LOGIN{لأول مرة أحارب }
بعد انتهاء الرقصة، بدأت الموسيقى تهدأ شيئًا فشيئًا، وبدأ الضيوف بالتحرك نحو قاعة الطعام حيث وُضع بوفيه كبير. كانت سولي تمشي بهدوء بين الحاضرين، لكنها لم تتجه نحو الأطباق الثقيلة. في الفترة الأخيرة أصبحت شهيتها أضعف، فاختارت طبقًا صغيرًا من السلطة وقليلًا من الشوربة. وقفت أمام الطاولة، وسكبت الشوربة بحذر. كانت تبدو أنحف مما كانت عليه عندما دخلت القصر للمرة الأولى، لكن سولي لم تهتم بذلك. بالنسبة لها، كان الأمر مجرد تعب عابر. وفجأة جاء صوت بجانبها: — أظنكِ مخطئة إذا كنتِ تعتقدين أنكِ تستطيعين أخذ لوكا مني. توقفت يد سولي. التفتت ببطء. كانت لورا تقف خلفها. نظرتها لم تكن تحمل أي ابتسامة هذه المرة. قالت لورا بصوت منخفض: — صحيح أنك زوجته أمام الجميع... لكن هذا لا يعني أنك تملكين قلبه. صمتت سولي. أكملت لورا: — أنا أعرف لوكا منذ طفولتنا. أعرف ما يحب وما يكره، وأعرف الأشياء التي لا يخبر بها أحدًا. أنتِ ظهرتِ فجأة في حياته، وهذا الزواج لم يكن سوى اتفاق. شعرت سولي بوخزة في صدرها. لكنها لم تسمح لنفسها أن تخفض عينيها. قالت بهدوء: — صحيح... أنتِ تحبين لوكا. توقفت لورا لحظة. رفعت سولي عينيها إليها. — لكنكِ لم تكوني معه عندما كان متعبًا. اختفت ابتسامة لورا. — ماذا تقصدين؟ — لم تكوني معه عندما مرض. سكتت لورا. — ولم تكوني معه عندما أصيب. ازداد صمتها. وضعت سولي الملعقة جانبًا وقالت: — الحب ليس فقط أن تعرفي الأشياء التي يحبها شخص ما. ثم أضافت بنبرة أكثر ثباتًا: — أحيانًا الحب يعني أن تبقي عندما يكون كل شيء صعبًا. نظرت لورا إليها بغضب. لكن سولي لم تتراجع. — ربما أنتِ أحببته منذ سنوات... لكنني كنت معه عندما احتاج إلى شخص بجانبه. ثم حملت طبقها بهدوء. — وهذا هو الفرق بين شخص أحببته... وشخص اخترتِ أن تبقي معه. تركتها ومشت. كانت يداها ترتجفان قليلًا. لم تكن معتادة على مواجهة أحد بهذه الطريقة. لكنها شعرت بشيء جديد في داخلها. لأول مرة... لم تكن تريد الهرب. --- وجدت لوكا جالسًا بعيدًا عن الزحام. اقتربت منه وجلست إلى جانبه. نظر إليها باستغراب. — هل أنتِ بخير؟ أومأت. — نعم. نظر إلى طبقها الصغير. — هذا كل ما ستأكلينه؟ ابتسمت بخفة. — لا أستطيع تناول الكثير. ظل ينظر إليها لحظة، ثم قال: — يجب أن تأكلي بشكل أفضل. رفعت عينيها إليه. — سأحاول. ثم بدأت تأكل بهدوء. كان لوكا يراقبها من وقت لآخر، بينما كانت سولي تشعر بأن قلبها يخفق بطريقة مختلفة. هذه المرة لن أهرب. نظرت إليه بصمت. كانت تعرف أن أمامها وقتًا محدودًا، وأنها لا تعرف ماذا سيحدث غدًا. لكنها عرفت شيئًا واحدًا فقط. إذا كانت لورا مستعدة للقتال من أجل لوكا... فهي أيضًا، ولأول مرة، ستقاتل من أجل الشخص الذي أحبته. --- كانت سولي تجلس إلى مقعدها بجانب لوكا، وهي تحاول أن تبدو هادئة، رغم أن كلماتها مع لورا ما زالت تدور في رأسها. لكن هذه المرة كان هناك شيء مختلف في نظرتها. لم تعد تريد أن تتراجع. بعد دقائق، اقتربت لورا منهم بابتسامتها المعتادة. — هل يمكنني الجلوس معكما؟ نظر لوكا إليها بهدوء وأومأ. جلست لورا في الجهة المقابلة، ثم بدأت تتحدث مع لوكا عن الحفل وبعض ذكريات طفولتهما. أما سولي فكانت صامتة للحظات. ثم تذكرت ما قالته لورا. أنتِ زوجته أمام الجميع... لكنكِ لا تملكين قلبه. رفعت سولي عينيها نحو لوكا. ولأول مرة قررت ألا تسمح لكلمات لورا بأن تجعلها تتراجع. مدت يدها بهدوء وأمسكت يد لوكا فوق الطاولة. توقف عن الكلام. نظر إلى يده، ثم إليها. — سولي؟ ابتسمت له وكأن شيئًا لم يحدث. — هل يمكنك أن تأكل معي؟ رفع لوكا حاجبه باستغراب. كان واضحًا أنه لم يعتد هذا التصرف منها. لكن عندما رفع عينيه، لاحظ نظرة لورا التي انتقلت مباشرة إلى يديهما. فهم كل شيء. إذن هي تفعل ذلك عن قصد. ولسبب ما، وجد الأمر مضحكًا. قال بهدوء: — حسنًا. بدأت سولي تأكل، ثم دفعت طبقًا صغيرًا باتجاهه. — جرب هذا. نظر إليها لوكا. — أعرف كيف آكل. ضحكت بخفة. — أعرف، لكنني أردت فقط أن أجعلك تجرب. ثم ناولته قطعة صغيرة من الطعام بطريقة عفوية، فصمت لوكا للحظة قبل أن يأخذها. راقبته سولي بابتسامة صغيرة، وكأنها تنتظر رأيه. — جيد؟ أجاب: — جيد. ابتسمت أكثر. أما لورا... فكانت تجلس أمامهما بصمت، وملامحها بدأت تفقد هدوءها تدريجيًا. حاولت تغيير الموضوع. — لوكا، أتذكر عندما كنا صغارًا وكنت— قاطعها بهدوء: — لورا. نظرت إليه. — نعم؟ قال وهو ينظر إلى سولي: — سولي كانت تسألني عن شيء. توقفت لورا. أما سولي فرفعت عينيها إليه بدهشة صغيرة. لم تكن تتوقع أن يختار لوكا إنهاء الحديث بهذه الطريقة. ثم عاد لوكا إلى طعامه وكأنه لم يفعل شيئًا. لكن سولي ابتسمت في سرها. ربما... ربما لم تكن تحارب وحدها.[حين يتحول الحب إلى قيد] مرّت أيام أخرى. وبدأت حالة سولي تتحسن تدريجيًا. صارت قادرة على الوقوف مدة أطول، والمشي لمسافات قصيرة، والجلوس قرب النافذة من دون أن تشعر بالإرهاق كما في الأيام الأولى. لكن رغم تحسن جسدها... كان قرارها يزداد ثباتًا. كانت ستغادر المدينة. كانت قد رتبت مع جدتها معظم أغراضهما، وبدأت تختار الأشياء التي ستأخذها معها. القليل فقط. ملابسها. بعض الصور القديمة. أغراض جدتها. وقلادة صغيرة احتفظت بها منذ طفولتها. أما كل ما يربطها بقصر فيتالي... فلم تكن تريد أن تأخذ منه شيئًا. حتى ذكرياتها مع لوكا حاولت أن تخبئها في مكان لا تستطيع الوصول إليه. وفي الجهة الأخرى من المدينة... كان لوكا يراقبها من بعيد. لم يكن يتدخل. كان فقط يسأل لورينزو عنها أحيانًا. — كيف حالها؟ وكان لورينزو يجيبه: — تتحسن. فيتنفس لوكا براحة. لم يكن يعلم أن سولي كانت تستعد للرحيل. كان يظن أنها فقط تحتاج إلى وقت، وأنها ستبقى في بيت جدتها حتى تستعيد قوتها. وكان ذلك الوهم هو الشيء الوحيد الذي يسمح له بالاستمرار. --- وفي صباح أحد الأيام... كان لوكا جالسًا في مكتبه. الأوراق أمامه، والها
