LOGIN{يومان بدونه }
في صباح اليوم الأول بعد سفر لوكا، حاولت سولي أن تتصرف وكأن شيئًا لم يتغير. بعد أن استيقظت باكرًا كي تودع لوكا، رغما أنها لم تستطع توديعه في الموعد الصحيح لذالك، رتبت شعرها، ارتدت فستانًا بسيطًا، ثم نزلت مباشرة إلى الحديقة. كانت تعرف أن أفضل طريقة حتى لا تفكر في غيابه هي أن تشغل نفسها. أمسكت أدوات البستنة وبدأت تتفقد الورود واحدة تلو الأخرى. — هذه تحتاج إلى بعض الماء... انحنت قرب إحدى الشتلات، ثم ابتسمت عندما وجدت زهرة جديدة بدأت تتفتح. — وأنتِ أيضًا قررتِ أن تستقبلي الصباح معي؟ جلست على الأرض وبدأت تنظف التربة حولها. لكنها لم تكن تعرف أن شخصًا كان يراقبها من بعيد. لورينزو. كان واقفًا عند باب الحديقة، واضعًا يديه في جيوبه. — ماذا تفعل هنا؟ — سألته سولي عندما انتبهت إليه. ابتسم بثقة. — أؤدي واجبي. — أي واجب؟ — لوكا. رفعت حاجبها باستغراب. — لوكا؟ أشار إليها. — قال لي أن أهتم بكِ أثناء غيابه. ضحكت سولي. — يعني ستراقبني طوال اليوم؟ — بالضبط. — هذا مزعج. — وأنا بدأت أشعر بالندم. ضحكت مرة أخرى، ثم عادت إلى وردتها. وبعد لحظات، جلس لورينزو على المقعد القريب منها. — على الأقل اسمحي لي أن أساعدك. — أنت لا تعرف شيئًا عن الزهور. — أعرف. — إذًا؟ — سأتعلم. نظرت إليه وضحكت. — حسنًا، تعال. بدأت تشرح له كيف يزيل الأعشاب الصغيرة من حول الورود دون أن يؤذي الجذور. كان لورينزو يحاول بجدية، لكنه بعد دقائق اقتلع نبتة كان يظن أنها حشائش. تجمدت سولي. — لورينزو! — ماذا؟ أشارت إلى النبتة في يده. — هذه كانت وردة! نظر إليها. ثم إلى النبتة. ثم إليها مجددًا. — ...كانت وردة؟ غطت سولي فمها وهي تحاول ألا تضحك. — أنت كارثة. — حسنًا، لن أخبر لوكا. ضحكت بصوت أعلى. — أنا سأخبره! — خيانة! وبقي الاثنان يضحكان. لكن بعد فترة قصيرة، توقفت سولي عن الضحك. وضعت يدها على طرف المقعد ونهضت ببطء. وفجأة توقفت. شعرت بدوار خفيف. أغمضت عينيها لثوانٍ. لاحظ لورينزو ذلك فورًا. — سولي؟ فتحت عينيها. — أنا بخير. — لم أسألك بعد. ابتسمت محاولةً طمأنته. — فقط وقفت بسرعة. لكنه لم يقتنع. راقبها وهي تعود للعمل. بعد أقل من نصف ساعة، كانت أنفاسها أسرع من المعتاد. مسحت جبينها، ثم جلست على المقعد. نظر إليها لورينزو بقلق. — تعبتِ؟ — قليلًا فقط. — إذًا توقفي. — لكنني لم أنتهِ. — الورود لن تهرب. نظرت إليه. — أنت تتصرف مثل لوكا. ابتسم. — هذه أول مرة أعتبرها إهانة. ضحكت بخفة. لكن لورينزو لم يضحك هذه المرة. كان ينظر إلى وجهها الشاحب. إلى يدها التي استقرت فوق صدرها للحظات. ثم قال بهدوء: — سولي... أنتِ فعلًا بخير؟ ترددت. ثم أومأت. — نعم. لكنه شعر أن الإجابة ليست كاملة. وبعد لحظات، نهض وأخذ أدوات البستنة من يدها. — انتهى عملك اليوم. — لورينزو! — هذا أمر. — منذ متى أصبحت تعطي أوامر؟ — منذ أصبح أخوكِ... أقصد زوجكِ، مسافرًا وترككِ تحت مسؤوليتي. ضحكت سولي. ثم قالت وهي تنهض: — حسنًا، يا حارسي الشخصي. ابتسم. لكن عينيه بقيتا عليها بقلق. فهو لم يكن يعرف حقيقة مرضها... لكنه بدأ يلاحظ شيئًا واضحًا جدًا: سولي لم تعد كما كانت قبل أسابيع.