LOGINحبيبي الأصم
بقلم: كاميليا جود الفصل الثاني جاء ذلك الشاب وهو خائف ومتوتر. كان يرتدي سروالًا أسود وقميصًا أبيض، ويضع مئزرًا أسود حول خصره. حمل صينية الإفطار واتجه نحو أسد، وهو يرتجف، لأن لا أحد يقوم بخدمة أسد سوى محمد. أما عادل فكان يراقب من بعيد وهو يقضم أظافره من شدة القلق. بدأ الشاطئ يمتلئ بالناس، بينما كان أسد جالسًا بعيدًا، مركزًا على هاتفه. وضع الشاب الإفطار فوق الطاولة وهو يرتجف، لكن أسد لم ينتبه إليه، فوقف خلفه. قال أشرف: "الإفطار جاهز يا سيدي، هل تحتاج إلى شيء آخر؟" بدأ عادل يندب حظه وتحدث إليه عبر السماعة الموجودة في أذنه: "تقدم إلى الأمام وتحدث، ستوقعني في المصائب!" قال أشرف: "حسنًا..." تقدم أشرف إلى الأمام. رفع أسد عينيه إليه، وكانت أشعة الشمس تنعكس على عينيه العسليتين. رفع أحد حاجبيه وكأنه يسأله: ماذا تريد؟ قال أشرف بتوتر: "الإفطار... جاهز يا سيدي." ظل أسد مركزًا على شفتيه حتى انتهى من الكلام، ثم رفع عينيه إلى عينيه مباشرة. "من أنت؟" قال أشرف: "أنا... النادل الجديد يا سيدي." قال أسد: "أين محمد؟" كان عادل يقول له عبر السماعة: "قل له إنه مريض... مريض." قال أسد بحدة: "انزع السماعة وتحدث معي." توتر أشرف ونزع السماعة من أذنه. "إنه مريض فقط يا سيدي." قال أسد: "نادِ عادل." قال أشرف: "حاضر يا سيدي." ثم انطلق راكضًا. سأله عادل: "ماذا قال لك؟" قال أشرف: "إنه يريدك." قال عادل: "انتهى أمري... انتهى أمري. لعنة حظي، أنا الذي أثق بكم دائمًا. إذا حدث لي شيء فتبرعوا بعصاي لعلها تنفعني." أخذ عادل يتنفس بعمق، ثم رسم ابتسامة صفراء مصطنعة على وجهه واتجه نحو أسد. كان أسد يداعب روبن بيده. وما إن رفع عينيه إليه حتى شعر عادل بأن ساقيه تكادان تخذلانه. قال أسد: "حسنًا، أنا أعرف أن محمد غير موجود. أين ذهب؟" قال عادل متلعثمًا: "س... سيدي... محمد مريض قليلًا وذهب إلى العيادة." أشار أسد بيده نحو العيادة الخاصة به. "ولماذا لم يذهب إلى تلك؟" قال عادل: "تلك خاصة بسيادتكم يا سيدي." قال أسد: "ومنذ متى منعتكم من استخدامها؟" ثم أضاف: "عادل... أنت تعرف أنني لا أحب الكذب. ولا أحب رؤية ساقين ترتجفان هكذا أمامي، هل هذا مفهوم؟" ضم عادل ساقيه بسرعة وقال: "نعم يا سيدي." قال أسد: "من هذا الشاب؟" قال عادل: "جاء يطلب العمل يا سيدي، ولديه تجربة وخبرة، وقد سبق له العمل في القصر الملكي بالإمارات." قال أسد: "حتى لو كان قد عمل مع رؤساء العالم كلهم، فأنا لا أحب من ترتجف ركبتاه وهو يخدمني، ولا من يتلعثم أثناء الكلام. لقد تعبت من تكرار هذا الأمر." قال عادل: "لا يا سيدي." قال أسد: "ابتعد من أمامي، وعندما يعود محمد أرسله إلي." ثم أضاف: "أخرجوا الدراجة المائية." قال عادل: "حاضر يا سيدي." أعاد أسد نظره إلى إفطاره، ثم حمل فنجان القهوة. كان يشربها وهو يراقب الأمواج وهي تتقدم وتتراجع بعنف. كانت الأمواج تصطدم بالصخور بقوة كبيرة، وتتطاير الرغوة البيضاء حولها. كان أسد لا يسمعها، وهي الشيء الوحيد الذي لا يستطيع معرفة ما تقوله أو قراءة شفتيه. لذلك كان يراقبها ويتخيل صوتها في عقله دون أن يسمعه. بدأ الناس يدخلون إلى الشاطئ، وبدأ الجميع بالسباحة. كان أسد