LOGINالفصل 4
فكرت أنه لابد من التواصل مع خديچة التي تسكن جسدها الآن، لربما يجدا حلًا لما يحدث، ثم قاطع دخول ناديه والطبيب أفكارها. نظرت لهم فاتن، عندما رأت الطبيب مع ناديه رفعت زاوية شفاها في ابتسامة سريعة لا تُلحظ. علمت أن شخصية ناديه لا تستطيع كتم الأسرار وكثيرة الكلام، لهذا اختارتها كي تمهد الطريق لها. الطبيب: "آنسة خديچة، كيف حالك الآن؟" فاتن: "بخير." قام الطبيب بفحصها وسألها عدة أسئلة عن حالتها: "هل تذكرين أيّ شيء مما حدث معكِ؟" فاتن: "لا." الطبيب: "حسنًا، سوف نجري بعض الأشعة على العقل لكي نرى إن كان حدث له ضرر أو أيّ شيء سبب فقدان الذاكرة." ابتسمت فاتن وأومأت رأسها. خرج الطبيب وترك فاتن بمفردها، ترتب أفكارها وتضع خططها لكي لا تنكشف أمام أحد إلى أن تتواصل مع خديچة. بعد انتهائها من الفحوصات، تناولت غداءها، ثم سمعت أصواتًا كثيرة خارج غرفتها. فُتح باب غرفتها ودخل أشخاص كثر، زعرت حين رأتهم لكنها سرعان ما استوعبت أنهم أهلها، أو الأدق أهل خديچة. وقفوا بجوار سريرها، جميع أفراد العائلة. كانت تشعر بالذعر من نظرات الجد العدائية، كأنه ينوي قتلها، ونظرات الباقين ما بين الفرح واليأس. فاجأة احتضنتها ذراعٌ دافئة، كانت والدة خديچة، احتضنتها بقوة وبكت. ارتبكت قليلًا، لكنه كان أول عناق لها منذ كانت والدتها على قيد الحياة. لم تشعر بنفسها، ومدت ذراعها واحتضنت والدة خديچة، وسقطت دمعة من عينيها. شاهد أفراد العائلة خديچة تحتضن والدتها، فصُدموا. لم يتوقعوا أن يروا هذا المشهد بين الأم وابنتها بعد آخر جدال بينهما منذ سنوات. شعرت حورية بذراع ابنتها تلتف حولها، فغمرتها سعادة، واحتضنتها بقوة وبكت أكثر. اقترب والد خديچة وقام باحتضانهم أيضًا، حينها ولأول مرة شعرت فاتن أنها ليست يتيمة، وأن لديها أحدًا يحبها. تجمدت ابتسامتها، وسرعان ما تذكرت أنهم ليسوا عائلتها، وأن حبهم كان لخديچة… لا لها. انطفأت عيناها، وعاد الحزن يملأ ملامحها. ابتسم الجد لرؤيتهم يحتضنون بعضهم هكذا، ثم اقترب: "حفيدتي العزيزة، سعيد أنكِ بخير يا طفلتي." عندما رأت أن نظراته العدائية اختفت وابتسم، استطاعت التنفس بأريحية، وابتسمت له، ونظرت لأفراد العائلة. رأت الجدة تبكي، هي وداليدا، رأت الجميع سعداء لأنها بخير، لكن العم والعمة سعادتهم كانت لحظية فقط. "خديچة، كيف أمكنكِ الانتحار وأنتِ لديكِ عائلة حقيقية تحبكِ؟" مسحت عينيها المبتلتين، كانت ستخبرهم بشيء، لكن دخل الطبيب وقاطعها. الطبيب: "أهلاً سيد نوح." قام بتحية الجد وأفراد العائلة باحترام، ثم أخبرهم بحالة فاتن. حينها شعرت فاتن بالارتياح لأنها لن تخوض جوّ الأسئلة التي يصعب عليها إجابتها. صُدمت العائلة لما سمعته، لكن الطبيب طمأنهم أنها بخير، والفحوصات جيدة، وأنها رد فعل من العقل لتخفيف الذعر بسبب ما حدث. ارتاحوا قليلًا لسماع أنها بخير، لكن هناك من شعر بسعادة أكبر لفقدانها الذاكرة. بعد قليل غادر الطبيب، وبقيت العائلة مع فاتن، وظلوا يتحدثون معها عن أيّ شيء عدا الحادث، لكي لا تتوتر كما قال الطبيب. فُتح باب الغرفة ودخل عمر. عرفت فاتن من هو حين رأته أثناء تفحصها خلفية خديچة، رأت له صورًا ومقالات كثيرة. حين رأى خديچة ابتسم لها واقترب منها. قال