LOGIN{حين سقط القناع }
دخلت سولي إلى الصالة بخطوات صغيرة، وما زالت آثار النوم واضحة على وجهها. كان شعرها الأسود فوضويًا، وبعض خصلاته سقطت أمام عينيها، وكانت تفرك عينيها بيدها وهي تتمتم: — صباح الخير، جدتي... ثم رفعت رأسها. توقفت. لوكا كان جالسًا أمام جدتها، يحمل كوب الشاي بين يديه. اتسعت عيناها فورًا. نظرت إلى شعرها، ثم لمست وجهها وكأنها تذكرت فجأة أنها لم تغسله حتى. احمر وجهها بشدة. — أنا... لم تكمل الجملة. استدارت بسرعة وركضت باتجاه الغرفة. لوكا رمش عدة مرات وهو يحدق في المكان الذي اختفت فيه. ثم سمع ضحكة الجدة. — لا تضحك. التفت إليها. — أنا لم أضحك. — لكنك كنت على وشك ذلك. ظهرت ابتسامة صغيرة على وجهه. — ربما قليلًا. قالت الجدة وهي تبتسم: — سولي استوعبت أنها خرجت أمامك وهي بهذا الشكل. نظر لوكا إلى الباب. — أعتقد أنها كانت لطيفة. توقفت الجدة عن الحياكة لحظة، ثم ابتسمت بخبث بسيط. — سأخبرها أنك قلت ذلك. — لا. ضحكت الجدة. وبعد دقائق، عادت سولي بعدما رتبت شعرها وغسلت وجهها، وجلست قرب جدتها وهي تتجنب النظر إلى لوكا من شدة الخجل. كان الجو هادئًا. لوكا أخذ يتجول بعينيه في المكان. لاحظ رفوفًا مليئة بالكتب، وصورًا قديمة لسولي وهي طفلة تقف بجانب جدتها وزوجها الراحل. ثم وقعت عيناه على شيء في زاوية الصالة. بيانو قديم. ظل ينظر إليه للحظات. كان واضحًا أنه لم يكن مجرد قطعة أثاث. كان جزءًا من ذكريات هذا البيت. أما سولي فكانت ترتب بعض الأشياء فوق الطاولة، عندما— طرق! طرق! طرق! جاء طرق قوي على الباب. التفتت سولي باستغراب. — من يكون؟ نهضت واتجهت نحو الباب وفتحته. تجمدت. كانت لورا تقف في المقدمة، وخلفها إيلينا، ، وجدّة لوكا. وقبل أن تفهم سولي ما يحدث، دفعتها لورا من كتفها وهي تدخل. — أين لوكا؟ تراجعت سولي خطوة، مصدومة. — ماذا؟ رفعت لورا صوتها: — لا تتظاهري بأنك لا تعرفين! تقدمت إيلينا وقالت ببرود: — أخبرينا أين هو. قالت سولي بتوتر: — إنه بالداخل... وقبل أن تكمل، قالت لورا بغضب: — أنتِ قلتِ لهم إنك تحاولين جعل لوكا يحبك، أليس كذلك؟ شهقت سولي. — أنا لم أقل شيئًا كهذا! تدخلت إيلينا بسخرية: — بل الأمر واضح. جعلته يأتي إلى هنا حتى يبتعد عن عائلته، وتحاولين التأثير عليه حتى يصبح مثل حياتك. نظرت سولي إليها بألم. ثم قالت جدة لوكا بصرامة: — سولي، ماذا تظنين أنك تفعلين؟ رفعت سولي عينيها إليها. — أنا لم أفعل شيئًا... — لم تفعلي شيئًا؟ نظرت الجدة حولها باحتقار. — جعلتِ وريث عائلة فيتالي يأتي إلى هذا المكان. تجمدت سولي. أكملت المرأة: — هل نسيتِ من يكون لوكا؟ أنتِ لستِ من مستواه. خفضت سولي رأسها. كانت الكلمات تؤلمها، لكنها لم تستطع الرد. ثم قالت: — وأنتِ تعتقدين أنه جاء إلى هنا من أجلكِ؟ بالتأكيد لأنك تريدين ثروة عائلتنا. ارتجفت أصابع سولي. — أنا لا أريد أموالكم... — كفى. جاء الصوت من خلفهم. هادئًا. لكن حادًا بما يكفي ليجعل الجميع يصمت. استداروا. كان لوكا واقفًا عند مدخل الصالة. ملامحه لم تكن غاضبة فقط. كانت باردة. تقدمت جدته نحوه فورًا وأمسكت بذراعه. — لوكا، لا تتدخل. نحن نحاول أن نفهم ماذا تفعل هذه الفتاة بك. نظر إلى يدها على ذراعه، ثم رفع عينيه إليها. قالت: — أنت وريث عائلة فيتالي. لا يجوز أن تسمح لها بأن تسحبك إلى عالمها. ثم أشارت نحو سولي. — هي ليست من مستوانا. ساد الصمت. نظر لوكا إلى سولي. كانت واقفة في مكانها، ويداها متشابكتان أمامها، تحاول منع دموعها من الظهور. ثم عاد ينظر إلى جدته. — وهل هذا هو السبب الذي جعلكم تعاملونها بهذه الطريقة؟ — نحن نحميك. — لا. سحب ذراعه بهدوء من يدها. — أنتم تهينون زوجتي. شهقت سولي ورفعت رأسها بسرعة. أما لورا، فتجمدت ملامحها. تابع لوكا بصوت ثابت: — سولي لم تطلب مني أن آتي إلى هنا. ثم نظر إلى الصور القديمة على الرف. — أنا جئت لأنني أردت أن أتعرف إلى المكان الذي عاشت فيه. ساد صمت ثقيل. وأضاف: — وإذا كانت عائلتي ترى أن زيارة زوجتي لجدتها تقلل من قيمتي... فهذه مشكلتكم، وليست مشكلتها. لم تستطع سولي أن تمنع الدموع التي تجمعت في عينيها. لأول مرة... لم تشعر أنها وحدها أمامهم.[حين يتحول الحب إلى قيد] مرّت أيام أخرى. وبدأت حالة سولي تتحسن تدريجيًا. صارت قادرة على الوقوف مدة أطول، والمشي لمسافات قصيرة، والجلوس قرب النافذة من دون أن تشعر بالإرهاق كما في الأيام الأولى. لكن رغم تحسن جسدها... كان قرارها يزداد ثباتًا. كانت ستغادر المدينة. كانت قد رتبت مع جدتها معظم أغراضهما، وبدأت تختار الأشياء التي ستأخذها معها. القليل فقط. ملابسها. بعض الصور القديمة. أغراض جدتها. وقلادة صغيرة احتفظت بها منذ طفولتها. أما كل ما يربطها بقصر فيتالي... فلم تكن تريد أن تأخذ منه شيئًا. حتى ذكرياتها مع لوكا حاولت أن تخبئها في مكان لا تستطيع الوصول إليه. وفي الجهة الأخرى من المدينة... كان لوكا يراقبها من بعيد. لم يكن يتدخل. كان فقط يسأل لورينزو عنها أحيانًا. — كيف حالها؟ وكان لورينزو يجيبه: — تتحسن. فيتنفس لوكا براحة. لم يكن يعلم أن سولي كانت تستعد للرحيل. كان يظن أنها فقط تحتاج إلى وقت، وأنها ستبقى في بيت جدتها حتى تستعيد قوتها. وكان ذلك الوهم هو الشيء الوحيد الذي يسمح له بالاستمرار. --- وفي صباح أحد الأيام... كان لوكا جالسًا في مكتبه. الأوراق أمامه، والها
