Share

حبيبي الأصم
حبيبي الأصم
Author: Soukaina youssef c

الفصل الأول

last update publish date: 2026-06-06 01:46:42

حبيبي الأصم

بقلم: كاميليا جود

الفصل الأول

"لا... أرجوك يا عمي، أقسم بالله لن أكررها! سامحني، أرجوك! لن ألمس شيئًا مرة أخرى!"

كان الطفل يبكي بحرقة وهو يتوسل الرجل الذي وقف أمامه بعينين ممتلئتين بالغضب.

صرخ الرجل بصوت مخيف:

"اصمت! وخذوه من أمامي!"

حاول الطفل التبرير بين شهقاته:

"أرجوك يا عمي، سامحني... كنت فقط أريد أن أعرف موعد الدخول المدرسي، لهذا شغلت المذياع. لم أفعل ذلك عمدًا، أقسم لك، فلا تعاقبني!"

لكن الرجل لم يكن يصغي إليه، بل صاح مجددًا بالحراس:

"ماذا تنتظرون؟ أمسكوا به!"

سارع الحراس إلى تنفيذ الأمر، فأحكموا قبضتهم على الطفل الصغير الذي أخذ يتلوى بين أيديهم محاولًا الإفلات. كانت والدته في الطابق العلوي، تضع يديها على أذنيها حتى لا تسمع صرخاته وبكاءه، بينما كان إخوته يختبئون في الزوايا خوفًا مما يحدث. أما هي فكانت تبكي بصمت، عاجزة عن فعل أي شيء لإنقاذ ابنها.

لم يكن الطفل قد ارتكب جرمًا يستحق كل هذا العقاب. كان صغير السن، بريئًا، وكل ما أراده هو الاستماع إلى المذياع لمعرفة موعد العودة إلى المدرسة. لكن زوج والدته كان شديد التعلق بممتلكاته، ولا يسمح لأحد بالاقتراب منها، خصوصًا جهاز المذياع الخاص به.

وحين اكتشف أن الطفل شغله دون إذنه، فقد أعصابه تمامًا.

أمر بإحضار قضيب معدني طويل، ثم وضعه فوق النار حتى أصبح شديد الاحمرار من شدة الحرارة. كان الطفل يرتجف رعبًا وهو يحاول التحرر من قبضة الحراس، بينما كانوا يمسكونه بقوة رغم الشفقة التي بدت واضحة على وجوه بعضهم.

كانت صرخاته تملأ المكان.

أما الرجل فكان يراقب القضيب المعدني حتى احمرّ بالكامل، ثم اقترب من الطفل وهو يقول ببرود:

"أتريد أن تستمع إلى مذياعي مرة أخرى؟ بعد اليوم لن تتمكن من سماعه أصلًا."

وفي لحظة قاسية، نفذ عقابه الوحشي.

تعالت صرخات الطفل بشكل مفزع، وامتلأ المكان بألمه وبكائه وهو ينادي والدته بأعلى صوته.

"أمي... أمي!"

---

انتفض الشاب من فراشه فجأة.

كان صدره يعلو ويهبط بسرعة، وأنفاسه متقطعة، والعرق يغطي جبينه بالكامل. مرر يده بين خصلات شعره المبعثرة محاولًا استيعاب ما يحدث.

ذلك الكابوس...

الكابوس نفسه الذي يطارده منذ سنوات طويلة.

جلس على حافة السرير لعدة دقائق يحاول تهدئة أنفاسه. ثم رفع رأسه نحو النافذة فرأى أشعة الشمس تتسلل إلى الغرفة معلنة بداية يوم جديد.

نهض ببطء متجهًا إلى الحمام.

وقف أمام المرآة يتأمل انعكاس صورته. كانت عيناه محمرتين من أثر الذكريات التي لا تفارقه. فتح الماء البارد وتركه ينساب فوق رأسه ووجهه، محاولًا التخلص من آثار الحلم المزعج.

بعد دقائق خرج من الحمام وهو يجفف شعره بمنشفة بيضاء.

كان يرتدي فقط سروالًا قصيرًا، بينما ظهره العاري يكشف وشم قرش يمتد أسفل ظهره. بشرته البرونزية كانت نتيجة سنوات طويلة قضاها بالقرب من البحر، المكان الذي يعتبره موطنه الحقيقي.

اسمه روكان.

ويُلقب بين الجميع بـ القرش.

فهو يملك استثمارات ضخمة مرتبطة بالبحار والثروات البحرية في العديد من المناطق حول العالم، من شواطئ المغرب إلى أجزاء واسعة من أمريكا اللاتينية وآسيا. كان البحر بالنسبة إليه أكثر من مجرد تجارة؛ كان مملكته الخاصة التي يجد فيها راحته وسكينته.

