LOGINاقترب أحمد منها بخطواتٍ هادئة، ثم أمسك بيدها برفق ووضعها فوق صدره، حيث كان قلبه يخفق بقوة. ارتجفت أمينة من الخجل والرهبة، وشعرت أن لمسة يده أشعلت في قلبها دفئًا لم تعرفه من قبل، حتى خُيّل إليها أنها ستذوب حياءً.
قال بصوتٍ امتزج بالحب والصدق: "أتشعرين بهذا النبض؟ كل خفقةٍ في قلبي تنطق باسمك. أحبك أنتِ، ولم يعرف قلبي غيرك يومًا. منذ كنا طفلين، وصورتك لم تفارق مخيلتي. يقولون إن الحب الأول لا يُنسى... وأنا أؤمن بذلك. والآن أخبريني... ماذا يقول قلبك أنتِ؟" رفعت أمينة عينيها إليه، فالتقت نظراتهما. وفي تلك اللحظة، شدّ على يدها قليلًا، كأنه يخشى أن تفلت منه قبل أن يسمع جوابها. قالت بصوتٍ خافتٍ متردد: "الشعور الذي جاء بك إلى هنا... هو نفسه الذي جاء بي." توقف لوهلة، ثم سألها بشغفٍ ولهفة: "وما هو؟" اتسعت عيناه وهو ينتظر الكلمة التي طالما حلم بسماعها. خفضت أمينة رأسها من شدة خجلها، ثم همست: "أنا أيضًا... أحبك." وما إن نطقت بها حتى تراجعت خطوة إلى الوراء، وقد احمرّ وجهها خجلًا، وشعرت أن قلبها يكاد يقفز من بين ضلوعها. ابتسم أحمد ابتسامةً عريضة، وكأن الدنيا بأسرها لم تعد تتسع لسعادته. ضحك من أعماق قلبه، ثم قال: "إذًا اذهبي وجهزي نفسك، لديّ لكِ مفاجأة." نظرت إليه بفضول وقالت: "وما هي؟" اقترب منها وهمس مبتسمًا: "ستعرفينها هذا المساء." ثم أضاف وهو ينظر حوله بحذر: "اذهبي الآن... قبل أن يرانا أحد، فتضيع المفاجأة." ابتسمت أمينة وقالت: "حسنًا." انطلقت تركض وقلبها يخفق لأول مرة بتلك القوة، ولأول مرة تشعر أن الحياة بدأت تبتسم لها، وأن القدر ربما قرر أخيرًا أن يكون رحيمًا بها. لكنها لم تكن تعلم أن أجمل المشاعر قد تبقى ناقصة، وأن الحياة لا تمنح الجميع نهاياتٍ تشبه أحلامهم، بل كثيرًا ما تسير بعكس ما تشتهي القلوب. حلّ المساء، فدخلت أمينة غرفتها الصغيرة، وأخرجت أجمل ثوبٍ تملكه. ارتدته بعناية، ثم سرّحت شعرها، ووضعت لأول مرة لمساتٍ خفيفة من مساحيق التجميل. وقفت أمام المرآة تتأمل انعكاسها بخجل، وقد ارتسمت على شفتيها ابتسامة لم تعرفها منذ زمن. لمّا رأتها أمها، عقدت حاجبيها باستغراب وقالت: "ما كل هذا يا أمينة؟ وما المناسبة؟" ابتسمت أمينة محاولةً إخفاء ارتباكها، وقالت: "لا شيء يا أمي، فقط أحببت أن أهتم بنفسي قليلًا... أحرامٌ ذلك أو عيب؟" ابتسمت الأم بحنان وقالت: "لا يا ابنتي، بل يسعدني أن أراكِ تهتمين بنفسك. انظري إلى أخواتك من أبيك، كم يعتنين بمظهرهن، ويحاولن لفت الأنظار." تنهدت أمينة بحسرة وقالت: "آه يا أمي... وكيف أكون مثلهن؟ أبي يدللهن، ولا يسمح لهن بالقيام بأي عمل، بينما يضع على عاتقي أعمال المنزل كلها، والعمل في الأراضي أيضًا. وإن اعترضت أو اشتكيت، انهال عليّ ضربًا وإهانة." اقتربت الأم وربتت على كتفها بحنان، وقالت بصوتٍ يملؤه الأسى: "اصبري يا ابنتي... لعل الله يكتب لكِ الفرج قريبًا. غدًا تتزوجين، بإذن الله، وتستريحين من قسوة أبيك وتعب هذه الحياة." وما إن سمعت أمينة كلمة الزواج حتى عاد إلى ذاكرتها حديث أحمد، ووعده لها بالمفاجأة. تسللت ابتسامة خجولة إلى وجهها، وغرقت للحظة في أحلامها، ثم نظرت إلى أمها وقالت بصوتٍ يملؤه الأمل: "إن شاء الله يا أمي دخل أخوها الأصغر حسن ،لما رآها هكذا بدأت علامات السخرية على وجهه ، ما هذا الذي على وجهك؟ أخيراً قررتي أن تصبحي أنثى؟ ههههههههه اصمت ما شأنك أنت؟ إنتفضت أمينة في وجهه.دخلت هند، زوجة عبد الله، وهي تحمل طفلها بين ذراعيها، ثم قالت بقلق: "عبد الله، أرجوك لا تخرج من المنزل مرة أخرى. نحن لدينا أطفال، وأخشى أن يصيبك مكروه. أما بشأن المال، فلماذا لا تذهب إلى والدك وتطلب منه المساعدة؟ لا بد أنه باع الأغنام وغادر القرية، فمن المستحيل أن يبقى هناك حتى الآن." رمقتها والدة عبد الله بنظرة حزينة، ثم قالت: "يا ابنتي، حين كنا جميعًا نعيش معًا، وقبل أن تندلع الحرب، لم يكن يعطينا قرشًا واحدًا. كانت جميع أمواله بيد زوجته، وهي التي تتحكم بكل شيء. فكيف تظنين أنه سيساعدنا اليوم بعد أن اشتدت هذه المحنة؟" تنهد عبد الله وأطفأ سيجارته، ثم قال بهدوء: "غدًا سأذهب إلى القرية لأرى كيف أصبحت الأوضاع هناك. فإن كانت آمنة وعدنا قادرين على العيش فيها، فسنرجع جميعًا. هناك أرضنا ورزقنا، وإن ضاقت بنا الدنيا زرعنا أرضنا وأكلنا من خيرها. قد لا نجد المال، لكننا على الأقل لن نجوع." ساد الصمت من جديد، ولم يجرؤ أحد على الرد. كان كل منهم يعلم أن العودة إلى القرية ليست قرارًا سهلًا، وأن الحرب غيّرت كل شيء، ولم يعد أحد يعرف ما الذي ينتظره في الغد. في صباح اليوم التالي، استيقظ عبد ال
بعد أن فرغوا من تناول الفطور، جلسوا في غرفة الجلوس يتبادلون الحديث، وقد خيّم القلق على وجوههم. كانت أخبار البلاد تتصدر كل مجلس، فلا حديث يعلو على ما يجري من أحداث. قال عبد الله مخاطبًا والدته: "يا أمي، سأحاول العثور على عمل هنا في المنطقة لأساهم في تأمين نفقات المنزل. فأنتِ تعلمين أن الأوضاع في البلاد لم تعد مستقرة، وعلينا أن نوفّر الطحين والغاز والمازوت قبل حلول الشتاء القارس." ثم تنهد وأردف قائلًا: "يتداول الناس أخبارًا عن احتمال انقطاع الخبز، بعد أن تعرّض عدد من المخابز والأفران للقصف، وأصبح إنتاج الخبز يتراجع يومًا بعد يوم." أطلقت والدته تنهيدةً عميقة، ثم رفعت بصرها إلى السماء وقالت بحرقة: "اللهم ارفع هذا البلاء عن بلادنا، واحفظ أهلها من كل سوء. ما ذنب هؤلاء الناس حتى يُهجَّروا من ديارهم ويواجهوا الجوع والبرد والخوف؟ إلى أين يمضون، وقد ضاقت بهم الأرض بما رحبت؟" وفي صباح اليوم التالي، خرج عبد الله باكرًا، والضباب يلف الطرقات. كان يحمل في قلبه أملاً صغيرًا بأن يجد فرصة عمل، لكن ما رآه في الطريق كان أشد قسوة مما توقع. اصطف عشرات الرجال أمام أحد المستودعات ينتظرون فرصة ل
خرجت أمينة مع والدتها وسط جموع النازحين، وكل واحد منهم يحمل ما استطاع حمله من متاعه، بينما ترك خلفه بيتًا وعمرًا كاملًا من الذكريات. وبعد مسافة، لحق بهم أخوها عبد الله وزوجته وأطفاله، وهو يسرع في خطواته حتى وصل إليهم. نادى بصوت مرتفع: "أمي... أمي، انتظرينا." توقفت الأم والتفتت إليه، فقال وهو يلهث: "تعالي معي أنتِ وأمينة وإخوتي الصغار. أهل زوجتي لديهم بيت فارغ، فقد سافروا خارج البلاد، ويمكننا أن نقيم فيه جميعًا حتى تهدأ الأوضاع ونعود إلى بيوتنا." نظرت إليه والدته بعينين امتلأتا بالامتنان، لكنها قالت بتردد: "يا بني، سنثقل عليكم. أنت وزوجتك وأولادك بحاجة إلى راحة،ولا أريد أن أضيق عليكم." اقترب عبد الله منها، وأمسك يدها بحنان، ثم قال: "يا أمي، هذا ليس وقت مثل هذا الكلام. الحمد لله أننا وجدنا سقفًا يأوينا. خيرٌ لنا أن نجتمع في بيتٍ واحد، على أن نفترق ونعيش في الخيام مثل كثير من هؤلاء الناس." سكتت الأم لحظات، ثم أومأت برأسها موافقة، بينما شعرت أمينة بشيء من الطمأنينة لأول مرة منذ أن غادرت منزلها. ورغم أن الحزن كان يملأ قلبها، إلا أن وجود أخيها إلى جانبها خفف عنها شيئًا م
في صباح اليوم التالي، استيقظت أمينة على غير عادتها على أصوات بعيدة تشبه دوي الرعد، لكنها لم تكن رعدًا. كانت أصوات انفجارات تتردد بين الجبال المحيطة بالقرية، فتوقفت للحظات وهي تحدق من نافذة المنزل، وقلبها يخفق بقوة. خرج أهل القرية إلى الطرقات، وكل واحد يسأل الآخر عما يجري، لكن أحدًا لم يكن يملك جوابًا واضحًا. كانت الأخبار تتغير كل ساعة، والخوف يزداد في وجوه الجميع. دخلت أمها وهي تحمل كيسًا صغيرًا، وقالت بصوت امتزج فيه القلق بالحزن: "يلا يا أمينة... لازم نطلع قبل ما تسكر الطرق." نظرت أمينة حولها، وكأنها تودع كل زاوية في بيتها. لم تستطع أن تمنع دموعها وهي تمر بيدها على جدران المنزل التي شهدت طفولتها، ثم خرجت إلى الحديقة الصغيرة. اقتربت من شجيرات الورد التي زرعتها بنفسها، ولمست أوراقها برفق، وهمست: "سامحيني... إن شاء الله برجعلك قريب." ثم اتجهت نحو الحظيرة، فوجدت خروفها الصغير يقفز حولها كعادته، غير مدرك أن الفراق قد حان. احتضنته بقوة، وقبلت رأسه، وانهمرت دموعها وهي تقول: "ديروا بالكم عليه... لا تتركوه يجوع." حملت أمينة حقيبة صغيرة لم تضم سوى بعض الملابس، ومصحفًا قديمًا أه
