LOGIN{ كلماتٌ قبل الرحيل}
استيقظت سولي في الصباح وهي تشعر بتعب أثقل من المعتاد. فتحت عينيها ببطء، وبقيت للحظات تحدق في السقف قبل أن تتنفس بعمق. ثم التفتت إلى جانبها. كان لوكا لا يزال نائمًا. توقفت للحظة وهي تنظر إليه، ثم ظهرت ابتسامة صغيرة على وجهها. كان شعره الأسود مبعثرًا قليلًا، وإحدى خصلاته سقطت فوق جبينه، بينما كان مستلقيًا بطريقة بعيدة تمامًا عن صورته المعتادة كرجل هادئ ومنظم. ضحكت سولي بصمت. — حتى أنت تبدو مختلفًا وأنت نائم... مدت يدها بحذر، وأبعدت خصلة الشعر عن وجهه. بقيت تنظر إليه طويلًا. كانت تعرف أن هذا الصباح مختلف. لأنها كانت ذاهبة إلى المستشفى. ولأنها لم تكن تعرف كم من الوقت سيبقى لها. مررت أصابعها بين خصلات شعره برفق، ثم همست: — ربما لم يكن مقدرًا لنا أن نبقى معًا... توقفت قليلًا، وابتسمت بحزن. — ربما نلتقي في عالم آخر. اقتربت منه قليلًا، ولمست خده بأطراف أصابعها. ثم قالت بصوت يكاد لا يُسمع: — أحبك. بقي لوكا نائمًا. ابتسمت سولي من خلال دموعها، ثم سحبت يدها ببطء. نهضت من السرير بحذر حتى لا توقظه. دخلت الحمام، واغتسلت وارتدت ملابسها، ثم وقفت أمام المرآة للحظات. كانت ملامحها متعبة، لكنها حاولت أن تمنح نفسها ابتسامة. وضعت دواءها في حقيبتها، ثم أخذت ورقة صغيرة وكتبت: لوكا، خرجت لأزور جدتي. لا تقلق، سأعود لاحقًا. وضعتها على الطاولة بجانب السرير. ثم ألقت نظرة أخيرة عليه. — سامحني... همست بها، ثم خرجت. --- عندما وصلت إلى الطابق السفلي، وجدت لورينزو يستعد للخروج. رفع رأسه فور رؤيتها. — صباح الخير، سولي. ابتسمت. — صباح الخير. ثم لاحظ حقيبتها. — إلى أين أنتِ ذاهبة؟ — سأزور جدتي أولًا، وبعدها لدي موعد في المستشفى. تغيرت ملامح لورينزو. — المستشفى؟ أومأت. — مجرد فحص. نظر إليها للحظات، ثم قال: — ومتى ستخبرين لوكا؟ خفضت سولي عينيها. — سأخبره. ثم رفعت رأسها. — لكن ليس الآن. — لماذا؟ ابتسمت ابتسامة صغيرة. — لأن حياته بدأت تتحسن أخيرًا. سكت لورينزو. — عرف الحقيقة عن أمه، وصار لديه فرصة لإصلاح علاقته معها... وأريد أن أتركه يعيش هذه اللحظة دون أن يقلق عليّ. تنهد لورينزو. — سولي... ابتسمت له. — لا تقلق. سأخبره عندما يحين الوقت. ثم نظرت إلى هاتفه. — وأنت؟ هل ستذهب لمقابلة إيلارا؟ اتسعت عينا لورينزو. — ماذا؟ لا... أقصد... ربما. ضحكت سولي. — لماذا احمر وجهك إذًا؟ — الجو حار. نظرت إليه. — الجو بارد. صمت لورينزو. انفجرت سولي بالضحك. — كنت أعرف! ابتسم لورينزو بإحراج. — حسنًا، نعم. سأقابلها. رفعت سولي يدها بإشارة صغيرة. — أتمنى لكما السعادة. ابتسم لورينزو. — وأتمنى أن تجدي أنتِ السعادة أيضًا. توقفت سولي للحظة، ثم ابتسمت. — أنا وجدتها بالفعل. لم يفهم لورينزو ما قصدته. أما هي فغيّرت الموضوع بسرعة. — هل يمكنك أن توصلني؟ أومأ فورًا. — بالطبع. توجها نحو الباب معًا. وقبل أن تخرج سولي، ألقت نظرة قصيرة إلى الدرج المؤدي إلى غرفة لوكا. ثم ابتسمت بحزن. كانت تتمنى لو تستطيع أن تقول له الحقيقة الآن. لكنها لم تستطع. ليس بعد. ---- توقفت سيارة لورينزو أمام المستشفى. نظرت سولي من النافذة للحظات، ثم أخذت نفسًا عميقًا. كان قلبها مثقلًا منذ أن غادرت القصر، لكنها حاولت أن تبدو هادئة أمام لورينزو. — وصلنا. أومأت سولي. — شكرًا لأنك أوصلتني. — سأنتظرك. نظرت إليه. — لا، اذهب. — سولي... ابتسمت له. — لدي موعد فقط. لا تجعل إيلارا تنتظرك. ضحك لورينزو بخفة. — حتى الآن تفكرين بها؟ — بالطبع. ثم أغلقت باب السيارة ودخلت المستشفى. --- بعد دقائق، كانت سولي جالسة في غرفة الطبيب. فتح الطبيب ملفها، ثم نظر إلى نتائج الفحوصات التي أمامه. بقي صامتًا للحظات طويلة. شعرت سولي بذلك الصمت أكثر من أي كلمة. — دكتور؟ رفع عينيه إليها. — سولي... عرفت من نبرة صوته أن الأمر ليس جيدًا. وضعت يديها فوق بعضهما. — قل لي الحقيقة. تنهد الطبيب. — حالتك أصبحت أصعب مما كانت عليه في الفحوصات السابقة. خفضت عينيها. كانت تعرف. لكنها أرادت أن تسمعها منه. — وماذا يعني هذا؟ أغلق الطبيب الملف ببطء. — أمامنا خياران فقط. رفعت سولي عينيها إليه. — ما هما؟ تردد قليلًا قبل أن يقول: — أن نجد متبرعًا مناسبًا في أسرع وقت ممكن. سكت. ثم أضاف: — أو نواصل المتابعة وننتظر إلى أن يصل المرض إلى المرحلة التي لا يعود فيها بإمكاننا فعل الكثير. بقيت سولي ساكنة. كانت الكلمتان الأخيرتان أثقل من أن تستوعبهما بسهولة. — كم لدي من الوقت؟ نظر إليها الطبيب بحذر. — لا أستطيع أن أعطيكِ موعدًا دقيقًا. ثم تابع: — لكن الوقت الذي أخبرتكِ عنه سابقًا ما زال ضيقًا، ولهذا أريد منكِ ألا تؤجلي أي خطوة. ابتلعت سولي ريقها. — وإذا لم نجد متبرعًا؟ لم يجب الطبيب فورًا. ثم قال بهدوء: — سنبقى نتابع حالتك ونحاول أن نسيطر على الأعراض قدر الإمكان. خفضت سولي رأسها. وضعت يدها فوق صدرها، وأخذت نفسًا بطيئًا. لم تبكِ. ليس أمام الطبيب. سألته بعد لحظة: — هل هناك أمل؟ نظر إليها مباشرة. — نعم. رفعت عينيها. — طالما أننا ما زلنا نبحث عن متبرع، فهناك أمل. تعلقت عيناها بكلمة واحدة. أمل. ابتسمت ابتسامة صغيرة رغم الحزن. — إذًا لا تتوقفوا عن البحث. أومأ الطبيب. — لن نتوقف. وقفت سولي ببطء، وأخذت حقيبتها. وعندما وصلت إلى الباب، توقفت. — دكتور؟ — نعم؟ التفتت إليه. — لا تخبروا زوجي الآن. نظر إليها باستغراب. — سولي... — أرجوك. صمت الطبيب للحظة. — هو من حقه أن يعرف. ابتسمت بحزن. — أعرف. ثم أضافت: — لكن دعني أخبره بنفسي. خرجت من الغرفة. وقفت في الممر للحظات، ثم أغمضت عينيها. كان عليها الآن أن تعود إلى القصر. إلى لوكا. إلى الرجل الذي قالت له هذا الصباح إنها تحبه... دون أن يعرف أن الكلمات التي همست بها وهو نائم كانت تحمل خوفًا لم تستطع إخباره به. فتحت عينيها ومسحت دمعة صغيرة. ثم همست: — سأقاتل من أجلك... حتى النهاية.[حين يتحول الحب إلى قيد] مرّت أيام أخرى. وبدأت حالة سولي تتحسن تدريجيًا. صارت قادرة على الوقوف مدة أطول، والمشي لمسافات قصيرة، والجلوس قرب النافذة من دون أن تشعر بالإرهاق كما في الأيام الأولى. لكن رغم تحسن جسدها... كان قرارها يزداد ثباتًا. كانت ستغادر المدينة. كانت قد رتبت مع جدتها معظم أغراضهما، وبدأت تختار الأشياء التي ستأخذها معها. القليل فقط. ملابسها. بعض الصور القديمة. أغراض جدتها. وقلادة صغيرة احتفظت بها منذ طفولتها. أما كل ما يربطها بقصر فيتالي... فلم تكن تريد أن تأخذ منه شيئًا. حتى ذكرياتها مع لوكا حاولت أن تخبئها في مكان لا تستطيع الوصول إليه. وفي الجهة الأخرى من المدينة... كان لوكا يراقبها من بعيد. لم يكن يتدخل. كان فقط يسأل لورينزو عنها أحيانًا. — كيف حالها؟ وكان لورينزو يجيبه: — تتحسن. فيتنفس لوكا براحة. لم يكن يعلم أن سولي كانت تستعد للرحيل. كان يظن أنها فقط تحتاج إلى وقت، وأنها ستبقى في بيت جدتها حتى تستعيد قوتها. وكان ذلك الوهم هو الشيء الوحيد الذي يسمح له بالاستمرار. --- وفي صباح أحد الأيام... كان لوكا جالسًا في مكتبه. الأوراق أمامه، والها
[ قبل الرحيل] مرّت ثلاثة أيام. ثلاثة أيام بدت طويلة على الجميع، لكنها كانت أثقل على لوكا تحديدًا. منذ أن خرجت سولي من مرحلة الخطر الأولى، لم يمر يوم واحد من دون أن يأتي إلى المستشفى. كان يصل في الصباح، ويبقى لبعض الوقت في الممر، ثم يسأل عن حالتها. وفي كل مرة... كان يقف أمام باب غرفتها. لكنه لم يدخل. احترامًا لطلبها. كان يكتفي بسؤال جدتها. — كيف حالها اليوم؟ وكانت الجدة تجيبه دائمًا: — بخير. فيبتسم ابتسامة صغيرة متعبة. — الحمد لله. وفي اليوم الثاني كرر السؤال. وفي اليوم الثالث أيضًا. وفي كل مرة كانت الإجابة نفسها تقريبًا. — سولي أفضل. لكن الجدة كانت ترى ما وراء عينيه. كان يريد أن يسأل سؤالًا آخر. هل ما زالت تريد الطلاق؟ هل تحدثت عني؟ هل تفكر بي؟ هل يمكن أن تسامحني؟ لكنه لم يسأل. ربما لأنه كان يخشى الإجابة. كان يفضّل كلمة «بخير» على أن يسمع شيئًا يؤلمه أكثر. أما سولي... فكانت تعرف أنه يأتي. كانت تسمع أحيانًا صوته من بعيد. وتعرف من خطواته أنه وصل. لكنها لم تطلب رؤيته. كانت تحتاج إلى الهدوء. وإلى الوقت. وإلى بداية مختلفة. وفي اليوم الثالث، أخبرها الطبيب
[ بين الحب والرحيل] في المستشفى... كانت غرفة سولي هادئة. جلست جدتها إلى جانب السرير، تحمل وعاء الطعام بيدها، وتطعمها ببطء. كانت سولي لا تزال ضعيفة جدًا، وكانت كل حركة تتطلب منها جهدًا. — تناولي المزيد قليلًا. قالت جدتها بحنان. فتحت سولي فمها وتناولت لقمة صغيرة، ثم توقفت. — لقد شبعت. هزّت جدتها رأسها. — من لقمتين فقط؟ ابتسمت سولي ابتسامة ضعيفة. — لا أشعر برغبة في تناول الطعام. — يجب أن تأكلي حتى تستعيدي قوتك. نظرت سولي إلى الطعام للحظة، ثم تناولت لقمة أخرى. بعد ذلك، رفعت عينيها نحو النافذة. كان ضوء النهار يملأ الغرفة، والمدينة تبدو بعيدة خلف الزجاج. وظلت تحدّق هناك طويلًا. لاحظت الجدة شرودها. — إلى ماذا تنظرين؟ لم تجب سولي مباشرة. ثم قالت بهدوء: — إلى المدينة. ابتسمت جدتها قليلًا. — ماذا بها؟ خفضت سولي عينيها. — لا أعلم... ثم سكتت لحظة. — لكنني لم أعد أرغب في رؤيتها. توقفت يد جدتها. ونظرت إليها باستغراب. — ماذا تقصدين؟ رفعت سولي عينيها إليها. — أعني أنني لا أريد البقاء هنا. — سولي... — أريد مغادرة المدينة. ساد الصمت. وضعت الجدة الوعاء جانبًا، ثم اقت