فتح غرفة الملابس ليختار ملابسه، لكنه لم يكد يخطو خطوة واحدة حتى قفز عليه كائن صغير واستقر بين ذراعيه.

ابتسم روكان للمرة الأولى ذلك الصباح.

"إذن كنت هنا يا روبن؟ كنت أتساءل لماذا لم أجدك بجانبي في السرير."

حاول النمر الصغير التعلق بعنقه أكثر، فضحك روكان وقال:

"هيا، دعني أرتدي ملابسي أولًا."

كان روبن نمراً صغيراً رباه روكان منذ ولادته. فقد ماتت والدته في الجزيرة التي يعيش فيها، فقرر أخذه والعناية به بنفسه. والآن بلغ روبن ثمانية أشهر، وأصبح لا يفارق صاحبه لحظة واحدة.

اختار روكان سروالًا أسود وقميصًا بسيطًا باللون نفسه، ثم صفف شعره إلى الخلف ووضع قبعته ونظارته الشمسية. بعد ذلك ارتدى حذاءه وخرج من الفيلا، بينما كان روبن يسير خلفه بخطوات صغيرة.

وصل إلى الشاطئ الممتد أمام منزله، حيث كانت الرمال تلمع تحت شمس الصباح الذهبية. سحب كرسيًا وجلس عليه مستمتعًا بمنظر البحر، بينما جلس روبن بالقرب منه مقلدًا حركاته كعادته.

أخرج هاتفه وبدأ يتفقد بعض الأمور.

وفي مكان آخر من الجزيرة، كان التوتر يسيطر على العاملين في المطبخ.

قال عادل بقلق:

"أسرعوا! لم يتبق الكثير من الوقت. تأخرنا خمس دقائق فقط وستبدأ المشاكل."

أجابه الطباخ:

"كل شيء جاهز يا عادل، لكن محمد غادر بعدما وضعت زوجته مولودها."

تغير وجه عادل فورًا وقال:

"غادر دون أن يخبر روكان؟!"

هز الطباخ رأسه قائلاً:

"اتصلت به، لكنه كان مرتبكًا جدًا وذهب على عجل."

تنهد عادل بضيق وقال:

"هذه كارثة. روكان معتاد على أن يحضر له محمد الفطور بنفسه كل صباح."

ثم أضاف وهو يفرك جبينه:

"أقسم أنني سأقع في مشكلة كبيرة بسبب هذا الأمر."

ابتسم الطباخ محاولًا طمأنته:

"لا تقلق، لقد وجدنا شابًا جديدًا يبحث عن عمل. أعطيناه زي محمد، وسيتولى مهمة إيصال الفطور اليوم."

لكن عادل لم يبدُ مطمئنًا، بل تمتم:

"روكان يلاحظ أدق التفاصيل، وسيكتشف الأمر فورًا."

ثم التفت بسرعة وقال:

"على أي حال، أحضروا الشاب بسرعة، ودعوه يأخذ الفطور وطعام روبن إلى روكان قبل أن يفوت الأوان."

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • حبيبي الأصم   الفصل 15

    يونس: ولماذا تكذب؟ كان بإمكانها أن تقول ببساطة إنها ابنة فلان.أسد: ابنة خالد الفهري؟ يا رجل، ما بك؟ ذلك الرجل عقيم أساسًا، و انظر إلى عمرها! و أنت حيواناتك المنوية أكثر من سكان الصين وما زلت أعزب.يونس: ههههه، لا أعلم، لكنها لا تبدو طبيعية بالنسبة لي، و كأنها تحاول لفت انتباه شخص ما. انظر إلى تصرفاتها.أسد: هيا بنا نغادر من هنا. مضى وقت طويل منذ أن خرجت للمشي. روبن انتهى من طعامه، فلنتمشَّ داخل الغابة، فهي جميلة. و هذه الفتاة، إن كانت تخطط لشيء ما فسنعرف ذلك لاحقًا. أما إذا غادرت دون أن تفعل شيئًا فسنعتبر الأمر عاديًا.يونس: نعم، هذا احتمال أيضًا.نهض الاثنان للمشي، وتبعهما روبن بين الأشجار حتى الظهيرة. وعندما اشتدت حرارة الشمس، غادر يونس لأنه كان مضطرًا للذهاب إلى الشركة. كان هو من يدير كل شيء هناك، رغم أن الشركة أصبحت في وضع سيئ وتراجعت أعمالها بسبب سمعتها السيئة، إذ لم تعد تسدد مستحقات الناس، وأصبح الجميع يتجنب التعامل معها.أما أسد فعاد إلى منزله متعبًا ومتعرقًا من طول المشي. ترك روبن ودخل ليستحم، ثم خرج مرتديًا سروالًا عسكري الطابع وقميصًا زيتوني اللون، واستلقى على الأريكة على ب

