Home / الرومانسية / تسلسل في ظلال العاطفة / صدي الخطوات علي الأحجار الرخامية

Share

تسلسل في ظلال العاطفة
تسلسل في ظلال العاطفة
Author: Sedra

صدي الخطوات علي الأحجار الرخامية

Author: Sedra
last update publish date: 2026-07-22 02:56:47

كان المطر ينهطل بغزارة شديدة تجعل الرؤية شبه معدومة على أطراف المدينة. العاصفة الرعدية لم تكن مجرد طقس سيء، بل كانت تمهيداً لليلة ستقلب حياة سيلين رأساً على عقب، ليلة تزاحمت فيها ظلال الماضي مع الحاضر المعتم.

وقفت سيلين أمام البوابة الحديدية الضخمة لقصر "الألفي". كانت الملابس السوداء التي ترتديها قد تشبعت بماء المطر بالكامل، وشعرها الأشقر المموج التصق بجبهتها الناعمة، بينما ارتجفت شفتاها من شدة البرد القارس. لكن رغم هذا الإنهاك الجسدي، كانت عيناها الخضراوان اللتان تشبهان أمواج البحر الغاضب تشتعلان بإصرار لا ينطفئ.

قبضت على الدفتر الجلدي القديم المستقر تحت معطفها بقوة، حيث كانت أصابعها المرتجفة تضغط على الغلاف المتهالك كأنها تمسك بطوق نجاة وسط محيط متلاطم. هذا الدفتر هو كل ما تبقى لها من والدها، المهندس كمال الجوهري، قبل اختفائه الغامض منذ خمس سنوات. وكانت الملاحظة الأخيرة المكتوبة فيه بخط يده المتعرج تشير بوضوح إلى اسم واحد: مراد الألفي... السر والحل يكمنان بداخل حيطان قصره.

بصوت حفيف مرعب، تحركت البوابة الحديدية الضخمة تلقائياً نتيجة إشارة إلكترونية أُرسلت من الداخل. لم يكن هناك حراس على البوابة الخارجية، وكأن القصر نفسه يثق بأن هيبته وحدها كافية لإبعاد الطفيليين الخائفين.

خطت سيلين إلى الداخل بخطوات بطيئة ومتثاقلة. كانت حديقة القصر عبارة عن غابة من الأشجار الكثيفة العتيقة والأعمدة الحجرية على الطراز الإغريقي، وفي المنتصف انتصب القصر الشاهق المبني من الأحجار الرمادية الداكنة، يعلوه سقف من القرميد، كأنه قلعة مهجورة وسط أسطورة قديمة.

عند المدخل الرخامي الشاسع، تحت ضوء المصباح المعلق الذي يتأرجح بفعل الرياح، كان يقف هو... مراد الألفي.

كان يرتدي قميصاً أسود فتح أزراره الأولى، وبنطالاً رسمياً داكناً. بنيته العريضة، طوله الفارع، وحياديته القاسية جعلته يبدو كأنه جبل جليدي لا يتأثر بالعاصفة التي تعصف بالخارج. عيناه الخضراوان النادرتان كانت تحيطان بالمكان ببرود قاتل، وملامحه الحادة كان يمكن أن تُقطع بها الأوهام.

توقفت سيلين على بعد بضع خطوات منه، والماء يقطر من أطراف معطفها على الرخام الأنيق النظيف ليصنع بقعاً صغيرة.

رفعت رأسها لتلتقي عيناها بعينيه، وقالت بنبرة حاولت إظهار الثبات فيها رغم ارتعاش جسدها النحيل:

— "أنا سيلين الجوهري... ابنة كمال الجوهري. أعتقد أنك تعرف جيداً سبب وجودي هنا في هذه الليلة وفي هذا الطقس يا سيد مراد."

لم تتحرك في ملامح مراد عضلة واحدة. ظل ينظر إليها بتأمل بارد وقاسٍ، كأنه ينظر إلى طيف لا قيمة له، ثم أدخل يده اليمنى في جيب بنطاله، ونظر إلى عم كامل الذي كان يقف على مسافة قريبة منه مطأطأ الرأس احتراماً.

