LOGIN{ حين بدأ الشك}
مرّ شهر كامل منذ ذلك الغداء الذي جمع كارلي بالعائلة. وخلال ذلك الشهر، بدأت أشياء كثيرة تتغير داخل قصر فيتالي. لم تعد كارلي تلك المرأة الغريبة التي تقف بعيدًا عن لوكا. كانت تزوره أحيانًا، تجلس معه في الحديقة، وتسأله عن يومه، وأحيانًا كان هو من يذهب إليها دون أن تطلب منه ذلك. لم تكن علاقتهما مثالية بعد، لكن الجدار الذي ظل بينهما لسنوات بدأ يتشقق شيئًا فشيئًا. وفي أحد الأيام، كانت كارلي تجلس مع سولي في الحديقة. تحدثتا عن أشياء كثيرة، حتى لاحظت كارلي أن سولي توقفت فجأة عن الكلام. وضعت يدها على طرف المقعد، وأخذت نفسًا هادئًا. نظرت إليها كارلي بقلق. — سولي؟ رفعت سولي عينيها. — نعم؟ — هل أنتِ بخير؟ ابتسمت بسرعة. — نعم. لكن كارلي لم تقتنع. — أنتِ متعبة. — قليلًا فقط. — منذ فترة وأنا ألاحظ أنكِ تتعبين بسرعة. تغيرت ملامح سولي للحظة. — ربما لأنني لا أنام جيدًا. اقتربت كارلي منها قليلًا. — هل هناك شيء تخفينه عن لوكا؟ تجمدت سولي. كانت عيناها تهربان من عيني كارلي. — لا. — سولي... ابتسمت سولي محاولة تغيير الحديث. — بالمناسبة، كيف أصبح لوكا معكِ؟ فهمت كارلي أنها لا تريد الإجابة. لذلك لم تضغط عليها. لكن القلق بقي في عينيها. — أصبح أفضل. ابتسمت سولي. — كنت أعرف أنه سيفعل. نظرت إليها كارلي للحظات. كان هناك شيء في ابتسامة سولي جعلها تشعر أن الفتاة تخفي أكثر مما تقول. --- وفي الجهة الأخرى من القصر، لم تعد علاقة لورينزو وإيلارا سرًا. الجميع تقريبًا أصبح يعرف أنها لم تعد مجرد صداقة. وكان لورينزو نفسه قد توقف عن محاولة إخفاء الأمر. كلما دخلت إيلارا القصر، كان وجهه يتغير بطريقة واضحة، حتى إن ماركو وإيزابيل لم يعودا يفوتان فرصة لمضايقته. وفي ذلك المساء، كانت إيلارا مدعوة إلى العشاء. جلس الجميع حول المائدة، بينما كانت إيلارا تحاول أن تتصرف بهدوء رغم نظرات العائلة التي كانت تراقبها. أما لورينزو فكان يحاول إخفاء ابتسامته كلما التقت عيناه بعينيها. راقبهم مورفون لفترة طويلة. ثم وضع كوبه على الطاولة بهدوء. — أريد التحدث معك بعد العشاء يا لورينزو. توقف لورينزو. — معي؟ — نعم. نظر مورفون إلى إيلارا للحظة. — هناك أمر يتعلق بكما. ساد صمت قصير. أما سولي فنظرت إلى لوكا باستغراب. كان واضحًا أن مورفون لا يتحدث عن مجرد علاقة عابرة. بعد العشاء، بقي لورينزو في القاعة. اقترب منه مورفون. — علاقتك بإيلارا أصبحت معروفة للجميع. ابتلع لورينزو ريقه. — أعلم. — وأنا لا أريد أن أتدخل في اختيارك. رفع لورينزو عينيه إليه. — إذًا؟ قال مورفون بهدوء: — سأخذ قرارًا بشأن هذه العلاقة، لكنني لن أفعله قبل أن أعرف إن كنت جادًا فعلًا. اتسعت عينا لورينزو. — أنا جاد. ظهرت ابتسامة صغيرة على وجه مورفون. — إذًا أثبت ذلك. ومن بعيد، كانت إيلارا تنتظر لورينزو، وحين عاد إليها، أخبرها بما حدث. اتسعت عيناها. — هل كان غاضبًا؟ ضحك لورينزو. — لا. — إذًا ماذا يريد؟ — أن يعرف إن كنت جادًا. احمر وجه إيلارا. — وأنت؟ اقترب منها قليلًا وقال: — أكثر مما تتخيلين. ضحكت بخجل، بينما كان لورينزو يبتسم. أما سولي، التي كانت تراقبهما من بعيد، فشعرت بالسعادة لهما. كانت تحب رؤية الجميع يجدون طريقهم إلى السعادة. ربما لأنها كانت تتمنى أن يجد لوكا طريقه إليها أيضًا. --- في اليوم التالي استيقظت سولي مبكرًا. بقي لوكا نائمًا، لذلك تحركت بهدوء حتى لا توقظه. ارتدت ملابسها، وأخذت حقيبتها الصغيرة. وقبل أن تغادر، نظرت إليه للحظات. ثم همست: — سأعود قريبًا. وغادرت. لم تكن ذاهبة إلى منزل جدتها. كانت ذاهبة إلى المستشفى. جلست أمام الطبيب وهي تحاول أن تبدو هادئة. نظر الطبيب إلى نتائج فحوصاتها، ثم قال بلطف: — حالتك لم تتحسن كما كنا نأمل. خفضت سولي عينيها. — فهمت. — نحتاج إلى الإسراع في إيجاد متبرع مناسب. ساد الصمت. ثم سألت بصوت منخفض: — والوقت؟ تنهد الطبيب. — لا أريد أن أخيفك، لكن لا ينبغي أن نؤجل الأمر أكثر. وضعت سولي يديها فوق بعضها. كانت تعرف ذلك. لكن سماعه بصوت الطبيب جعل الأمر أكثر واقعية. خرجت من المستشفى وهي تحمل حقيبتها بيد، وأفكارها باليد الأخرى. حاولت أن تأخذ نفسًا عميقًا. ثم توقفت فجأة. كان هناك شخص يقف بالقرب من السيارة. لوكا. تجمدت في مكانها. لم يكن غاضبًا. لكنه كان ينظر إليها بنظرة جعلت قلبها يهبط. اقترب منها ببطء. — سولي. لم تجب. قال بهدوء: — قلتِ إنكِ ذاهبة إلى منزل جدتكِ. اتسعت عيناها. لم تجد أي كلمة مناسبة. نظر لوكا إلى المبنى خلفها. ثم عاد إليها. — ماذا كنتِ تفعلين هنا؟ ابتلعت سولي ريقها. — أنا... توقفت. لأول مرة، شعرت أن الأكاذيب الصغيرة التي استخدمتها لإخفاء الحقيقة بدأت تضيق حولها. أما لوكا، فلم يسأل مرة ثانية. فقط ظل ينظر إليها. وبدأ الشك، للمرة الأولى، يأخذ مكانه الحقيقي في قلبه.[حين يتحول الحب إلى قيد] مرّت أيام أخرى. وبدأت حالة سولي تتحسن تدريجيًا. صارت قادرة على الوقوف مدة أطول، والمشي لمسافات قصيرة، والجلوس قرب النافذة من دون أن تشعر بالإرهاق كما في الأيام الأولى. لكن رغم تحسن جسدها... كان قرارها يزداد ثباتًا. كانت ستغادر المدينة. كانت قد رتبت مع جدتها معظم أغراضهما، وبدأت تختار الأشياء التي ستأخذها معها. القليل فقط. ملابسها. بعض الصور القديمة. أغراض جدتها. وقلادة صغيرة احتفظت بها منذ طفولتها. أما كل ما يربطها بقصر فيتالي... فلم تكن تريد أن تأخذ منه شيئًا. حتى ذكرياتها مع لوكا حاولت أن تخبئها في مكان لا تستطيع الوصول إليه. وفي الجهة الأخرى من المدينة... كان لوكا يراقبها من بعيد. لم يكن يتدخل. كان فقط يسأل لورينزو عنها أحيانًا. — كيف حالها؟ وكان لورينزو يجيبه: — تتحسن. فيتنفس لوكا براحة. لم يكن يعلم أن سولي كانت تستعد للرحيل. كان يظن أنها فقط تحتاج إلى وقت، وأنها ستبقى في بيت جدتها حتى تستعيد قوتها. وكان ذلك الوهم هو الشيء الوحيد الذي يسمح له بالاستمرار. --- وفي صباح أحد الأيام... كان لوكا جالسًا في مكتبه. الأوراق أمامه، والها
