LOGIN{حين أزهر قلبه}
بعد انتهاء الفطور، عاد لوكا إلى مكتبه كعادته. تراكمت أمامه الأوراق والملفات، لكنه بعد فترة شعر أنه لم يعد قادرًا على التركيز. أغلق الملف الذي أمامه، ونهض واتجه نحو النافذة. فتح الستارة قليلًا. ومن خلف الزجاج، وقعت عيناه على الحديقة. كانت سولي هناك. كانت تمسك بخرطوم الماء وتسقي الورود بعناية، تنتقل من نبتة إلى أخرى وكأنها تعرف كل واحدة منها. توقفت للحظة عندما أعطاها البستاني باقة صغيرة من الورد. ابتسمت سولي ابتسامة واسعة، وقربت الزهور من وجهها تستنشق رائحتها بسعادة. راقبها لوكا بصمت. ثم ظهر لورنزو من الجهة الأخرى للحديقة. اقترب منها وقال: — يبدو أنك أصبحتِ صديقة للحديقة أكثر من أفراد العائلة. ضحكت سولي. — الورود ألطف من بعض أفراد العائلة. ضحك لورنزو. — معك حق. بقي لوكا يراقبهما من النافذة. ثم رأى لورنزو يأخذ وردة صغيرة من الباقة، ويضعها برفق بين خصلات شعر سولي. قال لها مبتسمًا: — الورد يليق بكِ. تجمد لوكا خلف النافذة. ضيّق عينيه. هذا الشاب... شعر للحظة أنه يريد النزول إلى الحديقة وإبعاد لورنزو عنها بنفسه. لكنه تراجع عن الفكرة فورًا. — ما الذي أفكر فيه؟ بعد دقائق، ودعت سولي لورنزو ودخلت القصر. عاد لوكا إلى مكتبه محاولًا تجاهل ما حدث. وبعد لحظات... طرق الباب. — ادخل. دخلت سولي. لم يستدر لوكا. قالت بهدوء: — لوكا... هل يمكن أن أتكلم معك؟ استدار أخيرًا. لكن عينيه توقفتا مباشرة عند الوردة الموجودة في شعرها. ثم انتقل نظره إلى الباقة التي تحملها. كانت باقة من زهور التوليب الحمراء. رفع حاجبه. — ما هذه؟ ابتسمت. — أحضرتها لك. — لي؟ أومأت. — أرت أن أضعها بمكتبك. اقتربت من المكتب ووضعت الباقة عليه. ثم قالت: — هل تحب الورد؟ نظر إليها. — وأنتِ؟ ابتسمت سولي. — أنا أعشق الورد. ضحكت بخفة. — كنت أزرعه وأهتم فيه منذ زمن. بقي لوكا ينظر إلى ابتسامتها. ثم قال: — إذا كنتِ تحبينه لهذه الدرجة... ازرعي ما تريدين في الحديقة. اتسعت عيناها. — حقاً؟ — نعم. استدارت حول نفسها بسعادة. — شكرًا! ابتسم لوكا دون أن ينتبه. ثم توقفت سولي أمامه فجأة. — شكرًا لك، لوكا. وقبل أن يفهم ما ستفعله، عانقته. تجمد لوكا بالكامل. لم يعرف أين يضع يديه. قالت وهي تبتعد: — شكرًا لأنك سمحت لي. نظر إليها للحظة. — العفو. ابتسمت، ثم أخذت المزهرية ووضعت فيها التوليب. — ضعهم هنا، لأنهم سا يعطوك إحساس بالراحة والسلام. نظرت إلى الزهور بحب. — لكن اهتم بهم، لأن الورد أن لم تهتم به... سا يموت. أومأ لوكا. — سأفعل. خرجت سولي من المكتب. وبقي لوكا واقفًا أمام المزهرية. ثم نظر إلى الوردة الصغيرة التي بقيت عالقة في شعر سولي قبل قليل. كان قد لاحظها طوال الوقت. اقترب من النافذة، ثم لمسها بأطراف أصابعه. وتذكر للحظة كيف كانت تبتسم وهي تقف في الحديقة... وكيف وضعت ذراعيها حوله دون تردد. خفض عينيه قليلًا. ولأول مرة، أدرك أن فكرة رؤيتها تبتسم لشخص آخر لم تعجبه