LOGIN{أين ذهبت سولي؟}
استيقظ لوكا ببطء. فتح عينيه، ومد يده بشكل عفوي نحو الجهة الأخرى من السرير. لكن يده لم تجد شيئًا. فتح عينيه أكثر. المكان بجانبه كان فارغًا. رفع رأسه قليلًا، ثم نظر حول الغرفة. — سولي؟ لم يجبه أحد. جلس على السرير، وعقد حاجبيه. كان الصمت غريبًا. نهض من مكانه واتجه نحو الحمام، لكنه توقف عندما لمح ورقة صغيرة على الطاولة. اقترب منها والتقطها. قرأها: لوكا، خرجت لأزور جدتي. لا تقلق، سأعود لاحقًا. بقي ينظر إلى الورقة لثوانٍ. ثم رفع عينيه نحو الباب. — جدتها... كان يمكن أن يكتفي بالرسالة. لكن شيئًا داخله لم يرتح. خصوصًا بعدما تذكر تعبها في الأيام الأخيرة. نظراتها الشاردة. صمتها المفاجئ. وطريقتها الغريبة في قول إنها بخير حتى عندما لم تكن تبدو كذلك. وضع الورقة على الطاولة. ثم دخل الحمام بسرعة. بعد دقائق خرج، ارتدى ملابسه، وأخذ مفاتيحه وهاتفه. لم يكلف نفسه حتى بطلب الخادم. نزل الدرج بسرعة. وعندما وصل إلى الصالة، لمح لورينزو عائدًا إلى القصر، وكان على وشك الخروج من الباب. توقف لورينزو عندما رأى لوكا. — صباح الخير. لكن لوكا لم يتوقف. — سأذهب إلى منزل جدة سولي. استغرب لورينزو. — الآن؟ — نعم. — هل حدث شيء؟ أجابه لوكا وهو يتجه نحو الباب: — تركت لي رسالة فقط. ثم توقف لحظة. — لكنني لا أعرف لماذا أشعر أن هناك شيئًا آخر. نظر إليه لورينزو بقلق. — تريدني أن آتي معك؟ هز لوكا رأسه. — لا. ثم أضاف: — ابقَ هنا فقط. تردد لورينزو لحظة، ثم قال: — حسنًا. خرج لوكا من القصر، بينما بقي لورينزو واقفًا عند الباب يراقبه. --- ركب لوكا سيارته وانطلق. كانت يداه ثابتتين على المقود، لكن ذهنه لم يكن كذلك. حاول إقناع نفسه بأن الأمر بسيط. ربما كانت سولي فعلًا عند جدتها. ربما كانت تريد قضاء بعض الوقت معها. لكن شيئًا لم يتركه يشعر بالراحة. تذكر ليلة أمس. كانت متعبة. ومع ذلك، عندما سألها إن كانت بخير، ابتسمت. ابتسمت بالطريقة نفسها التي تفعلها عندما تخفي شيئًا. ضغط لوكا على المقود قليلًا. — ماذا تخفين عني؟ لم يجد جوابًا. وبعد فترة قصيرة، ظهرت أمامه الطريق المؤدية إلى منزل جدة سولي. خفف سرعته. ثم أوقف السيارة أمام المنزل. بقي جالسًا لثوانٍ. نظر إلى الباب. ثم أخذ نفسًا عميقًا ونزل من السيارة. اتجه نحو المنزل بخطوات سريعة. رفع يده وطرق الباب. انتظر. ثوانٍ مرت. ثم فُتح الباب. ظهرت جدة سولي أمامه. تغيرت ملامح لوكا فورًا. — صباح الخير. نظرت إليه باستغراب. — لوكا؟ ثم نظرت خلفه. — أين سولي؟ ساد الصمت. قال لوكا: — لهذا جئت. تغير وجه الجدة قليلًا. — سولي لم تأتِ إلى هنا. تجمد لوكا. بقي ينظر إليها. — ماذا؟ هزت رأسها. — لم أرها منذ فترة. شعر لوكا ببرودة تسري في أطرافه. الرسالة ما زالت في جيبه. خرجت لأزور جدتي. رفع عينيه ببطء. — إذًا... أين ذهبت؟ رفعت جدة سولي يدها وأشارت إلى الطريق الممتد خلف المنزل. — عندما تكون سولي متعبة أو تريد أن تبقى وحدها قليلًا، تذهب إلى حديقة صغيرة قريبة من هنا. انتبه لوكا لكلماتها. — حديقة؟ أومأت. — نعم. هناك مكان هادئ تحت شجرة كبيرة. كانت تجلس هناك منذ أن كانت صغيرة. سكتت لحظة، ثم ابتسمت بحزن. — كانت تقول إن الأشجار لا تسألها عن شيء. تغيرت ملامح لوكا قليلًا. — أين المكان؟ أخبرته الجدة بالطريق. شكرها بسرعة، ثم عاد إلى سيارته. --- قاد لوكا في الاتجاه الذي وصفته له. لم يكن المكان بعيدًا، لكنه كان أكثر هدوءًا مما توقع. طريق صغير تحيط به الأشجار من الجانبين، والهواء يحمل رائحة التراب والأوراق. أوقف السيارة بالقرب من المدخل، ثم نزل منها. بدأ يبحث بين الأشجار. كان ينظر حوله باستمرار. — سولي... لم يسمع جوابًا. تابع السير. خطوة. ثم أخرى. حتى لمح في البعيد ظل شجرة ضخمة تمتد أغصانها فوق مساحة خضراء صغيرة. توقف. كان هناك شخص يجلس تحتها. شعره يتحرك قليلًا مع الهواء. ملابسها الهادئة. وهيئتها الساكنة. عرفها فورًا. — سولي... كانت جالسة على الأرض، مسندة ظهرها إلى جذع الشجرة، وعيناها معلقتان بالسماء. لم تكن تبكي. ولم تكن تفعل شيئًا. فقط كانت شاردة. كأنها تحاول أن تضع أفكارها كلها في مكان واحد. اقترب لوكا ببطء. لكنها لم تنتبه إليه. جلس على مسافة قريبة منها. ثم قال: — هل هذا هو المكان الذي تهربين إليه عندما تريدين أن تكوني وحدك؟ انتفضت سولي قليلًا. التفتت بسرعة. وعندما رأته، اتسعت عيناها. — لوكا؟ نظر إليها. — وجدتك. ابتسمت بتوتر. — ماذا تفعل هنا؟ — جئت أبحث عنك. — لكنني تركت لك رسالة. أخرج الورقة من جيبه ورفعها أمامها. — قرأتها. ثم أضاف: — لكنك لم تكوني عند جدتك. سكتت سولي. لم تجد جوابًا. جلس لوكا بجانبها، لكنه لم يضغط عليها بالأسئلة. نظر أمامه للحظات. ثم قال: — كنت قلقة عليك. خفضت سولي عينيها. — أنا آسفة. — لا أريد اعتذارًا. التفت إليها. — أريد فقط أن أعرف أنكِ بخير. ابتسمت سولي ابتسامة صغيرة. — أنا بخير. ظل ينظر إليها. كان واضحًا أنه لا يصدقها تمامًا. لكن هذه المرة لم يجادلها. فقط مد يده وأمسك يدها. نظرت سولي إلى أصابعه حول يدها. ثم ابتسمت بهدوء. وبقي الاثنان تحت الشجرة، بينما كانت الشمس تمر بين الأغصان وتلقي ظلالًا خفيفة حولهما. أما لوكا، فلم يكن يعرف بعد أن هذا المكان الهادئ لم يكن مجرد مكان تلجأ إليه سولي عندما تريد الوحدة... بل كان المكان الذي جاءت إليه اليوم بعدما سمعت من الطبيب أن الوقت أصبح أضيق مما كانت تتمنى.[حين يتحول الحب إلى قيد] مرّت أيام أخرى. وبدأت حالة سولي تتحسن تدريجيًا. صارت قادرة على الوقوف مدة أطول، والمشي لمسافات قصيرة، والجلوس قرب النافذة من دون أن تشعر بالإرهاق كما في الأيام الأولى. لكن رغم تحسن جسدها... كان قرارها يزداد ثباتًا. كانت ستغادر المدينة. كانت قد رتبت مع جدتها معظم أغراضهما، وبدأت تختار الأشياء التي ستأخذها معها. القليل فقط. ملابسها. بعض الصور القديمة. أغراض جدتها. وقلادة صغيرة احتفظت بها منذ طفولتها. أما كل ما يربطها بقصر فيتالي... فلم تكن تريد أن تأخذ منه شيئًا. حتى ذكرياتها مع لوكا حاولت أن تخبئها في مكان لا تستطيع الوصول إليه. وفي الجهة الأخرى من المدينة... كان لوكا يراقبها من بعيد. لم يكن يتدخل. كان فقط يسأل لورينزو عنها أحيانًا. — كيف حالها؟ وكان لورينزو يجيبه: — تتحسن. فيتنفس لوكا براحة. لم يكن يعلم أن سولي كانت تستعد للرحيل. كان يظن أنها فقط تحتاج إلى وقت، وأنها ستبقى في بيت جدتها حتى تستعيد قوتها. وكان ذلك الوهم هو الشيء الوحيد الذي يسمح له بالاستمرار. --- وفي صباح أحد الأيام... كان لوكا جالسًا في مكتبه. الأوراق أمامه، والها
[ قبل الرحيل] مرّت ثلاثة أيام. ثلاثة أيام بدت طويلة على الجميع، لكنها كانت أثقل على لوكا تحديدًا. منذ أن خرجت سولي من مرحلة الخطر الأولى، لم يمر يوم واحد من دون أن يأتي إلى المستشفى. كان يصل في الصباح، ويبقى لبعض الوقت في الممر، ثم يسأل عن حالتها. وفي كل مرة... كان يقف أمام باب غرفتها. لكنه لم يدخل. احترامًا لطلبها. كان يكتفي بسؤال جدتها. — كيف حالها اليوم؟ وكانت الجدة تجيبه دائمًا: — بخير. فيبتسم ابتسامة صغيرة متعبة. — الحمد لله. وفي اليوم الثاني كرر السؤال. وفي اليوم الثالث أيضًا. وفي كل مرة كانت الإجابة نفسها تقريبًا. — سولي أفضل. لكن الجدة كانت ترى ما وراء عينيه. كان يريد أن يسأل سؤالًا آخر. هل ما زالت تريد الطلاق؟ هل تحدثت عني؟ هل تفكر بي؟ هل يمكن أن تسامحني؟ لكنه لم يسأل. ربما لأنه كان يخشى الإجابة. كان يفضّل كلمة «بخير» على أن يسمع شيئًا يؤلمه أكثر. أما سولي... فكانت تعرف أنه يأتي. كانت تسمع أحيانًا صوته من بعيد. وتعرف من خطواته أنه وصل. لكنها لم تطلب رؤيته. كانت تحتاج إلى الهدوء. وإلى الوقت. وإلى بداية مختلفة. وفي اليوم الثالث، أخبرها الطبيب
[ بين الحب والرحيل] في المستشفى... كانت غرفة سولي هادئة. جلست جدتها إلى جانب السرير، تحمل وعاء الطعام بيدها، وتطعمها ببطء. كانت سولي لا تزال ضعيفة جدًا، وكانت كل حركة تتطلب منها جهدًا. — تناولي المزيد قليلًا. قالت جدتها بحنان. فتحت سولي فمها وتناولت لقمة صغيرة، ثم توقفت. — لقد شبعت. هزّت جدتها رأسها. — من لقمتين فقط؟ ابتسمت سولي ابتسامة ضعيفة. — لا أشعر برغبة في تناول الطعام. — يجب أن تأكلي حتى تستعيدي قوتك. نظرت سولي إلى الطعام للحظة، ثم تناولت لقمة أخرى. بعد ذلك، رفعت عينيها نحو النافذة. كان ضوء النهار يملأ الغرفة، والمدينة تبدو بعيدة خلف الزجاج. وظلت تحدّق هناك طويلًا. لاحظت الجدة شرودها. — إلى ماذا تنظرين؟ لم تجب سولي مباشرة. ثم قالت بهدوء: — إلى المدينة. ابتسمت جدتها قليلًا. — ماذا بها؟ خفضت سولي عينيها. — لا أعلم... ثم سكتت لحظة. — لكنني لم أعد أرغب في رؤيتها. توقفت يد جدتها. ونظرت إليها باستغراب. — ماذا تقصدين؟ رفعت سولي عينيها إليها. — أعني أنني لا أريد البقاء هنا. — سولي... — أريد مغادرة المدينة. ساد الصمت. وضعت الجدة الوعاء جانبًا، ثم اقت