[ قبل الرحيل] مرّت ثلاثة أيام. ثلاثة أيام بدت طويلة على الجميع، لكنها كانت أثقل على لوكا تحديدًا. منذ أن خرجت سولي من مرحلة الخطر الأولى، لم يمر يوم واحد من دون أن يأتي إلى المستشفى. كان يصل في الصباح، ويبقى لبعض الوقت في الممر، ثم يسأل عن حالتها. وفي كل مرة... كان يقف أمام باب غرفتها. لكنه لم يدخل. احترامًا لطلبها. كان يكتفي بسؤال جدتها. — كيف حالها اليوم؟ وكانت الجدة تجيبه دائمًا: — بخير. فيبتسم ابتسامة صغيرة متعبة. — الحمد لله. وفي اليوم الثاني كرر السؤال. وفي اليوم الثالث أيضًا. وفي كل مرة كانت الإجابة نفسها تقريبًا. — سولي أفضل. لكن الجدة كانت ترى ما وراء عينيه. كان يريد أن يسأل سؤالًا آخر. هل ما زالت تريد الطلاق؟ هل تحدثت عني؟ هل تفكر بي؟ هل يمكن أن تسامحني؟ لكنه لم يسأل. ربما لأنه كان يخشى الإجابة. كان يفضّل كلمة «بخير» على أن يسمع شيئًا يؤلمه أكثر. أما سولي... فكانت تعرف أنه يأتي. كانت تسمع أحيانًا صوته من بعيد. وتعرف من خطواته أنه وصل. لكنها لم تطلب رؤيته. كانت تحتاج إلى الهدوء. وإلى الوقت. وإلى بداية مختلفة. وفي اليوم الثالث، أخبرها الطبيب
[ بين الحب والرحيل] في المستشفى... كانت غرفة سولي هادئة. جلست جدتها إلى جانب السرير، تحمل وعاء الطعام بيدها، وتطعمها ببطء. كانت سولي لا تزال ضعيفة جدًا، وكانت كل حركة تتطلب منها جهدًا. — تناولي المزيد قليلًا. قالت جدتها بحنان. فتحت سولي فمها وتناولت لقمة صغيرة، ثم توقفت. — لقد شبعت. هزّت جدتها رأسها. — من لقمتين فقط؟ ابتسمت سولي ابتسامة ضعيفة. — لا أشعر برغبة في تناول الطعام. — يجب أن تأكلي حتى تستعيدي قوتك. نظرت سولي إلى الطعام للحظة، ثم تناولت لقمة أخرى. بعد ذلك، رفعت عينيها نحو النافذة. كان ضوء النهار يملأ الغرفة، والمدينة تبدو بعيدة خلف الزجاج. وظلت تحدّق هناك طويلًا. لاحظت الجدة شرودها. — إلى ماذا تنظرين؟ لم تجب سولي مباشرة. ثم قالت بهدوء: — إلى المدينة. ابتسمت جدتها قليلًا. — ماذا بها؟ خفضت سولي عينيها. — لا أعلم... ثم سكتت لحظة. — لكنني لم أعد أرغب في رؤيتها. توقفت يد جدتها. ونظرت إليها باستغراب. — ماذا تقصدين؟ رفعت سولي عينيها إليها. — أعني أنني لا أريد البقاء هنا. — سولي... — أريد مغادرة المدينة. ساد الصمت. وضعت الجدة الوعاء جانبًا، ثم اقت