إطلاقًا. بل كانت تزعجه بشكل لم يفهمه بعد. -- عاد لوكا إلى مقعده خلف المكتب، لكنه لم يعد قادرًا على التركيز في الأوراق أمامه. كانت عيناه معلقتين بالزهور الحمراء التي وضعتها سولي في المزهرية. مد يده ولمس إحدى بتلاتها بخفة. هي التي اختارتها... ثم تذكر ابتسامتها وهي تدور حول نفسها عندما أخبرها أنه يستطيع أن يجعلها تزرع ما تشاء في الحديقة. تنهد، ثم التقط هاتف المكتب. — أرسل لورينزو إلى هنا. وضع الهاتف جانبًا. بعد دقائق، طرق الباب. — ادخل. دخل لورينزو بابتسامة. — منذ متى تستدعيني إلى مكتبك؟ بدأت أشعر أنني ارتكبت جريمة. جلس أمامه. أما لوكا فبقي واقفًا للحظات، ثم نظر إليه مباشرة. — أريد أن أخبرك بشيء واحد. اختفت ابتسامة لورنزو قليلًا. — أنا أسمعك. قال لوكا بنبرة هادئة وحازمة: — لا أحب أن يقترب أحد من أشيائي. رفع لورنزو حاجبه. — أشيائك؟ أشار لوكا بنظرة قصيرة نحو الباب. — سولي. ساد صمت قصير. ثم ابتسم لورنزو وكأنه فهم تمامًا. — سولي ليست شيئًا يا لوكا. ضاقت عينا لوكا. — أعرف. — إذًا لماذا تتحدث عنها وكأنها ملكية؟ لم يجب لوكا فورًا. كان يعرف أن كلام لورنزو أصاب نقطة حساسة. أخيرًا قال: — لأنها زوجتي. ابتسم لورنزو ابتسامة صغيرة. — هذا صحيح. ثم أضاف: — لكنك لم تكن تهتم كثيرًا بأنها زوجتك قبل أيام. سكت لوكا. نظر إلى باقة الورد مرة أخرى. — الأمور تغيرت. ضحك لورنزو بخفة. — واضح. رفع لوكا عينيه إليه. — لهذا السبب... ابتعد عنها. وقف لورنزو. — إذا كان هذا ما تريده، سأحترم طلبك. اتجه نحو الباب، لكنه توقف قبل أن يخرج. — لكن يا لوكا... التفت إليه. — إذا كنت فعلًا لا تريد أن يقترب منها أحد، تأكد أولًا أنك أنت لا تبتعد عنها. ثم خرج. بقي لوكا وحده. نظر إلى الباب للحظات. ثم عاد ببصره إلى التوليب. تمتم بضيق: — هذا الرجل يتكلم كثيرًا... لكن رغم ذلك، بقيت كلمات لورنزو عالقة في رأسه. "تأكد أولًا أنك أنت لا تبتعد عنها." ولم يعرف لماذا شعر أنها أصعب جملة سمعها منذ زمن.[حين يتحول الحب إلى قيد] مرّت أيام أخرى. وبدأت حالة سولي تتحسن تدريجيًا. صارت قادرة على الوقوف مدة أطول، والمشي لمسافات قصيرة، والجلوس قرب النافذة من دون أن تشعر بالإرهاق كما في الأيام الأولى. لكن رغم تحسن جسدها... كان قرارها يزداد ثباتًا. كانت ستغادر المدينة. كانت قد رتبت مع جدتها معظم أغراضهما، وبدأت تختار الأشياء التي ستأخذها معها. القليل فقط. ملابسها. بعض الصور القديمة. أغراض جدتها. وقلادة صغيرة احتفظت بها منذ طفولتها. أما كل ما يربطها بقصر فيتالي... فلم تكن تريد أن تأخذ منه شيئًا. حتى ذكرياتها مع لوكا حاولت أن تخبئها في مكان لا تستطيع الوصول إليه. وفي الجهة الأخرى من المدينة... كان لوكا يراقبها من بعيد. لم يكن يتدخل. كان فقط يسأل لورينزو عنها أحيانًا. — كيف حالها؟ وكان لورينزو يجيبه: — تتحسن. فيتنفس لوكا براحة. لم يكن يعلم أن سولي كانت تستعد للرحيل. كان يظن أنها فقط تحتاج إلى وقت، وأنها ستبقى في بيت جدتها حتى تستعيد قوتها. وكان ذلك الوهم هو الشيء الوحيد الذي يسمح له بالاستمرار. --- وفي صباح أحد الأيام... كان لوكا جالسًا في مكتبه. الأوراق أمامه، والها