يفضل الجلوس في الأماكن التي يوجد فيها الناس، ولهذا السبب يسمح للجميع بدخول شواطئه. لكنهم يخضعون أولًا للتفتيش من طرف الحراس، ويتم التأكد من هوياتهم قبل السماح لهم بالدخول. وكان أغلب الزوار من الطبقة الراقية؛ رؤساء، ووزراء، وسياح، لأنهم يحبون مستوى الأمان الموجود هناك. أما الشواطئ الخاصة، مثل شواطئ أسد، فكان كثيرون يعتقدون أنها مغلقة، لكنه لم يمنع الناس من دخولها. أما عندما يكون غاضبًا، فإنه يبتعد إلى منطقته الخاصة، لأنه عندما يغضب يصبح التعامل معه صعبًا للغاية. ورغم كثرة أعدائه، فإنه يرفض أن يكون لديه حارس شخصي. يكتفي فقط بحراس الفيلا والمطاعم والشواطئ، أما هو فيرفض أن يرافقه أحد سوى روبن. كان يحب التنقل بحرية والجلوس حيثما أراد، والويل لمن يحاول منعه. فهو وحده يساوي خمسين حارسًا شخصيًا. نادراً ما يدخل المدن، ويفضل الشواطئ والجزر. يمتلك مناجم للمرجان والأحجار الكريمة والمعادن المستخرجة من ثروات البحر، مثل الكريستال واللؤلؤ وغيرها. وقد بنى كل ذلك في جزيرة اكتشفها وكانت مهجورة، فأعاد تهيئتها من جديد، وجعل جزءًا منها خاصًا بالمناجم. كما وفر للعاملين فيها جميع المرافق التي يحتاجونها؛ مدرسة، ومستوصفًا، وشرطة، ومتاجر، وهم يعيشون هناك ويتقاضون أجورهم مقابل الإشراف على الجزيرة. عدا عن قوارب الصيد التي تخرج يوميًا محملة بثروات من الأسماك. كما يمتلك شركة تصدير خاصة به، لها فروع في مختلف المدن، ووظف لها مديرين ومسؤولين، بينما يكتفي هو بمتابعة الحسابات. هذا بالإضافة إلى المنتجعات والفنادق التي يملكها في أمريكا اللاتينية وآسيا، وحتى في المغرب. كان أسد متقلب المزاج؛ فقد يستيقظ يومًا ويرغب في قضاء الصباح في أستراليا، وقد يقرر يومًا آخر البقاء في منزله دون أن يخرج، أو قد تخطر له فكرة ركوب يخته والتوجه إلى وسط المحيط، ليجلس هناك برفقة روبن. كان يفعل ما يشاء، والأموال تدخل وتخرج دون أن يعترضه أحد. نعم، هو لا يسمع، لكنه يمتلك عينين لا يفوتهما شيء. ولا أحد يجرؤ على خداعه، لأنه يكشف الكذب بسرعة من خلال العيون. وفي بعض الأحيان يرى الكذبة أمامه بوضوح، ويعرف أن صاحبها خائف، فيتظاهر بأنه صدقه رغم أنه يعلم الحقيقة. كانت عيناه ثاقبتين، وكأن جميع حواسه اجتمعت فيهما. أما عبوسه فكان سمة ملازمة لوجهه، وربما اكتسبه من الحيوانات المفترسة التي يقضي معها وقتًا طويلًا في محمياته. كان نادر الابتسام، وقليلًا جدًا ما يبتسم. في الغالب، كان يبدو دائمًا عابس الملامح.يونس: ولماذا تكذب؟ كان بإمكانها أن تقول ببساطة إنها ابنة فلان.أسد: ابنة خالد الفهري؟ يا رجل، ما بك؟ ذلك الرجل عقيم أساسًا، و انظر إلى عمرها! و أنت حيواناتك المنوية أكثر من سكان الصين وما زلت أعزب.يونس: ههههه، لا أعلم، لكنها لا تبدو طبيعية بالنسبة لي، و كأنها تحاول لفت انتباه شخص ما. انظر إلى تصرفاتها.أسد: هيا بنا نغادر من هنا. مضى وقت طويل منذ أن خرجت للمشي. روبن انتهى من طعامه، فلنتمشَّ داخل الغابة، فهي جميلة. و هذه الفتاة، إن كانت تخطط لشيء ما فسنعرف ذلك لاحقًا. أما إذا غادرت دون أن تفعل شيئًا فسنعتبر الأمر عاديًا.يونس: نعم، هذا احتمال أيضًا.