  • حبيبي الأصم   الفصل 14

    الفصل 14بعد أسبوعين...استيقظ أسد مجدداً على عادته في صباح جديد مشمس وحار، وأخذ يضرب الوسادة في روبن حتى يوقظه.استيقظ الاثنان ودخلا إلى الحمام، وكان أسد في مزاج جيد هذه المرة، خاصة بعدما أصبحت شركة التصدير الخاصة به تتصدر قائمة الشركات في البورصة، وكانت أموره تسير على أفضل ما يرام.خرج من الحمام، وبدأ كعادته يتصارع مع روبن. كان يتركه يفعل ما يشاء حتى يخدش كتفه بمخالبه فتسيل منه قطرات من الدم.توجه إلى غرفة الملابس وارتدى سروالاً أبيض بخطوط سوداء، وبقي عاري الصدر، لا يضع سوى سلسلة فضية رقيقة حول عنقه، فهي الوسيلة التي تنبهه إلى إشعارات هاتفه.أخذ نظارته وقبعته، ارتداها بالمقلوب، ثم ألقى قبعة أخرى على روبن ووضعها له وهو يضحك.خرج الاثنان نحو الشاطئ.أحضر له محمد فطوره.كان محمد أقرب الموظفين إلى أسد، لأنه شخص هادئ ومنظم ويهتم بأسرته وأطفاله، كما أنه يتحدث ببطء ووضوح، وهو ما يساعد أسد على قراءة حركة شفتيه وفهم كلامه بسهولة، على عكس كثير من العاملين الذين يتحدثون بسرعة أو بتوتر.وضع له محمد فطوره المعتاد.كما وضع أمام روبن قطعة من لحم الخنزير، فجلس يفترسها بنهم.أمسك أسد كوب القهوة بيد،

  • حبيبي الأصم   الفصل 13

    تابعت سيارة الأجرة سيرها حتى وصلت إلى حي شعبي بامتياز. أمام كل باب مجموعة من الأشخاص يجلسون يتناولون بذور دوار الشمس، يتبادلون الأحاديث عن المارة ويخوضون في أخبار الجيران. هنا امرأة تجلس مع أطفالها، أحدهم يرضع منها، وبجانبها صينية بطيخ لم يتبق منها سوى القشور. وفي رأس كل زقاق مجموعة من العاطلين عن العمل يتجمعون حول الأحاديث والنقاشات، يتحدثون عن كل شيء وكأنهم خبراء في كل المجالات.توقفت سيارة الأجرة أمام منزل لامار... أو بالأحرى فاطمة الزهراء، لأن لامار ليس سوى الاسم الذي اشتهرت به في الملهى الليلي.كان المنزل بسيطاً، بابه مفتوح وستارة تفصل المدخل عن الداخل. كانوا يستأجرون الطابق الأرضي فقط.نزلت من السيارة، دفعت الأجرة، بينما كان أطفال الحي يراقبون كل شيء كعادتهم.دفعت الستارة ودخلت، فوجدت والدتها نائمة، وإخوتها مصطفين كعلب السردين في ذلك الحر الشديد، بينما التلفاز يعمل وهم يتابعون برنامج "رشيد شو".قالت رقية:"يا زهيرة، أراك عدتِ مبكراً، وهذا ليس من عادتك."قالت لامار وهي تدخل بخطوات متثاقلة:"اجمع رجليك ودعني أمر. كأنكم سقطتم من طائرة هنا. عدت مبكراً لأن السهرة انتهت بسرعة وتفرق ال

