Share

39

last update publish date: 2026-09-07 10:37:41

{ ما تخفيه القلوب}

كان المساء قد بدأ يقترب، والحديقة أصبحت أكثر هدوءًا.

كانت سولي جالسة على الأرض قرب أحواض الزهور، بينما كان لوكا بجانبها يحاول مساعدتها في ترتيب بعض الأغصان.

وبعد صمت طويل، قال لوكا فجأة:

— سولي...

رفعت رأسها.

— نعم؟

تردد قليلًا قبل أن يسأل:

— هل تتذكرين والديك؟

توقفت يدها.

نظرت إلى الزهرة أمامها، ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة تحمل شيئًا من الحزن.

— ليس كثيرًا.

— لماذا؟

أخذت نفسًا هادئًا.

— لأنني كنت صغيرة جدًا عندما فقدتهما.

ثم مررت أصابعها فوق إحدى الأوراق.

— أحيانًا أحاول أن أتذكر شكل أمي عندما كانت تحتضنني... لكنني لا أستطيع.

سكت لوكا.

تابعت:

— لا أتذكر دفء حضنها، ولا صوتها جيدًا.

ثم رفعت عينيها إليه.

— وحتى أبي... لا أتذكر كيف كان يمسك يدي.

شعر لوكا بانقباض قوي في صدره.

كان يعرف الحقيقة.

وكان يعرف أن الرجل الذي تسبب في كل ذلك ينتمي إلى عائلته.

خفض عينيه حتى لا ترى سولي ما في وجهه.

لكنها ابتسمت وقالت:

— ومع ذلك، أحبهم.

رفع عينيه إليها.

— رغم أنك لا تتذكرينهم؟

أومأت.

— أحيانًا لا تحتاج أن تتذكر كل شيء حتى تحب شخصًا.

توقفت لحظة.

— يكفيني أنني أعرف أنهم كانوا عائلتي.

لم يجد لوكا جوابًا.

شعر بالذنب يثقل صدره أكثر.

ثم قالت سولي فجأة:

— وأنت؟

نظر إليها.

— ماذا عني؟

— أمك.

تغيرت ملامحه فورًا.

أبعد نظره عنها.

— لا أريد الحديث عنها.

لاحظت سولي ذلك، لكنها لم تضغط عليه.

وضعت أداة البستنة جانبًا، ثم مدت يدها وأمسكت يده بهدوء.

تجمد لوكا للحظة.

نظر إلى أصابعها فوق يده.

قالت:

— أعرف أنك لا تريد الحديث.

ثم أشارت إلى الزهرة الموجودة أمامهما.

— لكن انظر إليها.

نظر إليها باستغراب.

— ماذا بها؟

ابتسمت سولي.

— هذه الوردة لو حبسناها داخل مكان مظلم، ومنعنا عنها الماء والهواء... لن تموت في اللحظة نفسها.

لم يفهم مقصدها في البداية.

تابعت:

— ستبقى لبعض الوقت.

ثم لمست إحدى بتلاتها.

— وبعدها ستبدأ بالذبول... ببطء.

صمت لوكا.

قالت سولي:

— المشاعر تشبهها أحيانًا.

نظر إليها باهتمام.

— إذا حمل الإنسان وجعه وحده، وخبأ كل شيء في داخله، يمكن أن يظل واقفًا أمام الجميع ويبدو بخير...

ابتسمت بحزن.

— لكنه من الداخل يبدأ بالذبول قليلًا قليلًا.

ظل لوكا صامتًا.

كانت كلماتها بسيطة، لكنها أصابت مكانًا داخله لم يقترب منه أحد منذ سنوات.

ثم قالت:

— لا أطلب منك أن تحكي لي شيئًا لا تريد قوله.

وضغطت على يده بخفة.

— فقط لا تجعل نفسك تحمل كل شيء وحدك.

رفع لوكا عينيه إليها.

لأول مرة، لم يرَ فيها الفتاة التي جاءت إلى عائلته بسبب اتفاق.

رآها كشخص فهم وجعه دون أن يطلب منه تفسيره.

وبعد لحظات، سحب يده ببطء.

ليس لأنه انزعج...

بل لأنه خاف من أن يصبح قربها شيئًا لا يستطيع الابتعاد عنه.

قال بصوت منخفض:

— أنتِ غريبة فعلًا.

اتسعت عيناها قليلًا.

ثم ابتسم.

— أعرف.

نظر إليها.

— لكنك غريبة بطريقة... مختلفة.

