LOGIN{رقصة الغيرة }
كان الصباح هادئًا في قصر فيتالي، لكن الهدوء لم يستمر طويلًا. كانت العائلة مجتمعة حول مائدة الإفطار، بينما الخدم يتحركون بهدوء بين المقاعد. رفع مورفيون نظره عن طبقه وقال بنبرة رسمية: — الليلة لدينا حفل في قصر عائلة روسيني. سنذهب جميعًا. رفعت سولي رأسها باهتمام. — جميعًا؟ نظر إليها مورفيون للحظة. — نعم. وأنتِ أيضًا. بما أنك زوجة الوريث، عليكِ أن تتعلمي كيف تظهرين أمام الناس. هزت سولي رأسها بهدوء. — فهمت. أما لوكا، فبقي صامتًا وهو يشرب قهوته. لم تمر لحظات حتى بدأ أفراد العائلة يتحدثون عن الحفل، وعن الأشخاص الذين سيحضرون، وعن رجال الأعمال والعائلات المهمة التي ستكون هناك. استمعت سولي بصمت، وهي تحاول تذكر كل قاعدة أخبرتها بها إيلينا سابقًا. وعندما انتهى الإفطار، عادت إلى جناحها وهي تفكر في الليلة القادمة. --- مع حلول المساء، تغير القصر بالكامل. الخدم يتحركون بسرعة، والملابس الرسمية أُخرجت من الخزائن، والسيارات بدأت تجهز أمام المدخل. في غرفة سولي، وقفت أمام المرآة وهي تحاول ترتيب شعرها. كانت ترتدي فستانًا أنيقًا بلون هادئ، وتركت شعرها منسدلًا حول كتفيها. نظرت إلى انعكاسها للحظات، ثم أخذت نفسًا صغيرًا. — أتمنى ألا أرتكب أي خطأ. وبعد دقائق، خرجت من الغرفة. في الجهة الأخرى، كان لوكا قد انتهى من ارتداء بدلته، وكان شعره الأسود بطوله القصير نسبيًا، الذي يصل إلى أذنيه، مرتبًا بشكل طبيعي كما اعتاد. وعندما خرج الاثنان إلى الدرج، كان باقي أفراد العائلة ينتظرون. لكن سولي توقفت فجأة. لورا. كانت ترتدي فستانًا أنيقًا ولافتًا، مختلفًا تمامًا عن أسلوب سولي الهادئ. اتسعت عينا سولي قليلًا، ثم احمر وجهها وأخفضت نظرها بسرعة. لاحظت لورا ذلك، فابتسمت بثقة. — سولي، تبدين جميلة الليلة. رفعت سولي عينيها وابتسمت بأدب. — وأنتِ أيضًا. لم يقل لوكا شيئًا، لكن نظره مر على الاثنتين للحظة قبل أن يتجه نحو الباب. --- وصلت العائلة إلى الحفل بعد وقت قصير. كانت القاعة ضخمة ومزينة بالزهور والثريات، والموسيقى تملأ المكان. ما إن دخلت سولي حتى بدأت بعض السيدات بالترحيب بها. لكنها لاحظت شيئًا بسرعة. الجميع يعرف لورا. كان الضيوف يتوقفون للحديث معها، يضحكون معها، ويسألونها عن سنوات سفرها ودراستها. أما سولي، فبقيت إلى جانب لوكا وهي تحاول أن تبدو مرتاحة. ثم بدأت الموسيقى تتغير. أعلن أحد المنظمين عن رقصة جماعية، حيث يتبدل الشركاء مع تغير اللحن. بدأت الأزواج تتحرك في القاعة. وفجأة أمسكت لورا بيد لوكا. — تعال، كما كنا نفعل قديمًا. لم يجد لوكا سببًا للرفض، فبدأ يرقص معها. راقبتهما سولي من مكانها. وبدأت تسمع همسات الضيوف. — انظري إليهما. — يبدوان مناسبين لبعضهما. — واضح أنهما يعرفان بعضهما منذ سنوات. ابتسمت سولي ابتسامة صغيرة، لكنها لم تستطع منع شيء من الانقباض داخلها. وفجأة جاء صوت لورنزو: — هل تسمحين لي برقصة؟ نظرت إليه سولي، ثم ابتسمت. — بالتأكيد. بدأ الاثنان بالرقص. في البداية كانت سولي متوترة، لكنها سرعان ما ارتاحت. — يبدو أنك أصبحتِ أفضل. ضحكت. — ربما لأنك لا تدعني أسقط. — إذًا سأعتبرها ثقة كبيرة بي. وقبل أن تجيب، تغير اللحن. بدأت عملية تبديل الشركاء. تحرك الجميع وفق الإيقاع، ثم توقف كل شخص أمام شريك جديد. رفعت سولي عينيها... فتجمدت. كان لوكا أمامها. نظر إليها للحظات، ثم مد يده. — يبدو أننا سنكمل الرقصة معًا. وضعت يدها في يده بتردد. — يبدو ذلك. بدأت الموسيقى من جديد. وبعد لحظات، قال لوكا بصوت منخفض: — لماذا سمحتِ للورنزو أن يرقص معك؟ رمشت سولي. ثم رفعت حاجبها. — لماذا؟ — كنتِ تعرفين أنني موجود. نظرت إليه بدهشة صغيرة، ثم ابتسمت ابتسامة خفيفة. — وأنت كنت تعرف أنني موجودة عندما رقصت مع لورا. توقف للحظة. — هذا مختلف. — لماذا؟ لم يجب. رفعت سولي عينيها إليه وقالت: — أنت سألتني لماذا سمحت له أن يرقص معي... وأنا أسألك نفس السؤال. ساد الصمت بينهما للحظات. ثم قالت سولي بخفة: — أليس من حقي أن أرقص أيضًا؟ نظر إليها لوكا طويلًا، ثم قال بهدوء: — لم أقل إنه ليس من حقك. — إذًا لا تغضب. — أنا لست غاضبًا. ابتسمت. — واضح جدًا. نظر إليها بنظرة ضيقة. ولأول مرة منذ بداية الحفل، كادت سولي تضحك أمامه. أما لورا، التي كانت تراقبهما من بعيد... فلم تعجبها تلك الابتسامة أبدًا.[حين يتحول الحب إلى قيد] مرّت أيام أخرى. وبدأت حالة سولي تتحسن تدريجيًا. صارت قادرة على الوقوف مدة أطول، والمشي لمسافات قصيرة، والجلوس قرب النافذة من دون أن تشعر بالإرهاق كما في الأيام الأولى. لكن رغم تحسن جسدها... كان قرارها يزداد ثباتًا. كانت ستغادر المدينة. كانت قد رتبت مع جدتها معظم أغراضهما، وبدأت تختار الأشياء التي ستأخذها معها. القليل فقط. ملابسها. بعض الصور القديمة. أغراض جدتها. وقلادة صغيرة احتفظت بها منذ طفولتها. أما كل ما يربطها بقصر فيتالي... فلم تكن تريد أن تأخذ منه شيئًا. حتى ذكرياتها مع لوكا حاولت أن تخبئها في مكان لا تستطيع الوصول إليه. وفي الجهة الأخرى من المدينة... كان لوكا يراقبها من بعيد. لم يكن يتدخل. كان فقط يسأل لورينزو عنها أحيانًا. — كيف حالها؟ وكان لورينزو يجيبه: — تتحسن. فيتنفس لوكا براحة. لم يكن يعلم أن سولي كانت تستعد للرحيل. كان يظن أنها فقط تحتاج إلى وقت، وأنها ستبقى في بيت جدتها حتى تستعيد قوتها. وكان ذلك الوهم هو الشيء الوحيد الذي يسمح له بالاستمرار. --- وفي صباح أحد الأيام... كان لوكا جالسًا في مكتبه. الأوراق أمامه، والها