قال مراد بصوت رخيم، داكن، يمتلك نبرة آمرة لا تقبل النقاش أو التردد:

— "عم كامل... خذ السيدة إلى جناح الضيوف في الدور الثاني، الجناح الشرقي. وتأكد من أن تدفئة الغرفة تعمل بشكل جيد. أظن أنها لا تريد أن تصاب بالحمى في ليلتها الأولى."

اتسعت عينا سيلين وخطت خطوة إضافية للأمام بنزق وغضب متصاعد:

— "انتظر! أنا لم أقطع كل هذه المسافة في منتصف هذا الطقس العصيب لأحصل على غرفة وتدفئة! أنا هنا بخصوص المذكرات، بخصوص الحقيقة التي أخفيتها لسنوات طويلة عن اختفاء والدي! هل تنوي التجاهل والهروب؟"

استدار مراد ببطء وهو يضع يده على مقبض السلم الرخامي، دون أن يكلف نفسه عناء الالتفات الكامل نحوها. قال ببرود يقطع الأنفاس ويهد الجبال:

— "قواعد هذا القصر بسيطة جداً يا سيلين... لا تتجولي بعد الساعة السابعة مساءً، ولا تتحدثي معي إلا إذا وجهتُ لكِ الحديث بنفسي. وإذا لم تعجبكِ القواعد، فالأبواب مفتوحة والعاصفة بالخارج في انتظاركِ."

ثم صعد السلم بخطوات متزنة ورزينة، تاركاً سيلين تقف في منتصف الصالة الكبرى، تغلي غضباً من هذا التجاهل القاسي الذي لم تتوقعه إطلاقاً، بينما تقدم منها "عم كامل" بنظرة حنونة ومفاهيمة محاولاً تهدئتها"

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • تسلسل في ظلال العاطفة    العودة إلي الحصن وإعلان الحرب

    عادت الطائرة الخاصة لتهبط في منتصف الليل على مدرج طوارئ خاص بشركة "الألفي". كان المطر ينهمر بغزارة شديدة على أطراف المدينة، تماماً كليلة وصول سيلين الأولى إلى القصر منذ شهور، لكن فرقاً شاسعاً تفصل بين الليلتين؛ لم تعد سيلين تلك الفتاة المرتجفة المحاصرة بالخوف والتجاهل، بل أصبحت شريكة العرش، والقلب الشجاع الذي يخوض الصراع جنباً إلى جنب مع مراد. عند وصولهما إلى قصر "الألفي"، كانت البوابة الحديدية الضخمة تُفتح بهيبة وسرعة، والحراسة المشددة تنتشر في كل زاوية من الحديقة الكثيفة. دخل مراد وسيلين إلى الصالة الكبرى. كان كمال الجوهري يتصدر المجلس بانتظارهما، ومعه عم كامل الذي أعدّ قهوتهما الدافئة. وضع مراد الملف السري وخاتم الزمرد الأخضر على الطاولة الخشبية الأثرية أمام كمال الجوهري. — "فيكتور روث هو الرأس الحقيقي يا عم كمال... وهو من حرّك آسر وتوفيق المالح كأحجار شطرنج طوال السنوات الماضية،" قال مراد بصوت داكن يقطر حزماً وهيبة. تأمل كمال الملف، وارتجفت يداه وهو يرى الأختام والتوقيعات الأصلية: — "فيكتور يمتلك حصانة نفوذ دولية يا بني... مواجهته علنياً في المحاكم التقليدية لن تكفي، هو يسي