ضحكت سولي بخفة.

— سأعتبرها مجاملة.

ولأول مرة منذ وقت طويل، ظهرت ابتسامة صغيرة على وجه لوكا.

بينما بقيت الورود حولهما تهتز مع نسيم المساء...

وكأن الحديقة نفسها كانت تحفظ سرًا بدأ يكبر بينهما.

---

بقي الاثنان جالسين في الحديقة، والهدوء يحيط بهما.

وفجأة، وضعت سولي يدها أمام فمها وسعلت.

مرة...

ثم مرة أخرى، بشكل أقوى قليلًا.

التفت لوكا إليها فورًا.

— سولي؟

حاولت أن تبتسم.

— أنا بخير...

لكن السعال لم يسمح لها بإكمال جملتها.

وقف لوكا بسرعة وأشار إلى المقعد القريب.

— اجلسي.

جلست سولي، وجلس بجانبها، وبقي يراقبها حتى هدأت أنفاسها.

بعد لحظات، أخذت نفسًا عميقًا ومسحت عينيها.

— أنا بخير الآن.

لم يجب لوكا، لكنه بقي بجانبها.

نظرت سولي حولها، وكأنها لاحظت المكان للمرة الأولى.

كان المقعد محاطًا بالزهور، وبينها زهور توليب وردية تتمايل مع النسيم.

ابتسمت.

— انظر... هذه الزهور جميلة جدًا.

نظر لوكا إليها.

— أنتِ من زرعها؟

— بعضها.

ثم أضافت بفخر صغير:

— أحب هذا المكان.

ساد الصمت.

كان لوكا يتأمل الحديقة، بينما كانت سولي جالسة إلى جانبه.

وبعد لحظات، شعر بثقل خفيف على كتفه.

التفت.

كانت سولي قد نامت.

رفع حاجبه.

— مجددًا؟

كأنه بدأ يعتاد على نومها المفاجئ.

لكنه هذه المرة لم يحاول إيقاظها.

نظر إلى وجهها الهادئ، ثم إلى يدها المسترخية بجانبها.

تردد قليلًا، ثم مد يده وأمسك يدها بين أصابعه بهدوء.

ظل صامتًا.

كان يعرف الحقيقة الآن.

يعرف ما فعله جده، ويعرف أن ماضي عائلته مرتبط بالألم الذي عاشته سولي.

ومع ذلك...

لم يعد قادرًا على تخيل القصر من دون وجودها.

وجودها وهي تسقي الزهور.

صوتها عندما تناديه.

كتبها المنتشرة هنا وهناك.

حتى نومها المفاجئ الذي كان يثير استغرابه في البداية.

كل تلك التفاصيل أصبحت جزءًا من أيامه.

خفض عينيه إلى يدها.

وفكر بصمت:

حتى لو كان أبي قد تسبب في أذى عائلتها... لماذا لا أستطيع أن أكره وجودها في حياتي؟

رفع نظره نحو الزهور من حولهما.

ثم شدّ على يدها برفق.

وبقي جالسًا إلى جانبها، يحرس نومها بصمت، بينما كانت أزهار التوليب الوردية تتحرك مع نسيم المساء.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • حين أحببتكِ متأخرًا    138

    [حين يتحول الحب إلى قيد] مرّت أيام أخرى. وبدأت حالة سولي تتحسن تدريجيًا. صارت قادرة على الوقوف مدة أطول، والمشي لمسافات قصيرة، والجلوس قرب النافذة من دون أن تشعر بالإرهاق كما في الأيام الأولى. لكن رغم تحسن جسدها... كان قرارها يزداد ثباتًا. كانت ستغادر المدينة. كانت قد رتبت مع جدتها معظم أغراضهما، وبدأت تختار الأشياء التي ستأخذها معها. القليل فقط. ملابسها. بعض الصور القديمة. أغراض جدتها. وقلادة صغيرة احتفظت بها منذ طفولتها. أما كل ما يربطها بقصر فيتالي... فلم تكن تريد أن تأخذ منه شيئًا. حتى ذكرياتها مع لوكا حاولت أن تخبئها في مكان لا تستطيع الوصول إليه. وفي الجهة الأخرى من المدينة... كان لوكا يراقبها من بعيد. لم يكن يتدخل. كان فقط يسأل لورينزو عنها أحيانًا. — كيف حالها؟ وكان لورينزو يجيبه: — تتحسن. فيتنفس لوكا براحة. لم يكن يعلم أن سولي كانت تستعد للرحيل. كان يظن أنها فقط تحتاج إلى وقت، وأنها ستبقى في بيت جدتها حتى تستعيد قوتها. وكان ذلك الوهم هو الشيء الوحيد الذي يسمح له بالاستمرار. --- وفي صباح أحد الأيام... كان لوكا جالسًا في مكتبه. الأوراق أمامه، والها

