LOGIN{ قبل أن يغيب }
مرّ أسبوع كامل، لكنه لم يكن أسبوعًا عاديًا بالنسبة إلى سولي. كانت تحاول أن تتصرف كأن كل شيء بخير، لكن جسدها بدأ يخونها أكثر فأكثر. كانت تتعب من أقل مجهود، ووجهها أصبح أكثر شحوبًا، وملابسها التي كانت مناسبة لها من قبل أصبحت أوسع قليلًا. وحتى ابتسامتها لم تعد تظهر بسهولة كما كانت. ومع ذلك، كانت كل صباح تقف أمام المرآة وتضع القليل من المكياج، فقط بما يكفي لإخفاء شحوب وجهها. لم تكن تريد لأحد أن يسألها. خصوصًا لوكا. لأنها لم تكن تريد أن يرها وهي في مراحل حياتها الأخيرة. أما أفراد العائلة، فكانوا يتصرفون وكأن وجودها من الأساس لا يعني لهم شيئًا. لم يسألها أحد إن كانت تناولت طعامها، أو لماذا أصبحت تجلس وحدها في الحديقة لساعات. الجميع تقريبًا تجاهلها... إلا لورينزو. خلال الأيام الماضية، أصبحت صداقتهما أقوى. كان أحيانًا يجلس معها في الحديقة، يساعدها في ترتيب الورود أو يستمع إليها وهي تتحدث عن الكتب التي قرأتها. لكن شيئًا واحدًا كان يزعجه. لورا. كانت هادئة بشكل غير طبيعي. لم تعد تستفز سولي، ولم تعد تقترب من لوكا كما كانت تفعل سابقًا. وكان ذلك بالضبط ما جعل لورينزو أكثر قلقًا. "لورا لا تهدأ إلا عندما تخطط لشيء." --- وفي أحد الأيام، أخبر مورفيون لوكا أن عليه السفر إلى امريكا لإنهاء أمر مهم يخص أعمال العائلة. لم يكن السفر طويلًا. يومان فقط. لكن سولي شعرت وكأنهما أكثر من ذلك بكثير. في المساء، كانت داخل الغرفة ترتب ملابس لوكا داخل حقيبته. قميص... سترة... ملفات... ثم أعادت ترتيب الأشياء مرة أخرى رغم أنها كانت مرتبة أصلًا. كانت شاردة تمامًا. وفجأة شعرت بحرارة خلف عينيها. رمشت بسرعة. لا... ليس الآن. مسحت دمعة سقطت على خدها بسرعة، ثم واصلت ترتيب الملابس وكأن شيئًا لم يحدث. خرج لوكا من الحمام وهو يجفف شعره بالمنشفة. توقف عندما رآها. كانت واقفة أمام الحقيبة، وظهرها إليه. — سولي. لم تجبه. كانت تحاول بشدة أن تركز على القميص الذي بين يديها. اقترب منها. — سولي؟ التفتت أخيرًا. — نعم؟ ابتسمت ابتسامة صغيرة. — رتبت لك كل شيء. ثم حاولت المرور من جانبه. لكن لوكا أمسك يدها برفق. توقفت. — إلى أين؟ — سأذهب لأحضر... لم تكمل. لأن لوكا وقف أمامها، ثم رفع وجهها برفق. وعندها رأى الحقيقة. كانت عيناها ممتلئتين بالدموع. وتجمد للحظة. — كنتِ تبكين؟ هزت رأسها بسرعة. — لا. نظر إليها بصمت. — سولي... خفضت عينيها. — أنت ذاهب ليومين فقط، أعرف. حاولت أن تبتسم. — لذلك لا داعي لأن أقلق. لكن صوتها كان يرتجف. شعر لوكا بغصة في صدره. — سأعود بعد يومين. أومأت. — أعرف. ثم حاولت سحب يدها. — فقط... اهتم بنفسك. استدارت بسرعة. كانت تريد الوصول إلى الحمام قبل أن تنهار دموعها أمامه. لكنها لم تبتعد سوى خطوة واحدة. فجأة شعرت بذراعي لوكا تلتفان حولها. تجمدت. قال بهدوء قربها: — لن أتأخر. أغمضت سولي عينيها. كانت تحاول منع نفسها من البكاء. لكنها لم تستطع. ارتجفت شفتاها، ثم استدارت داخل عناقه وأحاطت خصره بذراعيها. نزلت دموعها بصمت. ولم تقل شيئًا. فقط بقيت هناك. للحظات طويلة. أما لوكا، فبقي ممسكًا بها بهدوء. ولأول مرة منذ فترة، لم يفكر في أسرار عائلتها... ولا في كلمات جده... ولا في الماضي. كان كل ما يفكر فيه هو شيء واحد: لماذا يشعر بالخوف من تركها وحدها ليومين فقط؟