[ قبل الرحيل] مرّت ثلاثة أيام. ثلاثة أيام بدت طويلة على الجميع، لكنها كانت أثقل على لوكا تحديدًا. منذ أن خرجت سولي من مرحلة الخطر الأولى، لم يمر يوم واحد من دون أن يأتي إلى المستشفى. كان يصل في الصباح، ويبقى لبعض الوقت في الممر، ثم يسأل عن حالتها. وفي كل مرة... كان يقف أمام باب غرفتها. لكنه لم يدخل. احترامًا لطلبها. كان يكتفي بسؤال جدتها. — كيف حالها اليوم؟ وكانت الجدة تجيبه دائمًا: — بخير. فيبتسم ابتسامة صغيرة متعبة. — الحمد لله. وفي اليوم الثاني كرر السؤال. وفي اليوم الثالث أيضًا. وفي كل مرة كانت الإجابة نفسها تقريبًا. — سولي أفضل. لكن الجدة كانت ترى ما وراء عينيه. كان يريد أن يسأل سؤالًا آخر. هل ما زالت تريد الطلاق؟ هل تحدثت عني؟ هل تفكر بي؟ هل يمكن أن تسامحني؟ لكنه لم يسأل. ربما لأنه كان يخشى الإجابة. كان يفضّل كلمة «بخير» على أن يسمع شيئًا يؤلمه أكثر. أما سولي... فكانت تعرف أنه يأتي. كانت تسمع أحيانًا صوته من بعيد. وتعرف من خطواته أنه وصل. لكنها لم تطلب رؤيته. كانت تحتاج إلى الهدوء. وإلى الوقت. وإلى بداية مختلفة. وفي اليوم الثالث، أخبرها الطبيب
[ بين الحب والرحيل] في المستشفى... كانت غرفة سولي هادئة. جلست جدتها إلى جانب السرير، تحمل وعاء الطعام بيدها، وتطعمها ببطء. كانت سولي لا تزال ضعيفة جدًا، وكانت كل حركة تتطلب منها جهدًا. — تناولي المزيد قليلًا. قالت جدتها بحنان. فتحت سولي فمها وتناولت لقمة صغيرة، ثم توقفت. — لقد شبعت. هزّت جدتها رأسها. — من لقمتين فقط؟ ابتسمت سولي ابتسامة ضعيفة. — لا أشعر برغبة في تناول الطعام. — يجب أن تأكلي حتى تستعيدي قوتك. نظرت سولي إلى الطعام للحظة، ثم تناولت لقمة أخرى. بعد ذلك، رفعت عينيها نحو النافذة. كان ضوء النهار يملأ الغرفة، والمدينة تبدو بعيدة خلف الزجاج. وظلت تحدّق هناك طويلًا. لاحظت الجدة شرودها. — إلى ماذا تنظرين؟ لم تجب سولي مباشرة. ثم قالت بهدوء: — إلى المدينة. ابتسمت جدتها قليلًا. — ماذا بها؟ خفضت سولي عينيها. — لا أعلم... ثم سكتت لحظة. — لكنني لم أعد أرغب في رؤيتها. توقفت يد جدتها. ونظرت إليها باستغراب. — ماذا تقصدين؟ رفعت سولي عينيها إليها. — أعني أنني لا أريد البقاء هنا. — سولي... — أريد مغادرة المدينة. ساد الصمت. وضعت الجدة الوعاء جانبًا، ثم اقت
[ بين الحب والرحيل] بعد وقت قصير، خرجت كارلي وجدّة سولي من الغرفة. أغلقت كارلي الباب خلفها بهدوء، ثم بقيت للحظة تنظر إلى لوكا. كان واقفًا في الممر، بالقرب من النافذة، وعيناه لا تفارقان باب الغرفة. اقتربت منه. — لوكا... التفت إليها. — نعم؟ ترددت كارلي لحظة. ثم قالت: — سولي تريد التحدث إليك. ثبت عيناه عليها. — معي؟ أومأت. — نعم. سكت لثوانٍ. ظهرت على وجهه ملامح توتر لم تستطع كارلي تجاهلها. — هل قالت ماذا تريد؟ هزّت رأسها. — لا. ثم وضعت يدها على ذراعه. — مهما قالت.... حاول أن تستمع إليها حتى النهاية. نظر إليها لوكا طويلًا. ثم أومأ. — حسنًا. ابتعدت كارلي، وتركت له الطريق. بقي لوكا أمام الباب للحظات. رفع يده، لكنه لم يطرقه مباشرة. كان يشعر بأن هناك شيئًا مختلفًا هذه المرة. شيئًا أثقل من مجرد حديث بعد الاستيقاظ. وأخيرًا... طرق الباب بهدوء. لم تأته إجابة. طرق مرة أخرى. ثم جاء صوت سولي ضعيفًا: — ادخل. فتح الباب. دخل ببطء. كانت سولي مستلقية على السرير، وقد أدارت وجهها نحو النافذة. كانت الشمس تدخل من بينها وبين الستائر
[حين فتحت عينيها ] ثم أعاد لوكا نظره إلى سولي. وظلّت عيناه معلّقتين بها، وكأن العالم بأسره يستطيع الانتظار... أما هي، فلا. لكن شيئًا ما تغيّر هذه المرة. في البداية، كانت مجرد حركة صغيرة جدًا. تحرّكت أصابع سولي تحت الغطاء. توقّف لوكا عن الحركة. رفع رأسه بسرعة. حدّق في يدها. ثم نظر إلى وجهها. — سولي؟ لم تجبه. انتظر. وبعد لحظات، تحرّكت أصابعها مرة أخرى. ثم ارتجفت رموشها قليلًا. اتّسعت عينا لوكا. — سولي... اقترب منها أكثر. كان صوته مليئًا بالخوف والأمل في الوقت نفسه. — هل تسمعينني؟ تحرّكت رموشها مجددًا. وببطء شديد... بدأت عيناها تنفتحان. كان الضوء يزعجها في البداية، فحاولت إغلاق عينيها مرة أخرى. تنفّست ببطء. ثم فتحتهما من جديد. كانت نظرتها شاردة. لم تعرف أين هي. كان كل شيء حولها ضبابيًا. السقف. الجدران. الأجهزة. ثم بدأت ذاكرتها تعود إليها شيئًا فشيئًا. المستشفى. العملية. الخوف. ثم شعرت بيد تمسك يدها. التفتت ببطء. ورأته. لوكا. كان جالسًا إلى جوارها، وشعره الأسود غير مرتّب من النوم، وملامح التعب واضحة على وجهه
[بين القلق والأمل] وبقي لوكا إلى جوار سولي. مرّت الدقائق ببطء، ثم تحوّلت إلى ساعات. لم يشعر بمرورها. ظلّ ممسكًا بيدها، وكان إبهامه يتحرّك بين الحين والآخر فوق أصابعها بحركة خفيفة، وكأنّه يطمئن نفسه إلى أنّها ما تزال هنا. كانت الغرفة هادئة. يملأ صوت الأجهزة المنتظم الفراغ. ويتسلّل ضوء خافت من المصباح القريب من السرير. ومع مرور الوقت، بدأ التعب يثقل جفنيه. حاول مقاومته. فعدّل جلسته. ثم رفع رأسه قليلًا. ونظر إلى وجه سولي. — سأبقى... همس. لكن صوته خرج ضعيفًا من شدّة الإرهاق. — لا تخافي. وبعد ذلك بقليل... غلبه النوم. لم يترك يدها. حتى وهو نائم، ظلّت أصابعه تحيط بأصابعها برفق. وأسند رأسه إلى طرف السرير، بينما بقي جسده منحنيًا قليلًا نحوها. كانت ملامحه مختلفة تمامًا عن الرجل الذي يعرفه الجميع. لا برود. ولا قسوة. بل تعب وخوف وحب صامت. مرّت ليلة كاملة وهو على تلك الحال. --- في الصباح... بدأ ضوء الشمس يتسلّل من بين الستائر. فتح لوكا عينيه ببطء. واستغرقه الأمر بضع ثوانٍ حتى تذكّر أين هو. ثم رفع رأسه بسرعة. ونظر إلى سولي. كانت لا