  • تسلسل في ظلال العاطفة    جحيم فيينا

    دوى صوت إغلاق الأبواب الفولاذية في أرجاء القبو السفلي، وانقطعت الأضواء كلياً لتستبدل بأضواء الطوارئ الحمراء الخافتة التي أضفت هالة من الرعب والإثارة على المكان. كانت سيلين تتنفس بحدة، يداها تضغطان على الملف السري والمفتاح النحاسي الملتصق بصدرها، بينما استندت بظهرها على الجدار الفولاذي للخزنة. لم يكن الخوف يسيطر عليها هذه المرة كما كان في ليالي القصر الأولى؛ فقد أصلدت التجربة روحها، وأصبح وجود مراد بجانبها يمنحها قوة لا تتزعزع. كان مراد يقف أمامها كالجبل، يرتدي قميصه الداكن الذي انشق جزء من أكمامه ليبرز عضلات ساعديه المشدودة. سحب مسدسه التكتيكي، وعيناه الخضراوان تتوهجان في الضوء الأحمر بشرارة حادة وقاتلة. — "مراد... الأبواب المصفحة أُغلقت بالكامل، والنظام الإلكتروني للبنك تعرض للاختراق!" قالت سيلين بصوت خفيض وحازم. اقترب مراد منها بملامحه الوسيمة الحادة، ووضع يده القوية على خدها الناعم، إبهامه يمسح على بشرتها بدفء ساحر يطرد كل ذرة قلق من قلبها: — "فيكتور روث يظن أن احتجازنا في أعماق البنك سينهي الأمر... هو لا يعلم أنني لا أدخل مكاناً دون أن أؤمن طريق الخروج. ثبتي الملف تحت معطفكِ

  • تسلسل في ظلال العاطفة    رحلة الي المجهول

    بعد ثلاثة أيام من وصول الطرد الغامض، كانت طائرة خاصة تحلق في أعالي السحاب متجهة نحو العاصمة النمساوية "فيينا". في المقصورة الملكية للكتلة الهوائية المعزولة، كانت سيلين تجلس بجوار النافذة تتأمل السحب المتراكمة بالخارج. كانت ترتدي معطفاً أنيقاً من الكشمير الأبيض، وشعرها الأشقر المموج ينسدل برقة على كتفيها. كان المفتاح النحاسي الثقيل يستقر بداخل حقيبتها اليدوية، كأنه جمرة نار تُذكّرها بكل ما تركاه خلفهما. جاء مراد من الردهة الخلفية وهو يحمل كلاً من فنجاني القهوة. كان يرتدي قميصاً داكناً بنصف أكمام مطوية، تظهر بنيته العريضة وحيويته الجذابة. جلس بجانبها ببطء، ووضع فنجانها أمامه، ثم لف ذراعه القوية حول كتفها ليجذبها إلى صدره الدافئ. — "بماذا تفكر عاصفتي الصغيرة؟" همس مراد بصوت داكن ورخيم يبعث الطمأنينة في عروقها. سندت سيلين رأسها على صدره العريض، واستنشقت رائحة عطره الساحرة التي امزجت برائحة الجلد والقهوة: — "أفكر في أننا كلما ظننا أننا وصلنا إلى شاطئ الأمان، نجد الموج يسحبنا مجدداً إلى المنتصف... هل تعتقد أن ما سنجده في الخزنة رقم (7) سيغير شيئاً في حبنا يا مراد؟" أمسك مراد بكتفها و

  • تسلسل في ظلال العاطفة    أحلام فوق الأنقاض

    مرت ستة أشهر أخرى على استقرار الأوضاع في قصر "الألفي". كانت الحياة قد تدفقت في جنبات المكان كأنهارٍ من النور، وغدت الشرفة المطلة على الحديقة المقر المفضل لسيلين؛ حيث تجلس كل صباح بكتيباتها وأوراقها، تُدوّن تفاصيل روايتها الجديدة التي أطلقت عليها اسم "عاصفة على أعتاب الجليد".لكن السكون الذي خيّم على القصر لم يكن يعني أن العالم الخارجي قد توقف عن الدوران.في صباح أحد أيام الخريف الدافئة، وبينما كانت سيلين تجلس بجوار والدها كمال الجوهري في الحديقة الخارجية، تقدم منهما عم كامل وهو يحمل صينية فضية عليها طردٌ بريدي مغلف بالكامل بالجلد الداكن، ولا يحمل أي عنوان للمُرسل، سوى ختمٍ شمعي أحمر طُبع عليه رمز "الميزان المكسور".توقفت يد سيلين عن الكتابة، وارتفعت عيناها الخضراوان بتوجس نحو الطرد.— "من أين جاء هذا يا عم كامل؟" سألت سيلين ونبرة القلق تعود تدريجياً إلى صوتها.رد الرجل العجوز باحترام:— "تركه رجل بريد على البوابة الخارجية يا ابنتي وغادر فوراً دون أن يطلب توقيعاً."اعتدل كمال الجوهري في جلسته، وظهرت على ملامحه تعابير الصدمة بمجرد أن وقعت عيناه على الختم الشمعي:— "هذا الختم... هذا رمز