نهض الاثنان للمشي، وتبعهما روبن بين الأشجار حتى الظهيرة. وعندما اشتدت حرارة الشمس، غادر يونس لأنه كان مضطرًا للذهاب إلى الشركة. كان هو من يدير كل شيء هناك، رغم أن الشركة أصبحت في وضع سيئ وتراجعت أعمالها بسبب سمعتها السيئة، إذ لم تعد تسدد مستحقات الناس، وأصبح الجميع يتجنب التعامل معها.أما أسد فعاد إلى منزله متعبًا ومتعرقًا من طول المشي. ترك روبن ودخل ليستحم، ثم خرج مرتديًا سروالًا عسكري الطابع وقميصًا زيتوني اللون، واستلقى على الأريكة على ب
الفصل 14بعد أسبوعين...استيقظ أسد مجدداً على عادته في صباح جديد مشمس وحار، وأخذ يضرب الوسادة في روبن حتى يوقظه.استيقظ الاثنان ودخلا إلى الحمام، وكان أسد في مزاج جيد هذه المرة، خاصة بعدما أصبحت شركة التصدير الخاصة به تتصدر قائمة الشركات في البورصة، وكانت أموره تسير على أفضل ما يرام.خرج من الحمام، وبدأ كعادته يتصارع مع روبن. كان يتركه يفعل ما يشاء حتى يخدش كتفه بمخالبه فتسيل منه قطرات من الدم.توجه إلى غرفة الملابس وارتدى سروالاً أبيض بخطوط سوداء، وبقي عاري الصدر، لا يضع سوى سلسلة فضية رقيقة حول عنقه، فهي الوسيلة التي تنبهه إلى إشعارات هاتفه.أخذ نظارته وقبعته، ارتداها بالمقلوب، ثم ألقى قبعة أخرى على روبن ووضعها له وهو يضحك.خرج الاثنان نحو الشاطئ.أحضر له محمد فطوره.كان محمد أقرب الموظفين إلى أسد، لأنه شخص هادئ ومنظم ويهتم بأسرته وأطفاله، كما أنه يتحدث ببطء ووضوح، وهو ما يساعد أسد على قراءة حركة شفتيه وفهم كلامه بسهولة، على عكس كثير من العاملين الذين يتحدثون بسرعة أو بتوتر.وضع له محمد فطوره المعتاد.كما وضع أمام روبن قطعة من لحم الخنزير، فجلس يفترسها بنهم.أمسك أسد كوب القهوة بيد،
تابعت سيارة الأجرة سيرها حتى وصلت إلى حي شعبي بامتياز. أمام كل باب مجموعة من الأشخاص يجلسون يتناولون بذور دوار الشمس، يتبادلون الأحاديث عن المارة ويخوضون في أخبار الجيران. هنا امرأة تجلس مع أطفالها، أحدهم يرضع منها، وبجانبها صينية بطيخ لم يتبق منها سوى القشور. وفي رأس كل زقاق مجموعة من العاطلين عن العمل يتجمعون حول الأحاديث والنقاشات، يتحدثون عن كل شيء وكأنهم خبراء في كل المجالات.توقفت سيارة الأجرة أمام منزل لامار... أو بالأحرى فاطمة الزهراء، لأن لامار ليس سوى الاسم الذي اشتهرت به في الملهى الليلي.كان المنزل بسيطاً، بابه مفتوح وستارة تفصل المدخل عن الداخل. كانوا يستأجرون الطابق الأرضي فقط.نزلت من السيارة، دفعت الأجرة، بينما كان أطفال الحي يراقبون كل شيء كعادتهم.دفعت الستارة ودخلت، فوجدت والدتها نائمة، وإخوتها مصطفين كعلب السردين في ذلك الحر الشديد، بينما التلفاز يعمل وهم يتابعون برنامج "رشيد شو".قالت رقية:"يا زهيرة، أراك عدتِ مبكراً، وهذا ليس من عادتك."قالت لامار وهي تدخل بخطوات متثاقلة:"اجمع رجليك ودعني أمر. كأنكم سقطتم من طائرة هنا. عدت مبكراً لأن السهرة انتهت بسرعة وتفرق ال