[ قبل الرحيل] مرّت ثلاثة أيام. ثلاثة أيام بدت طويلة على الجميع، لكنها كانت أثقل على لوكا تحديدًا. منذ أن خرجت سولي من مرحلة الخطر الأولى، لم يمر يوم واحد من دون أن يأتي إلى المستشفى. كان يصل في الصباح، ويبقى لبعض الوقت في الممر، ثم يسأل عن حالتها. وفي كل مرة... كان يقف أمام باب غرفتها. لكنه لم يدخل. احترامًا لطلبها. كان يكتفي بسؤال جدتها. — كيف حالها اليوم؟ وكانت الجدة تجيبه دائمًا: — بخير. فيبتسم ابتسامة صغيرة متعبة. — الحمد لله. وفي اليوم الثاني كرر السؤال. وفي اليوم الثالث أيضًا. وفي كل مرة كانت الإجابة نفسها تقريبًا. — سولي أفضل. لكن الجدة كانت ترى ما وراء عينيه. كان يريد أن يسأل سؤالًا آخر. هل ما زالت تريد الطلاق؟ هل تحدثت عني؟ هل تفكر بي؟ هل يمكن أن تسامحني؟ لكنه لم يسأل. ربما لأنه كان يخشى الإجابة. كان يفضّل كلمة «بخير» على أن يسمع شيئًا يؤلمه أكثر. أما سولي... فكانت تعرف أنه يأتي. كانت تسمع أحيانًا صوته من بعيد. وتعرف من خطواته أنه وصل. لكنها لم تطلب رؤيته. كانت تحتاج إلى الهدوء. وإلى الوقت. وإلى بداية مختلفة. وفي اليوم الثالث، أخبرها الطبيب
[ بين الحب والرحيل] في المستشفى... كانت غرفة سولي هادئة. جلست جدتها إلى جانب السرير، تحمل وعاء الطعام بيدها، وتطعمها ببطء. كانت سولي لا تزال ضعيفة جدًا، وكانت كل حركة تتطلب منها جهدًا. — تناولي المزيد قليلًا. قالت جدتها بحنان. فتحت سولي فمها وتناولت لقمة صغيرة، ثم توقفت. — لقد شبعت. هزّت جدتها رأسها. — من لقمتين فقط؟ ابتسمت سولي ابتسامة ضعيفة. — لا أشعر برغبة في تناول الطعام. — يجب أن تأكلي حتى تستعيدي قوتك. نظرت سولي إلى الطعام للحظة، ثم تناولت لقمة أخرى. بعد ذلك، رفعت عينيها نحو النافذة. كان ضوء النهار يملأ الغرفة، والمدينة تبدو بعيدة خلف الزجاج. وظلت تحدّق هناك طويلًا. لاحظت الجدة شرودها. — إلى ماذا تنظرين؟ لم تجب سولي مباشرة. ثم قالت بهدوء: — إلى المدينة. ابتسمت جدتها قليلًا. — ماذا بها؟ خفضت سولي عينيها. — لا أعلم... ثم سكتت لحظة. — لكنني لم أعد أرغب في رؤيتها. توقفت يد جدتها. ونظرت إليها باستغراب. — ماذا تقصدين؟ رفعت سولي عينيها إليها. — أعني أنني لا أريد البقاء هنا. — سولي... — أريد مغادرة المدينة. ساد الصمت. وضعت الجدة الوعاء جانبًا، ثم اقت
