LOGIN{ قبل أن يرحل }
بعد أن هدأت دموع سولي، بقيت للحظات بين ذراعي لوكا، ثم ابتعدت عنه بسرعة وهي تمسح عينيها. نظرت إلى الحقيبة، ثم إليه. — لوكا... — نعم؟ ترددت قليلًا قبل أن تقول: — هل يمكن... الليلة أن تنام هنا؟ رفع حاجبه باستغراب. — هنا؟ أشارت إلى السرير بخجل. — أقصد... على نفس السرير. لكن لأنك سوف تسافر غداً. ابتسم ابتسامة صغيرة. — حسنًا. استلقى كل واحد منهما في طرف من السرير، وبينهما مسافة مريحة. كانت الغرفة هادئة، ولم يكن يُسمع سوى صوت المطر الخفيف خلف النافذة. لكن سولي لم تستطع النوم. كانت مستلقية على جانبها وتنظر إلى لوكا. ملامحه الهادئة، شعره الأسود، وطريقة تنفسه المنتظمة... وكأنها تحاول حفظ كل تفصيل منه قبل أن يرحل. لاحظ لوكا نظراتها. — لماذا تنظرين إليّ هكذا؟ ارتبكت. — لا شيء. — سولي. ابتسمت بخجل. — فقط... أردت أن أتذكرك. ساد الصمت للحظة. ثم قالت: — لا تتأخر، حسنًا؟ — وعد. مدت يدها ببطء، ولمست يده بأطراف أصابعها. ثم شبكت إصبعها الصغير بإصبعه. — هكذا أتأكد أنك لم تنسه وعدك. نظر لوكا إلى أصبعهما المتشابكين، ثم ابتسم ابتسامة خفيفة. — لن أنساه. أغمضت سولي عينيها. وبعد دقائق قليلة، غلبها النوم. أما لوكا فبقي مستيقظًا لبعض الوقت، ينظر إليها بهدوء. ثم سحب الغطاء عليها قليلًا، ونهض دون أن يوقظها. --- نزل لوكا إلى الطابق السفلي، واتجه نحو غرفة لورينزو. طرق الباب. — ادخل. فتح الباب. كان لورينزو قد خرج للتو من الحمام، وكان يرتدي ملابس النوم ويجفف شعره بالمنشفة. نظر إلى لوكا باستغراب. — الساعة كم حتى تأتي إليّ الآن؟ قال لوكا: — أريد منك شيئًا. — ماذا؟ — أنا سا أسافر يومين. أريدك أن تنتبه إلى سولي. ابتسم لورينزو. — كنت سأفعل ذلك حتى لو لم تطلب. نظر إليه لوكا بنظرة فاحصة. — وأيضًا... توقف. — لا تظهر أمام سولي بهذا الشكل مرة أخرى. رمش لورينزو، ثم انفجر ضاحكًا. — لحظة... هل أنت تغار حتى من ملابسي الآن؟ — لا. — واضح جدًا. استدار لوكا نحو الباب. — فقط انتبه لها. توقفت ضحكة لورينزو قليلًا. — لا تقلق. نظر إليه بجدية. — سأحميها. أومأ لوكا وغادر. --- في صباح اليوم التالي، كان القصر هادئًا. ارتدى لوكا ملابسه، وأغلق حقيبته، ثم نظر إلى السرير. كانت سولي ما تزال نائمة. اقترب منها للحظة، لكنه لم يوقظها. ترك لها ورقة صغيرة على الطاولة: "سأعود قريبًا. اهتمي بنفسك." ثم غادر. وبعد وقت قصير، استيقظت سولي. وحين لم تجده، فهمت أنه رحل. نهضت بسرعة وركضت نحو النافذة. لكن السيارة كانت قد ابتعدت بالفعل. نزلت إلى الطابق السفلي، وخرجت إلى أمام القصر. وقفت هناك للحظات، تنظر إلى الطريق الذي اختفى فيه لوكا. وضعت يدها على صدرها. شعرت بفراغ غريب. ولأول مرة، لم يكن خوفها من المرض هو الشيء الذي يشغلها. كان خوفها من أن تكون وحدها. ابتسمت لنفسها بحزن وهمست: — يومان فقط... لكنها لم تكن