[حين يتحول الحب إلى قيد] مرّت أيام أخرى. وبدأت حالة سولي تتحسن تدريجيًا. صارت قادرة على الوقوف مدة أطول، والمشي لمسافات قصيرة، والجلوس قرب النافذة من دون أن تشعر بالإرهاق كما في الأيام الأولى. لكن رغم تحسن جسدها... كان قرارها يزداد ثباتًا. كانت ستغادر المدينة. كانت قد رتبت مع جدتها معظم أغراضهما، وبدأت تختار الأشياء التي ستأخذها معها. القليل فقط. ملابسها. بعض الصور القديمة. أغراض جدتها. وقلادة صغيرة احتفظت بها منذ طفولتها. أما كل ما يربطها بقصر فيتالي... فلم تكن تريد أن تأخذ منه شيئًا. حتى ذكرياتها مع لوكا حاولت أن تخبئها في مكان لا تستطيع الوصول إليه. وفي الجهة الأخرى من المدينة... كان لوكا يراقبها من بعيد. لم يكن يتدخل. كان فقط يسأل لورينزو عنها أحيانًا. — كيف حالها؟ وكان لورينزو يجيبه: — تتحسن. فيتنفس لوكا براحة. لم يكن يعلم أن سولي كانت تستعد للرحيل. كان يظن أنها فقط تحتاج إلى وقت، وأنها ستبقى في بيت جدتها حتى تستعيد قوتها. وكان ذلك الوهم هو الشيء الوحيد الذي يسمح له بالاستمرار. --- وفي صباح أحد الأيام... كان لوكا جالسًا في مكتبه. الأوراق أمامه، والها
[ قبل الرحيل] مرّت ثلاثة أيام. ثلاثة أيام بدت طويلة على الجميع، لكنها كانت أثقل على لوكا تحديدًا. منذ أن خرجت سولي من مرحلة الخطر الأولى، لم يمر يوم واحد من دون أن يأتي إلى المستشفى. كان يصل في الصباح، ويبقى لبعض الوقت في الممر، ثم يسأل عن حالتها. وفي كل مرة... كان يقف أمام باب غرفتها. لكنه لم يدخل. احترامًا لطلبها. كان يكتفي بسؤال جدتها. — كيف حالها اليوم؟ وكانت الجدة تجيبه دائمًا: — بخير. فيبتسم ابتسامة صغيرة متعبة. — الحمد لله. وفي اليوم الثاني كرر السؤال. وفي اليوم الثالث أيضًا. وفي كل مرة كانت الإجابة نفسها تقريبًا. — سولي أفضل. لكن الجدة كانت ترى ما وراء عينيه. كان يريد أن يسأل سؤالًا آخر. هل ما زالت تريد الطلاق؟ هل تحدثت عني؟ هل تفكر بي؟ هل يمكن أن تسامحني؟ لكنه لم يسأل. ربما لأنه كان يخشى الإجابة. كان يفضّل كلمة «بخير» على أن يسمع شيئًا يؤلمه أكثر. أما سولي... فكانت تعرف أنه يأتي. كانت تسمع أحيانًا صوته من بعيد. وتعرف من خطواته أنه وصل. لكنها لم تطلب رؤيته. كانت تحتاج إلى الهدوء. وإلى الوقت. وإلى بداية مختلفة. وفي اليوم الثالث، أخبرها الطبيب
[ بين الحب والرحيل] في المستشفى... كانت غرفة سولي هادئة. جلست جدتها إلى جانب السرير، تحمل وعاء الطعام بيدها، وتطعمها ببطء. كانت سولي لا تزال ضعيفة جدًا، وكانت كل حركة تتطلب منها جهدًا. — تناولي المزيد قليلًا. قالت جدتها بحنان. فتحت سولي فمها وتناولت لقمة صغيرة، ثم توقفت. — لقد شبعت. هزّت جدتها رأسها. — من لقمتين فقط؟ ابتسمت سولي ابتسامة ضعيفة. — لا أشعر برغبة في تناول الطعام. — يجب أن تأكلي حتى تستعيدي قوتك. نظرت سولي إلى الطعام للحظة، ثم تناولت لقمة أخرى. بعد ذلك، رفعت عينيها نحو النافذة. كان ضوء النهار يملأ الغرفة، والمدينة تبدو بعيدة خلف الزجاج. وظلت تحدّق هناك طويلًا. لاحظت الجدة شرودها. — إلى ماذا تنظرين؟ لم تجب سولي مباشرة. ثم قالت بهدوء: — إلى المدينة. ابتسمت جدتها قليلًا. — ماذا بها؟ خفضت سولي عينيها. — لا أعلم... ثم سكتت لحظة. — لكنني لم أعد أرغب في رؤيتها. توقفت يد جدتها. ونظرت إليها باستغراب. — ماذا تقصدين؟ رفعت سولي عينيها إليها. — أعني أنني لا أريد البقاء هنا. — سولي... — أريد مغادرة المدينة. ساد الصمت. وضعت الجدة الوعاء جانبًا، ثم اقت