قالت لامار:"يا إلهي! هل أصابك الجنون أم ماذا؟ أُلين قلبه؟ نعم، قد يحبني، لكن الكذب والخداع لا علاقة لي بهما إلا الخير والإحسان. يكفي أن ينظر إليّ تلك النظرة حتى أفضح كل شيء. أبعدني عن هذه الفكرة، فأنا لا أصلح لها."قال عزيز:"اتضح أنك جبانة أكثر مما توقعت."قالت لامار:"هل أنت عاقل أم فقدت صوابك؟ أتريد أن ترميني في طريق رجل مثل ذلك؟ وإذا أصبحت مشنوقة وأنا ما زلت في عز شبابي؟ أنا ما زلت أحلم بأن أصبح مشهورة مثل صافيناز."قال عزيز:"لن يحدث لك شيء إذا التزمت بما أقوله. لماذا بدأتِ ترتجفين من الآن؟"قالت لامار:"انظر يا طويل العنق، مهما بدا الأمر سهلاً، لساني لا يعرف الترويض. نحن لا نعيش إلا بين الذئاب، ولذلك اضطررنا أن نظهر أنيابنا ونصبح أقوياء. آكلهم قبل أن يأكلوني حتى أُطعم أولئك الذين ينتظرونني في البيت. أما الكذب والخداع فلا أعرفهما، فقد يخرج عليّ بسيف فأموت من الخوف."قال عزيز:"أي سيف؟ هل هو عنترة بن شداد؟ إنه رجل عادي، بل سيعجبك كثيراً عندما ترينه، وقد تقولين لي بعدها: هنا سأبقى."قالت لامار:"لا، لا... وإذا اكتشف أمري؟ وإذا فعل بي هذا روكان شيئاً؟"قال عزيز وهو يتفحصها بنظره:"
حبيبي الأصمبقلم: كاميليا جودالفصل الحادي عشرعند أسدنزل أسد من اليخت، وكان عدد من الرجال في انتظاره. أما روبن فكان جالسًا فوق كتفه، وقد ازداد حجمًا وأصبحت أنيابه أكثر بروزًا.كانت بشرته قد ازدادت سمرة بفعل شمس الجزيرة القاسية التي قضى فيها الأسابيع الماضية.ما إن وطئت قدماه الأرض حتى أسرع عادل نحوه.عادل:"الحمد لله على السلامة. الحمد لله أننا رأيناك بخير."أسد:"هل سأل عني أحد؟"عادل:"جاء كثيرون لتقديم العزاء، وكنا نعيدهم. ألغينا جميع مواعيدك. وهناك شاب جاء مرتين ولم يجدك."أسد:"من هو؟"عادل:"قال إن اسمه يونس."أسد:"حسنًا... أحضر الغداء إلى المنزل، وأحضر طعام روبن أيضًا."دخل أسد إلى الفيلا، بينما أطلق عادل زفرة ارتياح بعدما ابتعد عنه.ففي وجود أسد كان يشعر دائمًا بالتوتر.تمتم عادل:"كنت أظنه سيترك ذلك النمر هناك، فلماذا أعاده معه؟ سيأتي يوم ويطير فيه رأس أحد الرجال."ثم توجه نحو الطباخ.عادل:"جهز الغداء، روكان عاد."الطباخ:"الحمد لله على سلامته. ربما أصبح أكثر هدوءًا الآن."عادل:"لا أعرف كيف يفكر هذا الرجل. عقله لا يمكن توقعه أبدًا. لولا الراتب الكبير الذي أتقاضاه، لكنت..
حبيبي الأصمبقلم: كاميليا جودالفصل العاشرساد الصمت بينهما للحظات.ثم قالت سارة:"هل نسيتني يا أسد؟"أجابها:"لو كنت قد نسيتك، لكنت سألتك من أنت."قالت بحزن:"أنت لا تسأل عني أبدًا."ردّ:"حتى التي أنجبتني لم أعد أسأل عنها."تنهدت وقالت:"كم أصبح قلبك قاسيًا."نظر إليها وقال:"وهل ترين أن قلبي لم يقسُ بعد؟ ما الذي أبقاكِ هنا حتى الآن؟"أجابته:"عودتك."قال:"وماذا ستضيف عودتي أو تنقص؟"قالت:"ستحميني."ابتسم ابتسامة باهتة وقال:"لم أستطع أن أحمي نفسي من الهواجس التي تسكنني، ولا من العنف الذي أحمله بداخلي حتى أصبحت أؤذي نفسي... فكيف سأحميكِ أنتِ؟"قالت بهدوء:"أنا لا أخاف منك."صمت قليلًا، ثم قال:"سارة... يجب أن أرحل. إذا احتجتِ إلى شيء... فأنتِ مرحب بكِ."ثم تجاوزها ومضى.امتلأت عيناها بالدموع وهي تراقبه يبتعد.وقبل أن يغادر الفيلا، التقى بيونس.قال يونس:"أنت راحل؟"أجاب أسد:"وماذا سأفعل هنا؟"قال يونس:"لا تنسنا، أرجوك."رد أسد:"أنت تعرف أين تجدني."وأشار له بنظرة فهم منها يونس أنه مرحب به في أي وقت.ثم ركب سيارته وغادر.كان أكثر هدوءًا الآن.فأمه أصبحت تحت التراب، لكنها على الأ