[ بين الحب والرحيل] بعد وقت قصير، خرجت كارلي وجدّة سولي من الغرفة. أغلقت كارلي الباب خلفها بهدوء، ثم بقيت للحظة تنظر إلى لوكا. كان واقفًا في الممر، بالقرب من النافذة، وعيناه لا تفارقان باب الغرفة. اقتربت منه. — لوكا... التفت إليها. — نعم؟ ترددت كارلي لحظة. ثم قالت: — سولي تريد التحدث إليك. ثبت عيناه عليها. — معي؟ أومأت. — نعم. سكت لثوانٍ. ظهرت على وجهه ملامح توتر لم تستطع كارلي تجاهلها. — هل قالت ماذا تريد؟ هزّت رأسها. — لا. ثم وضعت يدها على ذراعه. — مهما قالت.... حاول أن تستمع إليها حتى النهاية. نظر إليها لوكا طويلًا. ثم أومأ. — حسنًا. ابتعدت كارلي، وتركت له الطريق. بقي لوكا أمام الباب للحظات. رفع يده، لكنه لم يطرقه مباشرة. كان يشعر بأن هناك شيئًا مختلفًا هذه المرة. شيئًا أثقل من مجرد حديث بعد الاستيقاظ. وأخيرًا... طرق الباب بهدوء. لم تأته إجابة. طرق مرة أخرى. ثم جاء صوت سولي ضعيفًا: — ادخل. فتح الباب. دخل ببطء. كانت سولي مستلقية على السرير، وقد أدارت وجهها نحو النافذة. كانت الشمس تدخل من بينها وبين الستائر
[حين فتحت عينيها ] ثم أعاد لوكا نظره إلى سولي. وظلّت عيناه معلّقتين بها، وكأن العالم بأسره يستطيع الانتظار... أما هي، فلا. لكن شيئًا ما تغيّر هذه المرة. في البداية، كانت مجرد حركة صغيرة جدًا. تحرّكت أصابع سولي تحت الغطاء. توقّف لوكا عن الحركة. رفع رأسه بسرعة. حدّق في يدها. ثم نظر إلى وجهها. — سولي؟ لم تجبه. انتظر. وبعد لحظات، تحرّكت أصابعها مرة أخرى. ثم ارتجفت رموشها قليلًا. اتّسعت عينا لوكا. — سولي... اقترب منها أكثر. كان صوته مليئًا بالخوف والأمل في الوقت نفسه. — هل تسمعينني؟ تحرّكت رموشها مجددًا. وببطء شديد... بدأت عيناها تنفتحان. كان الضوء يزعجها في البداية، فحاولت إغلاق عينيها مرة أخرى. تنفّست ببطء. ثم فتحتهما من جديد. كانت نظرتها شاردة. لم تعرف أين هي. كان كل شيء حولها ضبابيًا. السقف. الجدران. الأجهزة. ثم بدأت ذاكرتها تعود إليها شيئًا فشيئًا. المستشفى. العملية. الخوف. ثم شعرت بيد تمسك يدها. التفتت ببطء. ورأته. لوكا. كان جالسًا إلى جوارها، وشعره الأسود غير مرتّب من النوم، وملامح التعب واضحة على وجهه
[بين القلق والأمل] وبقي لوكا إلى جوار سولي. مرّت الدقائق ببطء، ثم تحوّلت إلى ساعات. لم يشعر بمرورها. ظلّ ممسكًا بيدها، وكان إبهامه يتحرّك بين الحين والآخر فوق أصابعها بحركة خفيفة، وكأنّه يطمئن نفسه إلى أنّها ما تزال هنا. كانت الغرفة هادئة. يملأ صوت الأجهزة المنتظم الفراغ. ويتسلّل ضوء خافت من المصباح القريب من السرير. ومع مرور الوقت، بدأ التعب يثقل جفنيه. حاول مقاومته. فعدّل جلسته. ثم رفع رأسه قليلًا. ونظر إلى وجه سولي. — سأبقى... همس. لكن صوته خرج ضعيفًا من شدّة الإرهاق. — لا تخافي. وبعد ذلك بقليل... غلبه النوم. لم يترك يدها. حتى وهو نائم، ظلّت أصابعه تحيط بأصابعها برفق. وأسند رأسه إلى طرف السرير، بينما بقي جسده منحنيًا قليلًا نحوها. كانت ملامحه مختلفة تمامًا عن الرجل الذي يعرفه الجميع. لا برود. ولا قسوة. بل تعب وخوف وحب صامت. مرّت ليلة كاملة وهو على تلك الحال. --- في الصباح... بدأ ضوء الشمس يتسلّل من بين الستائر. فتح لوكا عينيه ببطء. واستغرقه الأمر بضع ثوانٍ حتى تذكّر أين هو. ثم رفع رأسه بسرعة. ونظر إلى سولي. كانت لا