[ بين الحب والرحيل] بعد وقت قصير، خرجت كارلي وجدّة سولي من الغرفة. أغلقت كارلي الباب خلفها بهدوء، ثم بقيت للحظة تنظر إلى لوكا. كان واقفًا في الممر، بالقرب من النافذة، وعيناه لا تفارقان باب الغرفة. اقتربت منه. — لوكا... التفت إليها. — نعم؟ ترددت كارلي لحظة. ثم قالت: — سولي تريد التحدث إليك. ثبت عيناه عليها. — معي؟ أومأت. — نعم. سكت لثوانٍ. ظهرت على وجهه ملامح توتر لم تستطع كارلي تجاهلها. — هل قالت ماذا تريد؟ هزّت رأسها. — لا. ثم وضعت يدها على ذراعه. — مهما قالت.... حاول أن تستمع إليها حتى النهاية. نظر إليها لوكا طويلًا. ثم أومأ. — حسنًا. ابتعدت كارلي، وتركت له الطريق. بقي لوكا أمام الباب للحظات. رفع يده، لكنه لم يطرقه مباشرة. كان يشعر بأن هناك شيئًا مختلفًا هذه المرة. شيئًا أثقل من مجرد حديث بعد الاستيقاظ. وأخيرًا... طرق الباب بهدوء. لم تأته إجابة. طرق مرة أخرى. ثم جاء صوت سولي ضعيفًا: — ادخل. فتح الباب. دخل ببطء. كانت سولي مستلقية على السرير، وقد أدارت وجهها نحو النافذة. كانت الشمس تدخل من بينها وبين الستائر
[حين فتحت عينيها ] ثم أعاد لوكا نظره إلى سولي. وظلّت عيناه معلّقتين بها، وكأن العالم بأسره يستطيع الانتظار... أما هي، فلا. لكن شيئًا ما تغيّر هذه المرة. في البداية، كانت مجرد حركة صغيرة جدًا. تحرّكت أصابع سولي تحت الغطاء. توقّف لوكا عن الحركة. رفع رأسه بسرعة. حدّق في يدها. ثم نظر إلى وجهها. — سولي؟ لم تجبه. انتظر. وبعد لحظات، تحرّكت أصابعها مرة أخرى. ثم ارتجفت رموشها قليلًا. اتّسعت عينا لوكا. — سولي... اقترب منها أكثر. كان صوته مليئًا بالخوف والأمل في الوقت نفسه. — هل تسمعينني؟ تحرّكت رموشها مجددًا. وببطء شديد... بدأت عيناها تنفتحان. كان الضوء يزعجها في البداية، فحاولت إغلاق عينيها مرة أخرى. تنفّست ببطء. ثم فتحتهما من جديد. كانت نظرتها شاردة. لم تعرف أين هي. كان كل شيء حولها ضبابيًا. السقف. الجدران. الأجهزة. ثم بدأت ذاكرتها تعود إليها شيئًا فشيئًا. المستشفى. العملية. الخوف. ثم شعرت بيد تمسك يدها. التفتت ببطء. ورأته. لوكا. كان جالسًا إلى جوارها، وشعره الأسود غير مرتّب من النوم، وملامح التعب واضحة على وجهه
[بين القلق والأمل] وبقي لوكا إلى جوار سولي. مرّت الدقائق ببطء، ثم تحوّلت إلى ساعات. لم يشعر بمرورها. ظلّ ممسكًا بيدها، وكان إبهامه يتحرّك بين الحين والآخر فوق أصابعها بحركة خفيفة، وكأنّه يطمئن نفسه إلى أنّها ما تزال هنا. كانت الغرفة هادئة. يملأ صوت الأجهزة المنتظم الفراغ. ويتسلّل ضوء خافت من المصباح القريب من السرير. ومع مرور الوقت، بدأ التعب يثقل جفنيه. حاول مقاومته. فعدّل جلسته. ثم رفع رأسه قليلًا. ونظر إلى وجه سولي. — سأبقى... همس. لكن صوته خرج ضعيفًا من شدّة الإرهاق. — لا تخافي. وبعد ذلك بقليل... غلبه النوم. لم يترك يدها. حتى وهو نائم، ظلّت أصابعه تحيط بأصابعها برفق. وأسند رأسه إلى طرف السرير، بينما بقي جسده منحنيًا قليلًا نحوها. كانت ملامحه مختلفة تمامًا عن الرجل الذي يعرفه الجميع. لا برود. ولا قسوة. بل تعب وخوف وحب صامت. مرّت ليلة كاملة وهو على تلك الحال. --- في الصباح... بدأ ضوء الشمس يتسلّل من بين الستائر. فتح لوكا عينيه ببطء. واستغرقه الأمر بضع ثوانٍ حتى تذكّر أين هو. ثم رفع رأسه بسرعة. ونظر إلى سولي. كانت لا