  • حين أحببتكِ متأخرًا    137

    [ قبل الرحيل] مرّت ثلاثة أيام. ثلاثة أيام بدت طويلة على الجميع، لكنها كانت أثقل على لوكا تحديدًا. منذ أن خرجت سولي من مرحلة الخطر الأولى، لم يمر يوم واحد من دون أن يأتي إلى المستشفى. كان يصل في الصباح، ويبقى لبعض الوقت في الممر، ثم يسأل عن حالتها. وفي كل مرة... كان يقف أمام باب غرفتها. لكنه لم يدخل. احترامًا لطلبها. كان يكتفي بسؤال جدتها. — كيف حالها اليوم؟ وكانت الجدة تجيبه دائمًا: — بخير. فيبتسم ابتسامة صغيرة متعبة. — الحمد لله. وفي اليوم الثاني كرر السؤال. وفي اليوم الثالث أيضًا. وفي كل مرة كانت الإجابة نفسها تقريبًا. — سولي أفضل. لكن الجدة كانت ترى ما وراء عينيه. كان يريد أن يسأل سؤالًا آخر. هل ما زالت تريد الطلاق؟ هل تحدثت عني؟ هل تفكر بي؟ هل يمكن أن تسامحني؟ لكنه لم يسأل. ربما لأنه كان يخشى الإجابة. كان يفضّل كلمة «بخير» على أن يسمع شيئًا يؤلمه أكثر. أما سولي... فكانت تعرف أنه يأتي. كانت تسمع أحيانًا صوته من بعيد. وتعرف من خطواته أنه وصل. لكنها لم تطلب رؤيته. كانت تحتاج إلى الهدوء. وإلى الوقت. وإلى بداية مختلفة. وفي اليوم الثالث، أخبرها الطبيب

  • حين أحببتكِ متأخرًا    136

    [ بين الحب والرحيل] في المستشفى... كانت غرفة سولي هادئة. جلست جدتها إلى جانب السرير، تحمل وعاء الطعام بيدها، وتطعمها ببطء. كانت سولي لا تزال ضعيفة جدًا، وكانت كل حركة تتطلب منها جهدًا. — تناولي المزيد قليلًا. قالت جدتها بحنان. فتحت سولي فمها وتناولت لقمة صغيرة، ثم توقفت. — لقد شبعت. هزّت جدتها رأسها. — من لقمتين فقط؟ ابتسمت سولي ابتسامة ضعيفة. — لا أشعر برغبة في تناول الطعام. — يجب أن تأكلي حتى تستعيدي قوتك. نظرت سولي إلى الطعام للحظة، ثم تناولت لقمة أخرى. بعد ذلك، رفعت عينيها نحو النافذة. كان ضوء النهار يملأ الغرفة، والمدينة تبدو بعيدة خلف الزجاج. وظلت تحدّق هناك طويلًا. لاحظت الجدة شرودها. — إلى ماذا تنظرين؟ لم تجب سولي مباشرة. ثم قالت بهدوء: — إلى المدينة. ابتسمت جدتها قليلًا. — ماذا بها؟ خفضت سولي عينيها. — لا أعلم... ثم سكتت لحظة. — لكنني لم أعد أرغب في رؤيتها. توقفت يد جدتها. ونظرت إليها باستغراب. — ماذا تقصدين؟ رفعت سولي عينيها إليها. — أعني أنني لا أريد البقاء هنا. — سولي... — أريد مغادرة المدينة. ساد الصمت. وضعت الجدة الوعاء جانبًا، ثم اقت