[حين يتحول الحب إلى قيد] مرّت أيام أخرى. وبدأت حالة سولي تتحسن تدريجيًا. صارت قادرة على الوقوف مدة أطول، والمشي لمسافات قصيرة، والجلوس قرب النافذة من دون أن تشعر بالإرهاق كما في الأيام الأولى. لكن رغم تحسن جسدها... كان قرارها يزداد ثباتًا. كانت ستغادر المدينة. كانت قد رتبت مع جدتها معظم أغراضهما، وبدأت تختار الأشياء التي ستأخذها معها. القليل فقط. ملابسها. بعض الصور القديمة. أغراض جدتها. وقلادة صغيرة احتفظت بها منذ طفولتها. أما كل ما يربطها بقصر فيتالي... فلم تكن تريد أن تأخذ منه شيئًا. حتى ذكرياتها مع لوكا حاولت أن تخبئها في مكان لا تستطيع الوصول إليه. وفي الجهة الأخرى من المدينة... كان لوكا يراقبها من بعيد. لم يكن يتدخل. كان فقط يسأل لورينزو عنها أحيانًا. — كيف حالها؟ وكان لورينزو يجيبه: — تتحسن. فيتنفس لوكا براحة. لم يكن يعلم أن سولي كانت تستعد للرحيل. كان يظن أنها فقط تحتاج إلى وقت، وأنها ستبقى في بيت جدتها حتى تستعيد قوتها. وكان ذلك الوهم هو الشيء الوحيد الذي يسمح له بالاستمرار. --- وفي صباح أحد الأيام... كان لوكا جالسًا في مكتبه. الأوراق أمامه، والها
[ قبل الرحيل] مرّت ثلاثة أيام. ثلاثة أيام بدت طويلة على الجميع، لكنها كانت أثقل على لوكا تحديدًا. منذ أن خرجت سولي من مرحلة الخطر الأولى، لم يمر يوم واحد من دون أن يأتي إلى المستشفى. كان يصل في الصباح، ويبقى لبعض الوقت في الممر، ثم يسأل عن حالتها. وفي كل مرة... كان يقف أمام باب غرفتها. لكنه لم يدخل. احترامًا لطلبها. كان يكتفي بسؤال جدتها. — كيف حالها اليوم؟ وكانت الجدة تجيبه دائمًا: — بخير. فيبتسم ابتسامة صغيرة متعبة. — الحمد لله. وفي اليوم الثاني كرر السؤال. وفي اليوم الثالث أيضًا. وفي كل مرة كانت الإجابة نفسها تقريبًا. — سولي أفضل. لكن الجدة كانت ترى ما وراء عينيه. كان يريد أن يسأل سؤالًا آخر. هل ما زالت تريد الطلاق؟ هل تحدثت عني؟ هل تفكر بي؟ هل يمكن أن تسامحني؟ لكنه لم يسأل. ربما لأنه كان يخشى الإجابة. كان يفضّل كلمة «بخير» على أن يسمع شيئًا يؤلمه أكثر. أما سولي... فكانت تعرف أنه يأتي. كانت تسمع أحيانًا صوته من بعيد. وتعرف من خطواته أنه وصل. لكنها لم تطلب رؤيته. كانت تحتاج إلى الهدوء. وإلى الوقت. وإلى بداية مختلفة. وفي اليوم الثالث، أخبرها الطبيب
[ بين الحب والرحيل] في المستشفى... كانت غرفة سولي هادئة. جلست جدتها إلى جانب السرير، تحمل وعاء الطعام بيدها، وتطعمها ببطء. كانت سولي لا تزال ضعيفة جدًا، وكانت كل حركة تتطلب منها جهدًا. — تناولي المزيد قليلًا. قالت جدتها بحنان. فتحت سولي فمها وتناولت لقمة صغيرة، ثم توقفت. — لقد شبعت. هزّت جدتها رأسها. — من لقمتين فقط؟ ابتسمت سولي ابتسامة ضعيفة. — لا أشعر برغبة في تناول الطعام. — يجب أن تأكلي حتى تستعيدي قوتك. نظرت سولي إلى الطعام للحظة، ثم تناولت لقمة أخرى. بعد ذلك، رفعت عينيها نحو النافذة. كان ضوء النهار يملأ الغرفة، والمدينة تبدو بعيدة خلف الزجاج. وظلت تحدّق هناك طويلًا. لاحظت الجدة شرودها. — إلى ماذا تنظرين؟ لم تجب سولي مباشرة. ثم قالت بهدوء: — إلى المدينة. ابتسمت جدتها قليلًا. — ماذا بها؟ خفضت سولي عينيها. — لا أعلم... ثم سكتت لحظة. — لكنني لم أعد أرغب في رؤيتها. توقفت يد جدتها. ونظرت إليها باستغراب. — ماذا تقصدين؟ رفعت سولي عينيها إليها. — أعني أنني لا أريد البقاء هنا. — سولي... — أريد مغادرة المدينة. ساد الصمت. وضعت الجدة الوعاء جانبًا، ثم اقت