بصوت عالٍ أمام الجميع: "لقد سمعت أن مازن ظل هنا طوال الليل، هل نجحت خطتك هذه المرة؟" وقام بغمز عينه. سمع الجد كلامه، قام بتوبيخه: "أنت حقًا لا تنفع في شيء، ابنة عمك مريضة وأنت تتحدث عن السخافات!" فضحك كل من داليدا وفاتن. ابتسم عمر وقال: "جدي، أليس هذا الهدف من وجود خديچة هنا؟" ثم التفت إلى خديچة مبتسمًا: "أليس كلامي صحيح؟" وقف الجد ورفع عصاه لكي يضربه، لكن لم يصبه، وهرب عمر في الغرفة الواسعة، والجد يركض خلفه. لم تتمالك فاتن نفسها وضحكت بقهقهة لما يحدث. كان الجو مليئًا بأجواء دافئة لم تعشها من قبل. اقتربت داليدا منها وقالت بهمس: "خديچة، أصحيح ما يقوله عمر؟" هزت فاتن رأسها مرة واحدة. فوجئت داليدا، لم تتوقع أن مازن سيأتي إلى المستشفى أبدًا، ولكنه أتى وبقى بجوارها الليل كله. ابتسمت: "إذاً لقد حركتِ شيئًا بداخله، أرجوكِ توقفي عن محاولات الانتحار الآن." خفضت صوتها كي لا يسمع أحد ويوبخها. رأت فاتن القلق في عيني داليدا، حينها علمت كم تحب خديچة. أمسكت فاتن بيدها وقالت: "لا تقلقي، لن يحدث مرة أخرى أبدًا." فرحت داليدا لما سمعته واحتضنتها، أفلتتها فاتن وهمست بصوت خافت: "أخبركِ بشيء آخر جيد." هزت داليدا رأسها كثيرًا بموافقة، همست فاتن: "سوف أنفصل عن مازن." تجمدت الابتسامة على وجه داليدا، صُدمت لما سمعته. لم تتوقع أن يأتي يوم وتقول ابنة خالها إنها ستنفصل عن مازن. "خديچة، هل حدث شيء؟ هل هددكِ مازن مرة أخرى؟" عندما سمعت كلام داليدا، قطبت حاجبيها: "مازن هددني لكي ينفصل عني." عضت داليدا شفاها برفق وقالت: "أنتِ لا تتذكرين شيئًا حقًا." ظنت داليدا أن خديچة تمثل لكي تلفت انتباه مازن، لكن الآن يبدو أنها حقيقة. ظلت فاتن تنظر إليها، مقطبة الحاجب، وبدت على وجهها ملامح الغضب. رأت داليدا رد فعلها، فشعرت بشيء غريب. نظرت فاتن إلى جدها، الذي جلس لتوه يلتقط أنفاسه بعد ركضه وراء عمر ولم يمسك به. قالت: "جدي، هل يمكنني مغادرة المستشفى اليوم؟ لا أريد البقاء هنا أكثر." ابتسم الجد: "حسنًا، سوف أسأل الطبيب لنرى ماذا سيقول." ابتسمت فاتن وأومأت رأسها، وظلت داليدا تراقبها بصمت. بعد بضع دقائق غادر والد خديچة وعمها إلى الشركة، كان لديهم اجتماع، ثم غادرت والدة داليدا، وذهب الجد لسؤال الطبيب إذا أمكن خديچة المغادرة، وبقيت الجدة وحورية، والدة خديچة. كانت حورية تشاهد ابنتها تضحك وتتحدث مع عمر وداليدا، شعرت بسعادة تغمرها لرؤيتها ابنتها تبتسم أخيرًا. رأت الجدة نظرات حورية لابنتها، فأمسكت يدها، وقالت: "قلبي يخبرني أن أشياء جيدة سوف تحدث." ابتسمت حورية وأومأت برأسها...أغمضت عينيها للحظة طويلة، ارتفع صدرها ببطء وهي تأخذ نفسًا عميقًا.شهيق... طويل وثقيل.ثم زفير هادئ كأنها تحاول طرد كل ما بداخلها من غضب دفعة واحدة.فتحت عينيها مجددًا، لكن هذه المرة...كان فيهما شيء مختلف.لمعة حادة، ثابتة، وكأن قرارًا قد اتخذ دون رجعة."سأريكم..."همست بصوت منخفض لكنه ممتلئ بالعزم."كيف لا يرفع عينيه نحوي."التفتت نحو أجهزة العلاج الموضوعة بجانبها.راقبتها لثوانٍ وكأنها تزن معركة جديدة.ثم مالت بجسدها قليلًا، أمسكت بالكرسي بثبات، وسحبته بهدوء نحو السرير.بكل حذر، انتقلت من السرير إليه، متجنبة أي حركة مفاجئة قد تُسقطها.