[ بين الحب والرحيل] بعد وقت قصير، خرجت كارلي وجدّة سولي من الغرفة. أغلقت كارلي الباب خلفها بهدوء، ثم بقيت للحظة تنظر إلى لوكا. كان واقفًا في الممر، بالقرب من النافذة، وعيناه لا تفارقان باب الغرفة. اقتربت منه. — لوكا... التفت إليها. — نعم؟ ترددت كارلي لحظة. ثم قالت: — سولي تريد التحدث إليك. ثبت عيناه عليها. — معي؟ أومأت. — نعم. سكت لثوانٍ. ظهرت على وجهه ملامح توتر لم تستطع كارلي تجاهلها. — هل قالت ماذا تريد؟ هزّت رأسها. — لا. ثم وضعت يدها على ذراعه. — مهما قالت.... حاول أن تستمع إليها حتى النهاية. نظر إليها لوكا طويلًا. ثم أومأ. — حسنًا. ابتعدت كارلي، وتركت له الطريق. بقي لوكا أمام الباب للحظات. رفع يده، لكنه لم يطرقه مباشرة. كان يشعر بأن هناك شيئًا مختلفًا هذه المرة. شيئًا أثقل من مجرد حديث بعد الاستيقاظ. وأخيرًا... طرق الباب بهدوء. لم تأته إجابة. طرق مرة أخرى. ثم جاء صوت سولي ضعيفًا: — ادخل. فتح الباب. دخل ببطء. كانت سولي مستلقية على السرير، وقد أدارت وجهها نحو النافذة. كانت الشمس تدخل من بينها وبين الستائر
[حين فتحت عينيها ] ثم أعاد لوكا نظره إلى سولي. وظلّت عيناه معلّقتين بها، وكأن العالم بأسره يستطيع الانتظار... أما هي، فلا. لكن شيئًا ما تغيّر هذه المرة. في البداية، كانت مجرد حركة صغيرة جدًا. تحرّكت أصابع سولي تحت الغطاء. توقّف لوكا عن الحركة. رفع رأسه بسرعة. حدّق في يدها. ثم نظر إلى وجهها. — سولي؟ لم تجبه. انتظر. وبعد لحظات، تحرّكت أصابعها مرة أخرى. ثم ارتجفت رموشها قليلًا. اتّسعت عينا لوكا. — سولي... اقترب منها أكثر. كان صوته مليئًا بالخوف والأمل في الوقت نفسه. — هل تسمعينني؟ تحرّكت رموشها مجددًا. وببطء شديد... بدأت عيناها تنفتحان. كان الضوء يزعجها في البداية، فحاولت إغلاق عينيها مرة أخرى. تنفّست ببطء. ثم فتحتهما من جديد. كانت نظرتها شاردة. لم تعرف أين هي. كان كل شيء حولها ضبابيًا. السقف. الجدران. الأجهزة. ثم بدأت ذاكرتها تعود إليها شيئًا فشيئًا. المستشفى. العملية. الخوف. ثم شعرت بيد تمسك يدها. التفتت ببطء. ورأته. لوكا. كان جالسًا إلى جوارها، وشعره الأسود غير مرتّب من النوم، وملامح التعب واضحة على وجهه
[بين القلق والأمل] وبقي لوكا إلى جوار سولي. مرّت الدقائق ببطء، ثم تحوّلت إلى ساعات. لم يشعر بمرورها. ظلّ ممسكًا بيدها، وكان إبهامه يتحرّك بين الحين والآخر فوق أصابعها بحركة خفيفة، وكأنّه يطمئن نفسه إلى أنّها ما تزال هنا. كانت الغرفة هادئة. يملأ صوت الأجهزة المنتظم الفراغ. ويتسلّل ضوء خافت من المصباح القريب من السرير. ومع مرور الوقت، بدأ التعب يثقل جفنيه. حاول مقاومته. فعدّل جلسته. ثم رفع رأسه قليلًا. ونظر إلى وجه سولي. — سأبقى... همس. لكن صوته خرج ضعيفًا من شدّة الإرهاق. — لا تخافي. وبعد ذلك بقليل... غلبه النوم. لم يترك يدها. حتى وهو نائم، ظلّت أصابعه تحيط بأصابعها برفق. وأسند رأسه إلى طرف السرير، بينما بقي جسده منحنيًا قليلًا نحوها. كانت ملامحه مختلفة تمامًا عن الرجل الذي يعرفه الجميع. لا برود. ولا قسوة. بل تعب وخوف وحب صامت. مرّت ليلة كاملة وهو على تلك الحال. --- في الصباح... بدأ ضوء الشمس يتسلّل من بين الستائر. فتح لوكا عينيه ببطء. واستغرقه الأمر بضع ثوانٍ حتى تذكّر أين هو. ثم رفع رأسه بسرعة. ونظر إلى سولي. كانت لا