[ بين الحب والرحيل] بعد وقت قصير، خرجت كارلي وجدّة سولي من الغرفة. أغلقت كارلي الباب خلفها بهدوء، ثم بقيت للحظة تنظر إلى لوكا. كان واقفًا في الممر، بالقرب من النافذة، وعيناه لا تفارقان باب الغرفة. اقتربت منه. — لوكا... التفت إليها. — نعم؟ ترددت كارلي لحظة. ثم قالت: — سولي تريد التحدث إليك. ثبت عيناه عليها. — معي؟ أومأت. — نعم. سكت لثوانٍ. ظهرت على وجهه ملامح توتر لم تستطع كارلي تجاهلها. — هل قالت ماذا تريد؟ هزّت رأسها. — لا. ثم وضعت يدها على ذراعه. — مهما قالت.... حاول أن تستمع إليها حتى النهاية. نظر إليها لوكا طويلًا. ثم أومأ. — حسنًا. ابتعدت كارلي، وتركت له الطريق. بقي لوكا أمام الباب للحظات. رفع يده، لكنه لم يطرقه مباشرة. كان يشعر بأن هناك شيئًا مختلفًا هذه المرة. شيئًا أثقل من مجرد حديث بعد الاستيقاظ. وأخيرًا... طرق الباب بهدوء. لم تأته إجابة. طرق مرة أخرى. ثم جاء صوت سولي ضعيفًا: — ادخل. فتح الباب. دخل ببطء. كانت سولي مستلقية على السرير، وقد أدارت وجهها نحو النافذة. كانت الشمس تدخل من بينها وبين الستائر
[حين فتحت عينيها ] ثم أعاد لوكا نظره إلى سولي. وظلّت عيناه معلّقتين بها، وكأن العالم بأسره يستطيع الانتظار... أما هي، فلا. لكن شيئًا ما تغيّر هذه المرة. في البداية، كانت مجرد حركة صغيرة جدًا. تحرّكت أصابع سولي تحت الغطاء. توقّف لوكا عن الحركة. رفع رأسه بسرعة. حدّق في يدها. ثم نظر إلى وجهها. — سولي؟ لم تجبه. انتظر. وبعد لحظات، تحرّكت أصابعها مرة أخرى. ثم ارتجفت رموشها قليلًا. اتّسعت عينا لوكا. — سولي... اقترب منها أكثر. كان صوته مليئًا بالخوف والأمل في الوقت نفسه. — هل تسمعينني؟ تحرّكت رموشها مجددًا. وببطء شديد... بدأت عيناها تنفتحان. كان الضوء يزعجها في البداية، فحاولت إغلاق عينيها مرة أخرى. تنفّست ببطء. ثم فتحتهما من جديد. كانت نظرتها شاردة. لم تعرف أين هي. كان كل شيء حولها ضبابيًا. السقف. الجدران. الأجهزة. ثم بدأت ذاكرتها تعود إليها شيئًا فشيئًا. المستشفى. العملية. الخوف. ثم شعرت بيد تمسك يدها. التفتت ببطء. ورأته. لوكا. كان جالسًا إلى جوارها، وشعره الأسود غير مرتّب من النوم، وملامح التعب واضحة على وجهه
[بين القلق والأمل] وبقي لوكا إلى جوار سولي. مرّت الدقائق ببطء، ثم تحوّلت إلى ساعات. لم يشعر بمرورها. ظلّ ممسكًا بيدها، وكان إبهامه يتحرّك بين الحين والآخر فوق أصابعها بحركة خفيفة، وكأنّه يطمئن نفسه إلى أنّها ما تزال هنا. كانت الغرفة هادئة. يملأ صوت الأجهزة المنتظم الفراغ. ويتسلّل ضوء خافت من المصباح القريب من السرير. ومع مرور الوقت، بدأ التعب يثقل جفنيه. حاول مقاومته. فعدّل جلسته. ثم رفع رأسه قليلًا. ونظر إلى وجه سولي. — سأبقى... همس. لكن صوته خرج ضعيفًا من شدّة الإرهاق. — لا تخافي. وبعد ذلك بقليل... غلبه النوم. لم يترك يدها. حتى وهو نائم، ظلّت أصابعه تحيط بأصابعها برفق. وأسند رأسه إلى طرف السرير، بينما بقي جسده منحنيًا قليلًا نحوها. كانت ملامحه مختلفة تمامًا عن الرجل الذي يعرفه الجميع. لا برود. ولا قسوة. بل تعب وخوف وحب صامت. مرّت ليلة كاملة وهو على تلك الحال. --- في الصباح... بدأ ضوء الشمس يتسلّل من بين الستائر. فتح لوكا عينيه ببطء. واستغرقه الأمر بضع ثوانٍ حتى تذكّر أين هو. ثم رفع رأسه بسرعة. ونظر إلى سولي. كانت لا