  • حين أحببتكِ متأخرًا    135

    [ بين الحب والرحيل] بعد وقت قصير، خرجت كارلي وجدّة سولي من الغرفة. أغلقت كارلي الباب خلفها بهدوء، ثم بقيت للحظة تنظر إلى لوكا. كان واقفًا في الممر، بالقرب من النافذة، وعيناه لا تفارقان باب الغرفة. اقتربت منه. — لوكا... التفت إليها. — نعم؟ ترددت كارلي لحظة. ثم قالت: — سولي تريد التحدث إليك. ثبت عيناه عليها. — معي؟ أومأت. — نعم. سكت لثوانٍ. ظهرت على وجهه ملامح توتر لم تستطع كارلي تجاهلها. — هل قالت ماذا تريد؟ هزّت رأسها. — لا. ثم وضعت يدها على ذراعه. — مهما قالت.... حاول أن تستمع إليها حتى النهاية. نظر إليها لوكا طويلًا. ثم أومأ. — حسنًا. ابتعدت كارلي، وتركت له الطريق. بقي لوكا أمام الباب للحظات. رفع يده، لكنه لم يطرقه مباشرة. كان يشعر بأن هناك شيئًا مختلفًا هذه المرة. شيئًا أثقل من مجرد حديث بعد الاستيقاظ. وأخيرًا... طرق الباب بهدوء. لم تأته إجابة. طرق مرة أخرى. ثم جاء صوت سولي ضعيفًا: — ادخل. فتح الباب. دخل ببطء. كانت سولي مستلقية على السرير، وقد أدارت وجهها نحو النافذة. كانت الشمس تدخل من بينها وبين الستائر

  • حين أحببتكِ متأخرًا    134

    [حين فتحت عينيها ] ثم أعاد لوكا نظره إلى سولي. وظلّت عيناه معلّقتين بها، وكأن العالم بأسره يستطيع الانتظار... أما هي، فلا. لكن شيئًا ما تغيّر هذه المرة. في البداية، كانت مجرد حركة صغيرة جدًا. تحرّكت أصابع سولي تحت الغطاء. توقّف لوكا عن الحركة. رفع رأسه بسرعة. حدّق في يدها. ثم نظر إلى وجهها. — سولي؟ لم تجبه. انتظر. وبعد لحظات، تحرّكت أصابعها مرة أخرى. ثم ارتجفت رموشها قليلًا. اتّسعت عينا لوكا. — سولي... اقترب منها أكثر. كان صوته مليئًا بالخوف والأمل في الوقت نفسه. — هل تسمعينني؟ تحرّكت رموشها مجددًا. وببطء شديد... بدأت عيناها تنفتحان. كان الضوء يزعجها في البداية، فحاولت إغلاق عينيها مرة أخرى. تنفّست ببطء. ثم فتحتهما من جديد. كانت نظرتها شاردة. لم تعرف أين هي. كان كل شيء حولها ضبابيًا. السقف. الجدران. الأجهزة. ثم بدأت ذاكرتها تعود إليها شيئًا فشيئًا. المستشفى. العملية. الخوف. ثم شعرت بيد تمسك يدها. التفتت ببطء. ورأته. لوكا. كان جالسًا إلى جوارها، وشعره الأسود غير مرتّب من النوم، وملامح التعب واضحة على وجهه

  • حين أحببتكِ متأخرًا    133

    [بين القلق والأمل] وبقي لوكا إلى جوار سولي. مرّت الدقائق ببطء، ثم تحوّلت إلى ساعات. لم يشعر بمرورها. ظلّ ممسكًا بيدها، وكان إبهامه يتحرّك بين الحين والآخر فوق أصابعها بحركة خفيفة، وكأنّه يطمئن نفسه إلى أنّها ما تزال هنا. كانت الغرفة هادئة. يملأ صوت الأجهزة المنتظم الفراغ. ويتسلّل ضوء خافت من المصباح القريب من السرير. ومع مرور الوقت، بدأ التعب يثقل جفنيه. حاول مقاومته. فعدّل جلسته. ثم رفع رأسه قليلًا. ونظر إلى وجه سولي. — سأبقى... همس. لكن صوته خرج ضعيفًا من شدّة الإرهاق. — لا تخافي. وبعد ذلك بقليل... غلبه النوم. لم يترك يدها. حتى وهو نائم، ظلّت أصابعه تحيط بأصابعها برفق. وأسند رأسه إلى طرف السرير، بينما بقي جسده منحنيًا قليلًا نحوها. كانت ملامحه مختلفة تمامًا عن الرجل الذي يعرفه الجميع. لا برود. ولا قسوة. بل تعب وخوف وحب صامت. مرّت ليلة كاملة وهو على تلك الحال. --- في الصباح... بدأ ضوء الشمس يتسلّل من بين الستائر. فتح لوكا عينيه ببطء. واستغرقه الأمر بضع ثوانٍ حتى تذكّر أين هو. ثم رفع رأسه بسرعة. ونظر إلى سولي. كانت لا

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status