تعرف أن هذين اليومين سيحملان معها أكثر مما توقعت. --- بقيت سولي واقفة أمام بوابة القصر، وعيناها معلقتان بالطريق الذي اختفت فيه سيارة لوكا. كانت تحاول إقناع نفسها أن اليومين سيمران بسرعة، لكنها شعرت وكأن المكان أصبح أوسع وأكثر هدوءًا بعد رحيله. نزلت دمعة صغيرة على خدها دون أن تشعر. مسحتها بسرعة بطرف إصبعها. — يومان فقط... وفجأة سمعت صوتًا خلفها: — لوكا طلب مني أن أهتم بكِ. التفتت. كان لورينزو واقفًا على درجات القصر، وابتسامة خفيفة على وجهه. رمشت سولي، ثم مسحت خدها بسرعة. — أنا بخير. اقترب لورينزو منها. — لم أسألك إذا كنتِ بخير. نظرت إليه باستغراب. — إذًا ماذا سألت؟ ضحك بخفة. — لم أسأل شيئًا أصلًا. فقط أخبرتك أنني سأهتم بكِ. ابتسمت سولي رغمًا عنها. — يبدو أن لوكا أعطاك مهمة صعبة. — جدًا. وضع يده على صدره بتعبير مبالغ فيه. — قال لي: "انتبه إلى سولي." ثم نظر إليها. — وأنا الآن أدرك أنني وافقت على أخطر مهمة في حياتي. ضحكت سولي لأول مرة منذ رحيل لوكا. — لماذا؟ — لأنك عنيدة. — أنا؟! — نعم. — أنت الذي تتدخل في كل شيء! — وهذا دليل إضافي. ضحكت مرة أخرى، ثم نظرت إلى الطريق للحظة. قال لورينزو بهدوء: — لا تقلقي. سيعود. أومأت. — أعرف. ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة. — وأنا أيضًا سأحاول ألا أجعلك تندم لأنك وافقت على الاهتمام بي. — ممتاز. وأشار نحو القصر. — والآن، بما أنني أصبحت مسؤولًا عنكِ مؤقتًا... هل أستطيع أن أطلب منكِ شيئًا؟ رفعت حاجبها. — ماذا؟ — أن تدخلي وتأكلي شيئًا قبل أن تبدأي يومك بالاعتناء بالورود. صمتت لحظة، ثم ضحكت. — حسنًا، يا سيدي المسؤول. تقدما معًا نحو القصر، بينما بقي الطريق خلفهما فارغًا... والاثنان لم يعرفا أن غياب لوكا لن يكون هادئًا كما ظنا.[حين يتحول الحب إلى قيد] مرّت أيام أخرى. وبدأت حالة سولي تتحسن تدريجيًا. صارت قادرة على الوقوف مدة أطول، والمشي لمسافات قصيرة، والجلوس قرب النافذة من دون أن تشعر بالإرهاق كما في الأيام الأولى. لكن رغم تحسن جسدها... كان قرارها يزداد ثباتًا. كانت ستغادر المدينة. كانت قد رتبت مع جدتها معظم أغراضهما، وبدأت تختار الأشياء التي ستأخذها معها. القليل فقط. ملابسها. بعض الصور القديمة. أغراض جدتها. وقلادة صغيرة احتفظت بها منذ طفولتها. أما كل ما يربطها بقصر فيتالي... فلم تكن تريد أن تأخذ منه شيئًا. حتى ذكرياتها مع لوكا حاولت أن تخبئها في مكان لا تستطيع الوصول إليه. وفي الجهة الأخرى من المدينة... كان لوكا يراقبها من بعيد. لم يكن يتدخل. كان فقط يسأل لورينزو عنها أحيانًا. — كيف حالها؟ وكان لورينزو يجيبه: — تتحسن. فيتنفس لوكا براحة. لم يكن يعلم أن سولي كانت تستعد للرحيل. كان يظن أنها فقط تحتاج إلى وقت، وأنها ستبقى في بيت جدتها حتى تستعيد قوتها. وكان ذلك الوهم هو الشيء الوحيد الذي يسمح له بالاستمرار. --- وفي صباح أحد الأيام... كان لوكا جالسًا في مكتبه. الأوراق أمامه، والها
