شيء. أهزّ رأسي. لا أحتاج شيئًا. تغادر، متمتمة بـ"ليلة سعيدة" تطوف في الهواء كبركة غير مجدية. عندما ينغلق الباب من جديد، أشعر بالعزلة تتكثّف، تصبح كيانًا. في هذه العزلة، في هذا الفراغ، أصوغ قراري الأولى: لن تكون الشرطة وحدها من يقود هذا البحث. كثير جدًّا من مناطق الظلّ، كثير جدًّا من الانتظارات، كثير جدًّا من البيروقراطيّة. لكنّني لا أقول "سأنتقم" كصرخة متهوّرة، كوحش. بل أقول "سأفهم" و"سأحمي". بين هذين الفعلين، هناك كلّ المسافة التي أنا مستعدّ لقطعها. أفكّر في تانيا. في القوّة المكبوتة في يديها اللتين ضغطتا على يديّ قبل قليل. في الطريقة التي قالت بها، دون تردّد، دون خوف، إنّها ستذهب حتّى النهاية. إنّها ليست فقط حضورًا مهدّئًا: لقد أصبحت مرحّلاً، أصبحت امتدادي خارج هذا السرير. ضميرًا يعيدني عندما يريد الغضب أن يسرع بي، أن يحرقني. أتخيّلها بالفعل، في الليلة القادمة، واقفة أمام لوح، تجمّع مكالمات، تستجوب وجوهًا، تفعل ما لا تفعله الشرطة، أو ما لا تس
ألكسندر الصمت ثقيل، ثقيل جدًّا، لا يزعجه سوى الآلات التي تبقيني على قيد الحياة. كلّ صفّارة، كلّ تنبيه، هو صفعة: تذكير بأنّني أتنفّس، بأنّني أنجو، بأنّ قلبي ما زال يخفق، لكنّني لا أعيش. لا أعيش. ليس بدونها. ليس ولو لثانية واحدة. والدي يتقدّم نحو السرير. أراه يقترب، بطيئًا، مثقلاً. قامته، التي كانت دائمًا تفرض الاحترام، التي كانت جدارًا، تبدو لي اليوم أكثر هشاشة من أيّ وقت مضى. كتفاه، اللذان حملا أثقالاً، منحنيان تحت ثقل هذه الليلة، تحت ثقل ما رآه. شعره مشعّث، وعيناه تحملان تعبًا لم أعرفه فيه. رغم ذلك، رغم كلّ هذا، صوته يبقى ثابتًا، حازمًا، ذلك الصوت الذي لطالما أمر وطمأن: — ألكسندر، يجب أن تركّز على نفسك. على شفائك. هذا هو الأولويّة. كلّ ثانية مهمّة. جسدك يحتاج إلى كلّ قوّتك. دع الشرطة تقوم بعملها. أدير وجهي على الوسادة، ببطء، نحو النافذة. ضحكة مرّة تفلت منّي، أقرب إلى السعال منها إلى الضحك، ضحكة تكسر صدري أكثر. — عملها؟ أكرّر، وحلقي منقبض، الكلمات تجرح. عملها كان أن تمنع حدوث هذا. أن تحمينا. والآن... والآن انظر إليّ. انظر إلى ابنك. انظر أين أنا، مربوطًا بهذه الأنابيب. وانظر أين
ألكسندر ضجيج مكتوم. بعيد. ثمّ آخر. أقرب. خفقان ثقيل، منتظم، في أذنيّ، في جمجمتي. كما لو كان قلبي نفسه، قلبي أنا، يقرع ضدّ صدغيّ، بإلحاح، ليذكّرني، بشكل عنيف، بأنّني ما زلت هنا. بأنّني لم أمت. ثمّ رائحة، تتسلّل: رائحة المطهّر اللاذعة، الكحول، حديد الدمّ الجافّ، العذوبة الاصطناعيّة، البشعة، لأكسجين بارد لا ينجح، لا يكفي، لملء رئتيّ. أنا أختنق. أطفو. هذا هو الإحساس. أطفو بين ماءين، بين سطحين، بين الحياة والعدم. عيناي تريدان، بشكل يائس، أن تفتحا، أن ترى، لكن جفنيّ مقفلان، ثقيلان، ملتصقان، كما لو كانا قد خيطا بالرصاص. جسدي بعيد عنّي، مخدّر، غارق، سجين نوم قسريّ، كيميائيّ. أشعر، بشكل غامض، بالإبر في ظهر يدي، بالضمادات المشدودة على صدري، على جنبي، بالأنابيب البلاستيكيّة في أنفي، في فمي، التي تمنعني من الحركة، من الكلام. عندما يخترق أخيرًا شقّ من نور، خيط أبيض، مؤلم، تحت جفني، يعتدي عليّ العالم كلّه بأبيضّ عنيف جدًّا، بقسوة. أنين. صفّارات آلات منتظمة، إلكترونيّة، تقطّع الصمت، تقطّع بقائي. أحاول التنفّس. كلّ نفس، كلّ محاولة لملء الرئتين، تشبه عضة، طعنة، في صدري. جنبي الأيمن يحترق، نار تحت
ليراالطقطقة الجافة لمقبض الباب انتشلتني بعنف من تركيزي.المكتب مغمور في شبه ظلام ناعم. الضوء المرشح عبر الستائر يرسم خطوطًا شاحبة على الجدران، والرنين الخافت للساعة يزيد من إحساس الإلحاح. لوكاس وأنا منحنيان على كومة من الوثائق المبعثرة بشكل غير منظم على المكتب الرئاسي. أوراق ملطخة بالزمن، أختام غي
لييرامقصورة الطائرة الخاصة صامتة.ليست هادئة. فقط صامتة.أنا جالسة بجانب النافذة. لوكاس بجانبي، ذراعاه متشابكتان، نظراته قاسية. لم ينبس بكلمة منذ صعدنا سلالم الطائرة.في الأمام، ألكسندر. جالس. مستقيم الظهر. متوتر.وعلى يمينه... كاسندرا.مثا
ألكسندركان من المفترض أن تكون أمسية النادي مجاملةً شكليةً بحتة، احتفالاً بشراكتنا. هذا على الأقل ما أحاول تكراره في ذهني. ولكن ما إن لمحت لييرا تعبر أبواب القاعة، حتى شعرت بسيطري يتصدع.كانت رائعة.فستان أسود مشقوق عند الفخذ، ظهر مكشوف، وتسريحة شعر بسيطة لكنها أنيقة. تتقدم بتلك الثقة الطبيعية التي
ليرايوم المغادرة قد حان أخيرًا، والإثارة الممزوجة بالقلق تلف معدتي. هذه الرحلة حاسمة، ليس فقط للشركة، بل لي أيضًا. لدي الفرصة لأثبت قيمتي، لأظهر أنني أستطيع تنفيذ مشاريع كبرى. ولكن هناك أيضًا ألكسندر. العمل إلى جانبه هو تحدٍ وفرصة في آن واحد، لا يمكنني تفويتها.أنا في طور إنهاء أمت