- لا تزالين تنتظرين ذلك الذي تركك وسافر؟ لو كان يحبك حقًا لما رحل وتركك. اسمعي نصيحتي، ابحثي لكِ عن شيخٍ كبير يقبل الزواج بكِ... إن وجد أصلًا من يرضى بكِ! رفعت أمينة رأسها، ونظرت إليها بثبات، ثم قالت بلهجةٍ لاذعة: - لا تقلقي... سأجد زوجًا، كما وجدتِ أنتِ زوجًا بعدما طال بكِ العمر، ولم تجدي غير أبي تتزوجينه. اختفت الابتسامة الماكرة عن وجه زوجة أبيها، وحلّ مكانها غضبٌ شديد. صرخت بها: - اخرسي! ضحكت أمينة ضحكةً امتزجت بالمرارة، وما تزال الدموع تلمع في عينيها، ثم أدارت ظهرها لها ومضت في طريقها نحو البستان، تاركةً خلفها امرأةً تتأجج غيظًا. ما إن وصلت أمينة إلى البستان حتى اتجهت مباشرة نحو شجرة التوت. اقتربت منها ببطء، ومدّت يدها تتحسس المكان الذي نقش فيه أحمد حرف اسمه إلى جانب حرف اسمها. مررت أصابعها على النقش وكأنها تلامس يده، وشعرت للحظة أن الزمن قد توقف عند ذلك اليوم الذي جمعهما تحت ظلال هذه الشجرة. احتضنت جذع الشجرة بقوة، وأغمضت عينيها، ثم همست بصوتٍ اختنق بالبكاء: - أنتِ الوحيدة التي تؤنس وحدتي في غياب أحمد... وكلما جئت إليكِ أشعر أن شيئًا منه ما زال هنا. وانهمرت دمو
احمرّ وجه أمينة خجلًا، ثم رفعت يدها إلى عنقها، ونزعت السلسلة التي كانت ترتديها. كان يتدلى منها حرفا اسميهما. مدّتها إليه وقالت: - احتفظ بها... لتكون ذكرى مني. مع أنني أعلم أنك لن تنساني، لكن كلما نظرت إليها تذكر أن هناك قلبًا ينتظرك، ولن يتوقف عن الدعاء لعودتك. سأبقى أنتظرك مهما طال الزمن. أخذ أحمد السلسلة برفق، وأغلق كفه عليها بقوة، وكأنه يخشى أن تضيع منه. ثم نظر إليها بعينين تملؤهما المحبة وقال: - أنتِ لا تغيبين عن بالي لحظة واحدة، حتى لو لم تكن هذه السلسلة معي. مكانك هنا... ووضع يده على صدره، فوق قلبه. - أعدك يا أمينة... سأعود، وسأعود من أجلك أنتِ فقط. بعد أن غادر أحمد، بقيت أمينة واقفة عند نافذة غرفتها، تتابع خطواته حتى اختفى عن ناظريها. كان قلبها يهمس لها بشعورٍ غريب، وكأنه يخبرها أن هذا الوداع لن يعقبه لقاء قريب. مرت الأيام، ثم الشهور، ثم السنوات... وكبرت أمينة، ولم يصلها عن أحمد أي خبر. تزوجت شقيقاتها الواحدة تلو الأخرى، وكلما تقدم شاب أعزب لخطبتها رفضه والدها بحجةٍ أو بأخرى، أما إذا كان الخاطب رجلًا كبيرًا في السن أو متزوجًا، كان يُلح عليها أن توافق. لكن أمين