[ قبل الرحيل] مرّت ثلاثة أيام. ثلاثة أيام بدت طويلة على الجميع، لكنها كانت أثقل على لوكا تحديدًا. منذ أن خرجت سولي من مرحلة الخطر الأولى، لم يمر يوم واحد من دون أن يأتي إلى المستشفى. كان يصل في الصباح، ويبقى لبعض الوقت في الممر، ثم يسأل عن حالتها. وفي كل مرة... كان يقف أمام باب غرفتها. لكنه لم يدخل. احترامًا لطلبها. كان يكتفي بسؤال جدتها. — كيف حالها اليوم؟ وكانت الجدة تجيبه دائمًا: — بخير. فيبتسم ابتسامة صغيرة متعبة. — الحمد لله. وفي اليوم الثاني كرر السؤال. وفي اليوم الثالث أيضًا. وفي كل مرة كانت الإجابة نفسها تقريبًا. — سولي أفضل. لكن الجدة كانت ترى ما وراء عينيه. كان يريد أن يسأل سؤالًا آخر. هل ما زالت تريد الطلاق؟ هل تحدثت عني؟ هل تفكر بي؟ هل يمكن أن تسامحني؟ لكنه لم يسأل. ربما لأنه كان يخشى الإجابة. كان يفضّل كلمة «بخير» على أن يسمع شيئًا يؤلمه أكثر. أما سولي... فكانت تعرف أنه يأتي. كانت تسمع أحيانًا صوته من بعيد. وتعرف من خطواته أنه وصل. لكنها لم تطلب رؤيته. كانت تحتاج إلى الهدوء. وإلى الوقت. وإلى بداية مختلفة. وفي اليوم الثالث، أخبرها الطبيب
[ بين الحب والرحيل] في المستشفى... كانت غرفة سولي هادئة. جلست جدتها إلى جانب السرير، تحمل وعاء الطعام بيدها، وتطعمها ببطء. كانت سولي لا تزال ضعيفة جدًا، وكانت كل حركة تتطلب منها جهدًا. — تناولي المزيد قليلًا. قالت جدتها بحنان. فتحت سولي فمها وتناولت لقمة صغيرة، ثم توقفت. — لقد شبعت. هزّت جدتها رأسها. — من لقمتين فقط؟ ابتسمت سولي ابتسامة ضعيفة. — لا أشعر برغبة في تناول الطعام. — يجب أن تأكلي حتى تستعيدي قوتك. نظرت سولي إلى الطعام للحظة، ثم تناولت لقمة أخرى. بعد ذلك، رفعت عينيها نحو النافذة. كان ضوء النهار يملأ الغرفة، والمدينة تبدو بعيدة خلف الزجاج. وظلت تحدّق هناك طويلًا. لاحظت الجدة شرودها. — إلى ماذا تنظرين؟ لم تجب سولي مباشرة. ثم قالت بهدوء: — إلى المدينة. ابتسمت جدتها قليلًا. — ماذا بها؟ خفضت سولي عينيها. — لا أعلم... ثم سكتت لحظة. — لكنني لم أعد أرغب في رؤيتها. توقفت يد جدتها. ونظرت إليها باستغراب. — ماذا تقصدين؟ رفعت سولي عينيها إليها. — أعني أنني لا أريد البقاء هنا. — سولي... — أريد مغادرة المدينة. ساد الصمت. وضعت الجدة الوعاء جانبًا، ثم اقت
[ بين الحب والرحيل] بعد وقت قصير، خرجت كارلي وجدّة سولي من الغرفة. أغلقت كارلي الباب خلفها بهدوء، ثم بقيت للحظة تنظر إلى لوكا. كان واقفًا في الممر، بالقرب من النافذة، وعيناه لا تفارقان باب الغرفة. اقتربت منه. — لوكا... التفت إليها. — نعم؟ ترددت كارلي لحظة. ثم قالت: — سولي تريد التحدث إليك. ثبت عيناه عليها. — معي؟ أومأت. — نعم. سكت لثوانٍ. ظهرت على وجهه ملامح توتر لم تستطع كارلي تجاهلها. — هل قالت ماذا تريد؟ هزّت رأسها. — لا. ثم وضعت يدها على ذراعه. — مهما قالت.... حاول أن تستمع إليها حتى النهاية. نظر إليها لوكا طويلًا. ثم أومأ. — حسنًا. ابتعدت كارلي، وتركت له الطريق. بقي لوكا أمام الباب للحظات. رفع يده، لكنه لم يطرقه مباشرة. كان يشعر بأن هناك شيئًا مختلفًا هذه المرة. شيئًا أثقل من مجرد حديث بعد الاستيقاظ. وأخيرًا... طرق الباب بهدوء. لم تأته إجابة. طرق مرة أخرى. ثم جاء صوت سولي ضعيفًا: — ادخل. فتح الباب. دخل ببطء. كانت سولي مستلقية على السرير، وقد أدارت وجهها نحو النافذة. كانت الشمس تدخل من بينها وبين الستائر
[حين فتحت عينيها ] ثم أعاد لوكا نظره إلى سولي. وظلّت عيناه معلّقتين بها، وكأن العالم بأسره يستطيع الانتظار... أما هي، فلا. لكن شيئًا ما تغيّر هذه المرة. في البداية، كانت مجرد حركة صغيرة جدًا. تحرّكت أصابع سولي تحت الغطاء. توقّف لوكا عن الحركة. رفع رأسه بسرعة. حدّق في يدها. ثم نظر إلى وجهها. — سولي؟ لم تجبه. انتظر. وبعد لحظات، تحرّكت أصابعها مرة أخرى. ثم ارتجفت رموشها قليلًا. اتّسعت عينا لوكا. — سولي... اقترب منها أكثر. كان صوته مليئًا بالخوف والأمل في الوقت نفسه. — هل تسمعينني؟ تحرّكت رموشها مجددًا. وببطء شديد... بدأت عيناها تنفتحان. كان الضوء يزعجها في البداية، فحاولت إغلاق عينيها مرة أخرى. تنفّست ببطء. ثم فتحتهما من جديد. كانت نظرتها شاردة. لم تعرف أين هي. كان كل شيء حولها ضبابيًا. السقف. الجدران. الأجهزة. ثم بدأت ذاكرتها تعود إليها شيئًا فشيئًا. المستشفى. العملية. الخوف. ثم شعرت بيد تمسك يدها. التفتت ببطء. ورأته. لوكا. كان جالسًا إلى جوارها، وشعره الأسود غير مرتّب من النوم، وملامح التعب واضحة على وجهه
[بين القلق والأمل] وبقي لوكا إلى جوار سولي. مرّت الدقائق ببطء، ثم تحوّلت إلى ساعات. لم يشعر بمرورها. ظلّ ممسكًا بيدها، وكان إبهامه يتحرّك بين الحين والآخر فوق أصابعها بحركة خفيفة، وكأنّه يطمئن نفسه إلى أنّها ما تزال هنا. كانت الغرفة هادئة. يملأ صوت الأجهزة المنتظم الفراغ. ويتسلّل ضوء خافت من المصباح القريب من السرير. ومع مرور الوقت، بدأ التعب يثقل جفنيه. حاول مقاومته. فعدّل جلسته. ثم رفع رأسه قليلًا. ونظر إلى وجه سولي. — سأبقى... همس. لكن صوته خرج ضعيفًا من شدّة الإرهاق. — لا تخافي. وبعد ذلك بقليل... غلبه النوم. لم يترك يدها. حتى وهو نائم، ظلّت أصابعه تحيط بأصابعها برفق. وأسند رأسه إلى طرف السرير، بينما بقي جسده منحنيًا قليلًا نحوها. كانت ملامحه مختلفة تمامًا عن الرجل الذي يعرفه الجميع. لا برود. ولا قسوة. بل تعب وخوف وحب صامت. مرّت ليلة كاملة وهو على تلك الحال. --- في الصباح... بدأ ضوء الشمس يتسلّل من بين الستائر. فتح لوكا عينيه ببطء. واستغرقه الأمر بضع ثوانٍ حتى تذكّر أين هو. ثم رفع رأسه بسرعة. ونظر إلى سولي. كانت لا