  • حبيبي الأصم   الفصل 12

    قالت لامار:"يا إلهي! هل أصابك الجنون أم ماذا؟ أُلين قلبه؟ نعم، قد يحبني، لكن الكذب والخداع لا علاقة لي بهما إلا الخير والإحسان. يكفي أن ينظر إليّ تلك النظرة حتى أفضح كل شيء. أبعدني عن هذه الفكرة، فأنا لا أصلح لها."قال عزيز:"اتضح أنك جبانة أكثر مما توقعت."قالت لامار:"هل أنت عاقل أم فقدت صوابك؟ أتريد أن ترميني في طريق رجل مثل ذلك؟ وإذا أصبحت مشنوقة وأنا ما زلت في عز شبابي؟ أنا ما زلت أحلم بأن أصبح مشهورة مثل صافيناز."قال عزيز:"لن يحدث لك شيء إذا التزمت بما أقوله. لماذا بدأتِ ترتجفين من الآن؟"قالت لامار:"انظر يا طويل العنق، مهما بدا الأمر سهلاً، لساني لا يعرف الترويض. نحن لا نعيش إلا بين الذئاب، ولذلك اضطررنا أن نظهر أنيابنا ونصبح أقوياء. آكلهم قبل أن يأكلوني حتى أُطعم أولئك الذين ينتظرونني في البيت. أما الكذب والخداع فلا أعرفهما، فقد يخرج عليّ بسيف فأموت من الخوف."قال عزيز:"أي سيف؟ هل هو عنترة بن شداد؟ إنه رجل عادي، بل سيعجبك كثيراً عندما ترينه، وقد تقولين لي بعدها: هنا سأبقى."قالت لامار:"لا، لا... وإذا اكتشف أمري؟ وإذا فعل بي هذا روكان شيئاً؟"قال عزيز وهو يتفحصها بنظره:"

  • حبيبي الأصم   الفصل 11

    حبيبي الأصمبقلم: كاميليا جودالفصل الحادي عشرعند أسدنزل أسد من اليخت، وكان عدد من الرجال في انتظاره. أما روبن فكان جالسًا فوق كتفه، وقد ازداد حجمًا وأصبحت أنيابه أكثر بروزًا.كانت بشرته قد ازدادت سمرة بفعل شمس الجزيرة القاسية التي قضى فيها الأسابيع الماضية.ما إن وطئت قدماه الأرض حتى أسرع عادل نحوه.عادل:"الحمد لله على السلامة. الحمد لله أننا رأيناك بخير."أسد:"هل سأل عني أحد؟"عادل:"جاء كثيرون لتقديم العزاء، وكنا نعيدهم. ألغينا جميع مواعيدك. وهناك شاب جاء مرتين ولم يجدك."أسد:"من هو؟"عادل:"قال إن اسمه يونس."أسد:"حسنًا... أحضر الغداء إلى المنزل، وأحضر طعام روبن أيضًا."دخل أسد إلى الفيلا، بينما أطلق عادل زفرة ارتياح بعدما ابتعد عنه.ففي وجود أسد كان يشعر دائمًا بالتوتر.تمتم عادل:"كنت أظنه سيترك ذلك النمر هناك، فلماذا أعاده معه؟ سيأتي يوم ويطير فيه رأس أحد الرجال."ثم توجه نحو الطباخ.عادل:"جهز الغداء، روكان عاد."الطباخ:"الحمد لله على سلامته. ربما أصبح أكثر هدوءًا الآن."عادل:"لا أعرف كيف يفكر هذا الرجل. عقله لا يمكن توقعه أبدًا. لولا الراتب الكبير الذي أتقاضاه، لكنت..

  • حبيبي الأصم   10

    حبيبي الأصمبقلم: كاميليا جودالفصل العاشرساد الصمت بينهما للحظات.ثم قالت سارة:"هل نسيتني يا أسد؟"أجابها:"لو كنت قد نسيتك، لكنت سألتك من أنت."قالت بحزن:"أنت لا تسأل عني أبدًا."ردّ:"حتى التي أنجبتني لم أعد أسأل عنها."تنهدت وقالت:"كم أصبح قلبك قاسيًا."نظر إليها وقال:"وهل ترين أن قلبي لم يقسُ بعد؟ ما الذي أبقاكِ هنا حتى الآن؟"أجابته:"عودتك."قال:"وماذا ستضيف عودتي أو تنقص؟"قالت:"ستحميني."ابتسم ابتسامة باهتة وقال:"لم أستطع أن أحمي نفسي من الهواجس التي تسكنني، ولا من العنف الذي أحمله بداخلي حتى أصبحت أؤذي نفسي... فكيف سأحميكِ أنتِ؟"قالت بهدوء:"أنا لا أخاف منك."صمت قليلًا، ثم قال:"سارة... يجب أن أرحل. إذا احتجتِ إلى شيء... فأنتِ مرحب بكِ."ثم تجاوزها ومضى.امتلأت عيناها بالدموع وهي تراقبه يبتعد.وقبل أن يغادر الفيلا، التقى بيونس.قال يونس:"أنت راحل؟"أجاب أسد:"وماذا سأفعل هنا؟"قال يونس:"لا تنسنا، أرجوك."رد أسد:"أنت تعرف أين تجدني."وأشار له بنظرة فهم منها يونس أنه مرحب به في أي وقت.ثم ركب سيارته وغادر.كان أكثر هدوءًا الآن.فأمه أصبحت تحت التراب، لكنها على الأ

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status