جلست لثوانٍ تلتقط أنفاسها، ثم رفعت رأسها بإصرار.دفعت الكرسي قليلًا، واتجهت نحو جهاز المساعدة على الوقوف.أمسكت به جيدًا، شدت قبضتها، ثم وقفت، تأوه خافت خرج منها، لكنها لم تتوقف.شهيق...زفير...خطت أول خطوة.كانت بطيئة، مترددة، وكأن الأرض نفسها ترفضها.لكنها تقدمت، خطوة... ثم أخرى.وفي كل مرة كانت قدماها تثقلان أكثر من السابقة."اللعنة... الأمر أصعب مما توقعت."توقفت لثوانٍ، تلتقط أنفاسها المتسارعة، ثم رفعت رأسها بإصرار جديد.واستكملت طريقها.خطوة بعد خ
فاتن بحيرة وصدمة. "من يكون هذا؟" خرج صوتها أضعف مما أرادت، بينما كانت الأسئلة تتزاحم داخل عقلها بلا رحمة. من يراقبها؟… ومنذ متى؟… وكم شيئًا رآه بالفعل؟ رفع مازن عينيه إليها وقال بهدوء حاول أن يجعله مطمئنًا. "لا تقلقي... سنعرف قريبًا." لم تبدُ عليه الحيرة أو الخوف الذي يشتعل داخلها، بل كان هادئًا على نحو غريب، وكأنه بدأ يجمع قطع الأحجية في رأسه بالفعل. ثم تابع بجدية. "أريني مكان التي في السقف." تجمدت فاتن للحظة. وعادت إليها ذكرى ما حدث قبل قليل رغماً عنها. شعرت بحرارة تتسلل إلى وجنتيها فجأة. فأخفضت عينيها سريعًا محاولة الهرب من نظراته. ثم رفعت يدها وأشارت نحو السقف دون أن تنظر إليه. "هناك..." تبع مازن اتجاه إصبعها، ثم اقترب من المكان مباشرة. سحب أحد الكراسي وصعد عليه. وبفضل طوله، استطاع الوصول إلى موضع الكاميرا بسهولة أكبر. مد يده محاولًا نزعها، لكنها كانت مثبتة بإحكام. قطب حاجبيه بضيق.وجذبها مرة… ثم أخرى...حتى انتزعها أخيرًا. نزل من فوق الكرسي بهدوء. رتب أكمام قميصه وكأن الأمر لا يستحق كل هذا العناء. ثم رفع الكاميرا أمام عينيه.ظل يحدق بها لثوانٍ. وفجأة...ابتس
"عن ماذا تبحث؟" كان مازن يتنقل بعينيه بين أرجاء الغرفة، يفتش كل زاوية فيها وكأنه يطارد شبحًا لا يراه أحد غيره. أجابها ببرود دون أن يلتفت. "على أساس أنكِ لا تعلمين عمَّ أبحث." ضحكت فاتن بسخرية وهي تعقد ذراعيها أمامها. "ألا تعتقد أنه كان بإمكانك سؤالي؟ فأنا أعرف مكانها." توقف مازن فجأة، ساد الصمت للحظة. ثم استدار ببطء نحوها. كانت نظرته باردة وحادة لدرجة أن ابتسامتها اختفت فورًا، وكأن أحدهم انتزعها من على وجهها. رفعت حاجبيها ببراءة مصطنعة. "ماذا؟" قلب مازن عينيه بضيق واقترب منها. خطوة...ثم أخرى... ومع كل خطوة كان التوتر داخل فاتن يزداد دون أن تعرف السبب. توقفت أنفاسها قليلًا وهي تراقبه يقترب. خرج صوته منخفضًا وحازمًا. "أين مكانها؟" رفعت يدها وأشارت نحو السقف. التفت مازن إلى المكان الذي أشارت إليه، لكنه لم ير شيئًا. عقد حاجبيه. "لا يوجد شيء." زفرت فاتن بضيق. "انظر جيدًا... هناك نقطة سوداء صغيرة، ألا تراها؟" ظل يحدق في المكان لثوانٍ، ثم هز رأسه. "لا." تنهدت بضجر قبل أن تمسك يده وتسحبه نحوها. "ستراها من مكاني." اتسعت عينا مازن قليلًا من فعلتها المفاجئة. لكنه لم