[ قبل الرحيل] مرّت ثلاثة أيام. ثلاثة أيام بدت طويلة على الجميع، لكنها كانت أثقل على لوكا تحديدًا. منذ أن خرجت سولي من مرحلة الخطر الأولى، لم يمر يوم واحد من دون أن يأتي إلى المستشفى. كان يصل في الصباح، ويبقى لبعض الوقت في الممر، ثم يسأل عن حالتها. وفي كل مرة... كان يقف أمام باب غرفتها. لكنه لم يدخل. احترامًا لطلبها. كان يكتفي بسؤال جدتها. — كيف حالها اليوم؟ وكانت الجدة تجيبه دائمًا: — بخير. فيبتسم ابتسامة صغيرة متعبة. — الحمد لله. وفي اليوم الثاني كرر السؤال. وفي اليوم الثالث أيضًا. وفي كل مرة كانت الإجابة نفسها تقريبًا. — سولي أفضل. لكن الجدة كانت ترى ما وراء عينيه. كان يريد أن يسأل سؤالًا آخر. هل ما زالت تريد الطلاق؟ هل تحدثت عني؟ هل تفكر بي؟ هل يمكن أن تسامحني؟ لكنه لم يسأل. ربما لأنه كان يخشى الإجابة. كان يفضّل كلمة «بخير» على أن يسمع شيئًا يؤلمه أكثر. أما سولي... فكانت تعرف أنه يأتي. كانت تسمع أحيانًا صوته من بعيد. وتعرف من خطواته أنه وصل. لكنها لم تطلب رؤيته. كانت تحتاج إلى الهدوء. وإلى الوقت. وإلى بداية مختلفة. وفي اليوم الثالث، أخبرها الطبيب
[ بين الحب والرحيل] في المستشفى... كانت غرفة سولي هادئة. جلست جدتها إلى جانب السرير، تحمل وعاء الطعام بيدها، وتطعمها ببطء. كانت سولي لا تزال ضعيفة جدًا، وكانت كل حركة تتطلب منها جهدًا. — تناولي المزيد قليلًا. قالت جدتها بحنان. فتحت سولي فمها وتناولت لقمة صغيرة، ثم توقفت. — لقد شبعت. هزّت جدتها رأسها. — من لقمتين فقط؟ ابتسمت سولي ابتسامة ضعيفة. — لا أشعر برغبة في تناول الطعام. — يجب أن تأكلي حتى تستعيدي قوتك. نظرت سولي إلى الطعام للحظة، ثم تناولت لقمة أخرى. بعد ذلك، رفعت عينيها نحو النافذة. كان ضوء النهار يملأ الغرفة، والمدينة تبدو بعيدة خلف الزجاج. وظلت تحدّق هناك طويلًا. لاحظت الجدة شرودها. — إلى ماذا تنظرين؟ لم تجب سولي مباشرة. ثم قالت بهدوء: — إلى المدينة. ابتسمت جدتها قليلًا. — ماذا بها؟ خفضت سولي عينيها. — لا أعلم... ثم سكتت لحظة. — لكنني لم أعد أرغب في رؤيتها. توقفت يد جدتها. ونظرت إليها باستغراب. — ماذا تقصدين؟ رفعت سولي عينيها إليها. — أعني أنني لا أريد البقاء هنا. — سولي... — أريد مغادرة المدينة. ساد الصمت. وضعت الجدة الوعاء جانبًا، ثم اقت
[ بين الحب والرحيل] بعد وقت قصير، خرجت كارلي وجدّة سولي من الغرفة. أغلقت كارلي الباب خلفها بهدوء، ثم بقيت للحظة تنظر إلى لوكا. كان واقفًا في الممر، بالقرب من النافذة، وعيناه لا تفارقان باب الغرفة. اقتربت منه. — لوكا... التفت إليها. — نعم؟ ترددت كارلي لحظة. ثم قالت: — سولي تريد التحدث إليك. ثبت عيناه عليها. — معي؟ أومأت. — نعم. سكت لثوانٍ. ظهرت على وجهه ملامح توتر لم تستطع كارلي تجاهلها. — هل قالت ماذا تريد؟ هزّت رأسها. — لا. ثم وضعت يدها على ذراعه. — مهما قالت.... حاول أن تستمع إليها حتى النهاية. نظر إليها لوكا طويلًا. ثم أومأ. — حسنًا. ابتعدت كارلي، وتركت له الطريق. بقي لوكا أمام الباب للحظات. رفع يده، لكنه لم يطرقه مباشرة. كان يشعر بأن هناك شيئًا مختلفًا هذه المرة. شيئًا أثقل من مجرد حديث بعد الاستيقاظ. وأخيرًا... طرق الباب بهدوء. لم تأته إجابة. طرق مرة أخرى. ثم جاء صوت سولي ضعيفًا: — ادخل. فتح الباب. دخل ببطء. كانت سولي مستلقية على السرير، وقد أدارت وجهها نحو النافذة. كانت الشمس تدخل من بينها وبين الستائر
[حين فتحت عينيها ] ثم أعاد لوكا نظره إلى سولي. وظلّت عيناه معلّقتين بها، وكأن العالم بأسره يستطيع الانتظار... أما هي، فلا. لكن شيئًا ما تغيّر هذه المرة. في البداية، كانت مجرد حركة صغيرة جدًا. تحرّكت أصابع سولي تحت الغطاء. توقّف لوكا عن الحركة. رفع رأسه بسرعة. حدّق في يدها. ثم نظر إلى وجهها. — سولي؟ لم تجبه. انتظر. وبعد لحظات، تحرّكت أصابعها مرة أخرى. ثم ارتجفت رموشها قليلًا. اتّسعت عينا لوكا. — سولي... اقترب منها أكثر. كان صوته مليئًا بالخوف والأمل في الوقت نفسه. — هل تسمعينني؟ تحرّكت رموشها مجددًا. وببطء شديد... بدأت عيناها تنفتحان. كان الضوء يزعجها في البداية، فحاولت إغلاق عينيها مرة أخرى. تنفّست ببطء. ثم فتحتهما من جديد. كانت نظرتها شاردة. لم تعرف أين هي. كان كل شيء حولها ضبابيًا. السقف. الجدران. الأجهزة. ثم بدأت ذاكرتها تعود إليها شيئًا فشيئًا. المستشفى. العملية. الخوف. ثم شعرت بيد تمسك يدها. التفتت ببطء. ورأته. لوكا. كان جالسًا إلى جوارها، وشعره الأسود غير مرتّب من النوم، وملامح التعب واضحة على وجهه
[بين القلق والأمل] وبقي لوكا إلى جوار سولي. مرّت الدقائق ببطء، ثم تحوّلت إلى ساعات. لم يشعر بمرورها. ظلّ ممسكًا بيدها، وكان إبهامه يتحرّك بين الحين والآخر فوق أصابعها بحركة خفيفة، وكأنّه يطمئن نفسه إلى أنّها ما تزال هنا. كانت الغرفة هادئة. يملأ صوت الأجهزة المنتظم الفراغ. ويتسلّل ضوء خافت من المصباح القريب من السرير. ومع مرور الوقت، بدأ التعب يثقل جفنيه. حاول مقاومته. فعدّل جلسته. ثم رفع رأسه قليلًا. ونظر إلى وجه سولي. — سأبقى... همس. لكن صوته خرج ضعيفًا من شدّة الإرهاق. — لا تخافي. وبعد ذلك بقليل... غلبه النوم. لم يترك يدها. حتى وهو نائم، ظلّت أصابعه تحيط بأصابعها برفق. وأسند رأسه إلى طرف السرير، بينما بقي جسده منحنيًا قليلًا نحوها. كانت ملامحه مختلفة تمامًا عن الرجل الذي يعرفه الجميع. لا برود. ولا قسوة. بل تعب وخوف وحب صامت. مرّت ليلة كاملة وهو على تلك الحال. --- في الصباح... بدأ ضوء الشمس يتسلّل من بين الستائر. فتح لوكا عينيه ببطء. واستغرقه الأمر بضع ثوانٍ حتى تذكّر أين هو. ثم رفع رأسه بسرعة. ونظر إلى سولي. كانت لا