[ قبل الرحيل] مرّت ثلاثة أيام. ثلاثة أيام بدت طويلة على الجميع، لكنها كانت أثقل على لوكا تحديدًا. منذ أن خرجت سولي من مرحلة الخطر الأولى، لم يمر يوم واحد من دون أن يأتي إلى المستشفى. كان يصل في الصباح، ويبقى لبعض الوقت في الممر، ثم يسأل عن حالتها. وفي كل مرة... كان يقف أمام باب غرفتها. لكنه لم يدخل. احترامًا لطلبها. كان يكتفي بسؤال جدتها. — كيف حالها اليوم؟ وكانت الجدة تجيبه دائمًا: — بخير. فيبتسم ابتسامة صغيرة متعبة. — الحمد لله. وفي اليوم الثاني كرر السؤال. وفي اليوم الثالث أيضًا. وفي كل مرة كانت الإجابة نفسها تقريبًا. — سولي أفضل. لكن الجدة كانت ترى ما وراء عينيه. كان يريد أن يسأل سؤالًا آخر. هل ما زالت تريد الطلاق؟ هل تحدثت عني؟ هل تفكر بي؟ هل يمكن أن تسامحني؟ لكنه لم يسأل. ربما لأنه كان يخشى الإجابة. كان يفضّل كلمة «بخير» على أن يسمع شيئًا يؤلمه أكثر. أما سولي... فكانت تعرف أنه يأتي. كانت تسمع أحيانًا صوته من بعيد. وتعرف من خطواته أنه وصل. لكنها لم تطلب رؤيته. كانت تحتاج إلى الهدوء. وإلى الوقت. وإلى بداية مختلفة. وفي اليوم الثالث، أخبرها الطبيب
[ بين الحب والرحيل] في المستشفى... كانت غرفة سولي هادئة. جلست جدتها إلى جانب السرير، تحمل وعاء الطعام بيدها، وتطعمها ببطء. كانت سولي لا تزال ضعيفة جدًا، وكانت كل حركة تتطلب منها جهدًا. — تناولي المزيد قليلًا. قالت جدتها بحنان. فتحت سولي فمها وتناولت لقمة صغيرة، ثم توقفت. — لقد شبعت. هزّت جدتها رأسها. — من لقمتين فقط؟ ابتسمت سولي ابتسامة ضعيفة. — لا أشعر برغبة في تناول الطعام. — يجب أن تأكلي حتى تستعيدي قوتك. نظرت سولي إلى الطعام للحظة، ثم تناولت لقمة أخرى. بعد ذلك، رفعت عينيها نحو النافذة. كان ضوء النهار يملأ الغرفة، والمدينة تبدو بعيدة خلف الزجاج. وظلت تحدّق هناك طويلًا. لاحظت الجدة شرودها. — إلى ماذا تنظرين؟ لم تجب سولي مباشرة. ثم قالت بهدوء: — إلى المدينة. ابتسمت جدتها قليلًا. — ماذا بها؟ خفضت سولي عينيها. — لا أعلم... ثم سكتت لحظة. — لكنني لم أعد أرغب في رؤيتها. توقفت يد جدتها. ونظرت إليها باستغراب. — ماذا تقصدين؟ رفعت سولي عينيها إليها. — أعني أنني لا أريد البقاء هنا. — سولي... — أريد مغادرة المدينة. ساد الصمت. وضعت الجدة الوعاء جانبًا، ثم اقت
[ بين الحب والرحيل] بعد وقت قصير، خرجت كارلي وجدّة سولي من الغرفة. أغلقت كارلي الباب خلفها بهدوء، ثم بقيت للحظة تنظر إلى لوكا. كان واقفًا في الممر، بالقرب من النافذة، وعيناه لا تفارقان باب الغرفة. اقتربت منه. — لوكا... التفت إليها. — نعم؟ ترددت كارلي لحظة. ثم قالت: — سولي تريد التحدث إليك. ثبت عيناه عليها. — معي؟ أومأت. — نعم. سكت لثوانٍ. ظهرت على وجهه ملامح توتر لم تستطع كارلي تجاهلها. — هل قالت ماذا تريد؟ هزّت رأسها. — لا. ثم وضعت يدها على ذراعه. — مهما قالت.... حاول أن تستمع إليها حتى النهاية. نظر إليها لوكا طويلًا. ثم أومأ. — حسنًا. ابتعدت كارلي، وتركت له الطريق. بقي لوكا أمام الباب للحظات. رفع يده، لكنه لم يطرقه مباشرة. كان يشعر بأن هناك شيئًا مختلفًا هذه المرة. شيئًا أثقل من مجرد حديث بعد الاستيقاظ. وأخيرًا... طرق الباب بهدوء. لم تأته إجابة. طرق مرة أخرى. ثم جاء صوت سولي ضعيفًا: — ادخل. فتح الباب. دخل ببطء. كانت سولي مستلقية على السرير، وقد أدارت وجهها نحو النافذة. كانت الشمس تدخل من بينها وبين الستائر
[حين فتحت عينيها ] ثم أعاد لوكا نظره إلى سولي. وظلّت عيناه معلّقتين بها، وكأن العالم بأسره يستطيع الانتظار... أما هي، فلا. لكن شيئًا ما تغيّر هذه المرة. في البداية، كانت مجرد حركة صغيرة جدًا. تحرّكت أصابع سولي تحت الغطاء. توقّف لوكا عن الحركة. رفع رأسه بسرعة. حدّق في يدها. ثم نظر إلى وجهها. — سولي؟ لم تجبه. انتظر. وبعد لحظات، تحرّكت أصابعها مرة أخرى. ثم ارتجفت رموشها قليلًا. اتّسعت عينا لوكا. — سولي... اقترب منها أكثر. كان صوته مليئًا بالخوف والأمل في الوقت نفسه. — هل تسمعينني؟ تحرّكت رموشها مجددًا. وببطء شديد... بدأت عيناها تنفتحان. كان الضوء يزعجها في البداية، فحاولت إغلاق عينيها مرة أخرى. تنفّست ببطء. ثم فتحتهما من جديد. كانت نظرتها شاردة. لم تعرف أين هي. كان كل شيء حولها ضبابيًا. السقف. الجدران. الأجهزة. ثم بدأت ذاكرتها تعود إليها شيئًا فشيئًا. المستشفى. العملية. الخوف. ثم شعرت بيد تمسك يدها. التفتت ببطء. ورأته. لوكا. كان جالسًا إلى جوارها، وشعره الأسود غير مرتّب من النوم، وملامح التعب واضحة على وجهه
[بين القلق والأمل] وبقي لوكا إلى جوار سولي. مرّت الدقائق ببطء، ثم تحوّلت إلى ساعات. لم يشعر بمرورها. ظلّ ممسكًا بيدها، وكان إبهامه يتحرّك بين الحين والآخر فوق أصابعها بحركة خفيفة، وكأنّه يطمئن نفسه إلى أنّها ما تزال هنا. كانت الغرفة هادئة. يملأ صوت الأجهزة المنتظم الفراغ. ويتسلّل ضوء خافت من المصباح القريب من السرير. ومع مرور الوقت، بدأ التعب يثقل جفنيه. حاول مقاومته. فعدّل جلسته. ثم رفع رأسه قليلًا. ونظر إلى وجه سولي. — سأبقى... همس. لكن صوته خرج ضعيفًا من شدّة الإرهاق. — لا تخافي. وبعد ذلك بقليل... غلبه النوم. لم يترك يدها. حتى وهو نائم، ظلّت أصابعه تحيط بأصابعها برفق. وأسند رأسه إلى طرف السرير، بينما بقي جسده منحنيًا قليلًا نحوها. كانت ملامحه مختلفة تمامًا عن الرجل الذي يعرفه الجميع. لا برود. ولا قسوة. بل تعب وخوف وحب صامت. مرّت ليلة كاملة وهو على تلك الحال. --- في الصباح... بدأ ضوء الشمس يتسلّل من بين الستائر. فتح لوكا عينيه ببطء. واستغرقه الأمر بضع ثوانٍ حتى تذكّر أين هو. ثم رفع رأسه بسرعة. ونظر إلى سولي. كانت لا