التفت مازن نحوها بهدوء بعدما أنهى مكالمته. لكن ما إن وقعت عيناه عليها حتى تباطأت خطواته قليلًا. كانت تنظر إليه...تنظر فقط. عيناها ثابتتان عليه بشكل غريب، وكأنها لا تراه حقًا، بل ترى شيئًا آخر خلفه. أو ربما كانت غارقة في أفكارها لدرجة أنها لم تنتبه حتى لاقترابه. أغلق الهاتف ووضعه في جيبه، ثم وقف أمامها مباشرة. "ماذا حدث؟" انتفضت فاتن قليلًا. أعادها صوته إلى أرض الواقع دفعة واحدة. رمشت عدة مرات ثم هزت رأسها بسرعة. "لا شيء." راقبها للحظات وكأنه لا يصدقها، ثم جلس مقابلها بهدوء. "ماذا أراد تامر؟" تنهدت فاتن وهي تبعد نظرها عنه. "يريد التحالف معي." ارتفع أحد حاجبيه بسخرية. "وماذا سيستفيد منكِ؟" رمقته بنظرة جانبية باردة جعلته يصمت للحظة. تنهدت بهدوء، ثم قالت بعد تردد. "هل يمكنني أن أسألك شيئًا؟" استقامت جلسته قليلًا. "ماذا؟" سكتت لثوانٍ، وكأن الكلمات أثقل مما توقعت. ثم خرج السؤال أخيرًا بصوت منخفض. "هل خديجة قبيحة؟" توقفت أنفاسه للحظة.لكنها أكملت قبل أن يجيب. "أقصد... أنا." رفعت عينيها إليه مباشرة. "هل أنا قبيحة؟" انعقد حاجباه فورًا. "ما هذا السؤال؟" أبعدت نظر
بعد لحظات قصيرة، خفتت أنفاسها تدريجيًا… ثم استسلمت عيناها للنعاس، وسقطت في نوم هادئ، كأن العالم توقف للحظة من حولها. لكن الهدوء لم يدم. "آنسة خديجة…" صوت خافت اقترب منها. "آنسة…" فتحت عينيها فجأة، كأنها انتُزعت من حلم غير مكتمل. جلست بسرعة، ونظرت حولها بحدة. "ما الأمر؟" أمنية وقفت بجانبها، ملامحها هادئة أكثر من اللازم. "حان وقت الغداء وتناول الأدوية." تنفست فاتن ببطء، محاولة استعادة توازنها. اعتدلت في جلستها دون تعليق، بينما أحضرت أمنية الدواء. أخذته، وما إن ابتلعته حتى ارتعش جسدها قليلًا من مرارته، وأغمضت عينيها للحظة كأنها تتحمل شيئًا لا يُطاق، ثم فتحتها مجددًا بهدوء. امنية "سأحضر الطعام." لكن صوت فاتن أوقفها فورًا. "لا… سأتناوله في الأسفل مع الجميع." ترددت أمنية لحظة، كأنها تحسب القرار، ثم أومأت بالموافقة. ساعدتها في ترتيب مظهرها، وغسل وجهها، ثم دفعا الكرسي نحو الأسفل. الهواء في القصر بدا مختلفًا وهي تنزل… ليس هدوءًا مريحًا، بل هدوءًا يحمل شيئًا غير مكتمل. دخلت غرفة الجلوس حيث كان الجميع مجتمعين، والخدم يتحركون بصمت حول الطاولة. جلست بينهم بهدوء، كأنها تراقب
ضمت شفتاها بهدوء وهي ترفع نظرها إليه. "هل جئت للاطمئنان عليّ؟" لؤي ابتسم ابتسامة خفيفة، كأنه كان ينتظر السؤال. "لا… جئت لأكمل تدريباتنا." رفعت حاجبها بدهشة واضحة. "تمزح معي؟" ضحك بهدوء، ثم هز رأسه. "لا." "سيد نوح يريد إنهاء التدريب بسرعة خلال فترة تعافيك." ضمت شفتاها بضيق، ثم صمتت لحظة… وكأن كلمات مازن قبل قليل عادت تدور في رأسها. "ليس الآن." رفع لؤي نظره إليها بحيرة. "لما لا؟" أخذت نفسًا خفيفًا. "أريد التركيز على التعافي فقط الآن." هز كتفه بهدوء. "حسنًا… كما تشائين." سادت لحظة صمت قصيرة، لكنها لم تدم. "حقًا لم تأتِ للاطمئنان عليّ؟" قالتها فجأة، بنبرة فيها شك خفيف. ضحك لؤي هذه المرة بوضوح. "بلي جئت للاطمئنان عليكِ… هل هذا يرضيك؟" ابتسمت وهزت رأسها بخفة، وكأن التوتر تلاشى للحظة. جلسا معًا بصمت مريح، يتخلله حديث متقطع وضحكات خفيفة، كأن كل ما حدث سابقًا أصبح بعيدًا لحظيًا. لكن ذلك الهدوء لم يدم طويلًا. اقترب يوسف بخطوات ثابتة، وصوته يحمل جدية. "يجب أن ترتاحي الآن." رفعت عينيها إليه بتململ واضح. "لست متعبة… أريد البقاء قليلًا." يوسف "لا يجب ثني قدمك ب