[ بين الحب والرحيل] بعد وقت قصير، خرجت كارلي وجدّة سولي من الغرفة. أغلقت كارلي الباب خلفها بهدوء، ثم بقيت للحظة تنظر إلى لوكا. كان واقفًا في الممر، بالقرب من النافذة، وعيناه لا تفارقان باب الغرفة. اقتربت منه. — لوكا... التفت إليها. — نعم؟ ترددت كارلي لحظة. ثم قالت: — سولي تريد التحدث إليك. ثبت عيناه عليها. — معي؟ أومأت. — نعم. سكت لثوانٍ. ظهرت على وجهه ملامح توتر لم تستطع كارلي تجاهلها. — هل قالت ماذا تريد؟ هزّت رأسها. — لا. ثم وضعت يدها على ذراعه. — مهما قالت.... حاول أن تستمع إليها حتى النهاية. نظر إليها لوكا طويلًا. ثم أومأ. — حسنًا. ابتعدت كارلي، وتركت له الطريق. بقي لوكا أمام الباب للحظات. رفع يده، لكنه لم يطرقه مباشرة. كان يشعر بأن هناك شيئًا مختلفًا هذه المرة. شيئًا أثقل من مجرد حديث بعد الاستيقاظ. وأخيرًا... طرق الباب بهدوء. لم تأته إجابة. طرق مرة أخرى. ثم جاء صوت سولي ضعيفًا: — ادخل. فتح الباب. دخل ببطء. كانت سولي مستلقية على السرير، وقد أدارت وجهها نحو النافذة. كانت الشمس تدخل من بينها وبين الستائر
[حين فتحت عينيها ] ثم أعاد لوكا نظره إلى سولي. وظلّت عيناه معلّقتين بها، وكأن العالم بأسره يستطيع الانتظار... أما هي، فلا. لكن شيئًا ما تغيّر هذه المرة. في البداية، كانت مجرد حركة صغيرة جدًا. تحرّكت أصابع سولي تحت الغطاء. توقّف لوكا عن الحركة. رفع رأسه بسرعة. حدّق في يدها. ثم نظر إلى وجهها. — سولي؟ لم تجبه. انتظر. وبعد لحظات، تحرّكت أصابعها مرة أخرى. ثم ارتجفت رموشها قليلًا. اتّسعت عينا لوكا. — سولي... اقترب منها أكثر. كان صوته مليئًا بالخوف والأمل في الوقت نفسه. — هل تسمعينني؟ تحرّكت رموشها مجددًا. وببطء شديد... بدأت عيناها تنفتحان. كان الضوء يزعجها في البداية، فحاولت إغلاق عينيها مرة أخرى. تنفّست ببطء. ثم فتحتهما من جديد. كانت نظرتها شاردة. لم تعرف أين هي. كان كل شيء حولها ضبابيًا. السقف. الجدران. الأجهزة. ثم بدأت ذاكرتها تعود إليها شيئًا فشيئًا. المستشفى. العملية. الخوف. ثم شعرت بيد تمسك يدها. التفتت ببطء. ورأته. لوكا. كان جالسًا إلى جوارها، وشعره الأسود غير مرتّب من النوم، وملامح التعب واضحة على وجهه
[بين القلق والأمل] وبقي لوكا إلى جوار سولي. مرّت الدقائق ببطء، ثم تحوّلت إلى ساعات. لم يشعر بمرورها. ظلّ ممسكًا بيدها، وكان إبهامه يتحرّك بين الحين والآخر فوق أصابعها بحركة خفيفة، وكأنّه يطمئن نفسه إلى أنّها ما تزال هنا. كانت الغرفة هادئة. يملأ صوت الأجهزة المنتظم الفراغ. ويتسلّل ضوء خافت من المصباح القريب من السرير. ومع مرور الوقت، بدأ التعب يثقل جفنيه. حاول مقاومته. فعدّل جلسته. ثم رفع رأسه قليلًا. ونظر إلى وجه سولي. — سأبقى... همس. لكن صوته خرج ضعيفًا من شدّة الإرهاق. — لا تخافي. وبعد ذلك بقليل... غلبه النوم. لم يترك يدها. حتى وهو نائم، ظلّت أصابعه تحيط بأصابعها برفق. وأسند رأسه إلى طرف السرير، بينما بقي جسده منحنيًا قليلًا نحوها. كانت ملامحه مختلفة تمامًا عن الرجل الذي يعرفه الجميع. لا برود. ولا قسوة. بل تعب وخوف وحب صامت. مرّت ليلة كاملة وهو على تلك الحال. --- في الصباح... بدأ ضوء الشمس يتسلّل من بين الستائر. فتح لوكا عينيه ببطء. واستغرقه الأمر بضع ثوانٍ حتى تذكّر أين هو. ثم رفع رأسه بسرعة. ونظر إلى سولي. كانت لا