  • تسلسل في ظلال العاطفة    تطهير قصر الألفي

    اشتبك مراد مع آسر بحركة صاعقة، ضارباً معصمه بأسفل كفه بقوة تجعل العظام تطقطق، فسقط جهاز التحكم الإلكتروني صاخباً على الأرض الرخامية وانحرج بعيداً تحت الركام.​صرخ آسر ألمًا، لكن دوافع الغل القديم دفعت به ليرتد بضمة حاقدة ويشتبك مع مراد بقوة مجنونة. وفي الوقت ذاته، حاول الحارسان المسلحان رفع سلاحيهما للإجهاز على مراد، لكن سيلين لم تقف متفرجة هذه المرة!​التقطت سيلين قضيباً حديدياً ثقيلاً من بقايا السقف المحطم، وضربت به المرفق المسلح للحارس الأول بجرأة وصدمة لم يتوقعها قط، فسقطت بندقيته أرضاً. استدار الحارس نحوها بغضب أعمى ووجه لها قبضة عاتية، لكنها تفادتها ببراعة وصدمت رأسه بالعمود الحجري العتيق ليترنح مغشياً عليه.​في هذه الأثناء، كان مراد يخوض معركة شرسة ضد آسر والحارس الثاني. وجه الحارس طعنة بمدية تكتيكية نحو صدر مراد، لكن مراد تفاداها برأسه، وقبض على يد الحارس وثناها خلف ظهره بكسر مدوٍّ، ثم ألقى به أرضاً بلا رحمة.​تبقى آسر وحده، وهو يتنفس بجهد وبصق الدماء من فمه، ونظرات الشراسة تتطاير من عينيه. سحب خنجراً مخفياً من حذائه وانقض به نحو مراد بتهور.​— "لن تأخذ كل شيء يا مراد! لن تهنأ

  • تسلسل في ظلال العاطفة    سقوط الأقنعة تحت الركام

    احتضن مراد سيلين بجسده الضخم تحت الطاولة الخشبية الثقيلة، محولاً ذراعيه وساقيه إلى حصن فولاذي يقيها سقوط قطع الكريستال المتناثرة من الثريات النحاسية التي تهاوت إثر قوة الانفجار. كان صوت الرصاص بالخارج أشبه بعاصفة من الحديد تفترس هدوء الليل، وتداخلت معه صرخات الذعر من الضيوف الذين تشتتوا في أرجاء الحديقة الخارجية.تصاعدت دخان البارود الكثيف بداخل المكتبة، واختلط برائحة الأوراق الأثرية المحترقة. كانت سيلين تتنفس بصعوبة، وصدرها يعلو ويهبط برعب، لكن يديها اللتين طوقتا عنق مراد كانتا تكتسبان ثباتهما من نبضاته الهادئة الواثقة رغم كل هذا الخطر.أمال مراد رأسه نحوها في العتمة، وعيناه الخضراوان تتألقان في حلكة الظلام بشرارة من الشراسة واليقظة العالية:— "سيلين... اسمعيني جيداً. هذا ليس هجوماً عشوائياً، هم يعرفون تصميم القصر وجاءوا لشيء محدد. سيناريو المزرعة لن يتكرر، ولن يدخل أحد هذه الغرفة إلا على جثتي."رفعت سيلين رأسها، والدم يتجمد في عروقها وهي تلمس مقبض مسدسه الأسود المشدود في يده:— "مراد... الصفحات السرية! والد آسر... أو آسر نفسه! الكلام في الصفحة يتحدث عن 'قناع الأصدقاء'... آسر كان يصر

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status