[ بين الحب والرحيل] بعد وقت قصير، خرجت كارلي وجدّة سولي من الغرفة. أغلقت كارلي الباب خلفها بهدوء، ثم بقيت للحظة تنظر إلى لوكا. كان واقفًا في الممر، بالقرب من النافذة، وعيناه لا تفارقان باب الغرفة. اقتربت منه. — لوكا... التفت إليها. — نعم؟ ترددت كارلي لحظة. ثم قالت: — سولي تريد التحدث إليك. ثبت عيناه عليها. — معي؟ أومأت. — نعم. سكت لثوانٍ. ظهرت على وجهه ملامح توتر لم تستطع كارلي تجاهلها. — هل قالت ماذا تريد؟ هزّت رأسها. — لا. ثم وضعت يدها على ذراعه. — مهما قالت.... حاول أن تستمع إليها حتى النهاية. نظر إليها لوكا طويلًا. ثم أومأ. — حسنًا. ابتعدت كارلي، وتركت له الطريق. بقي لوكا أمام الباب للحظات. رفع يده، لكنه لم يطرقه مباشرة. كان يشعر بأن هناك شيئًا مختلفًا هذه المرة. شيئًا أثقل من مجرد حديث بعد الاستيقاظ. وأخيرًا... طرق الباب بهدوء. لم تأته إجابة. طرق مرة أخرى. ثم جاء صوت سولي ضعيفًا: — ادخل. فتح الباب. دخل ببطء. كانت سولي مستلقية على السرير، وقد أدارت وجهها نحو النافذة. كانت الشمس تدخل من بينها وبين الستائر
[حين فتحت عينيها ] ثم أعاد لوكا نظره إلى سولي. وظلّت عيناه معلّقتين بها، وكأن العالم بأسره يستطيع الانتظار... أما هي، فلا. لكن شيئًا ما تغيّر هذه المرة. في البداية، كانت مجرد حركة صغيرة جدًا. تحرّكت أصابع سولي تحت الغطاء. توقّف لوكا عن الحركة. رفع رأسه بسرعة. حدّق في يدها. ثم نظر إلى وجهها. — سولي؟ لم تجبه. انتظر. وبعد لحظات، تحرّكت أصابعها مرة أخرى. ثم ارتجفت رموشها قليلًا. اتّسعت عينا لوكا. — سولي... اقترب منها أكثر. كان صوته مليئًا بالخوف والأمل في الوقت نفسه. — هل تسمعينني؟ تحرّكت رموشها مجددًا. وببطء شديد... بدأت عيناها تنفتحان. كان الضوء يزعجها في البداية، فحاولت إغلاق عينيها مرة أخرى. تنفّست ببطء. ثم فتحتهما من جديد. كانت نظرتها شاردة. لم تعرف أين هي. كان كل شيء حولها ضبابيًا. السقف. الجدران. الأجهزة. ثم بدأت ذاكرتها تعود إليها شيئًا فشيئًا. المستشفى. العملية. الخوف. ثم شعرت بيد تمسك يدها. التفتت ببطء. ورأته. لوكا. كان جالسًا إلى جوارها، وشعره الأسود غير مرتّب من النوم، وملامح التعب واضحة على وجهه
[بين القلق والأمل] وبقي لوكا إلى جوار سولي. مرّت الدقائق ببطء، ثم تحوّلت إلى ساعات. لم يشعر بمرورها. ظلّ ممسكًا بيدها، وكان إبهامه يتحرّك بين الحين والآخر فوق أصابعها بحركة خفيفة، وكأنّه يطمئن نفسه إلى أنّها ما تزال هنا. كانت الغرفة هادئة. يملأ صوت الأجهزة المنتظم الفراغ. ويتسلّل ضوء خافت من المصباح القريب من السرير. ومع مرور الوقت، بدأ التعب يثقل جفنيه. حاول مقاومته. فعدّل جلسته. ثم رفع رأسه قليلًا. ونظر إلى وجه سولي. — سأبقى... همس. لكن صوته خرج ضعيفًا من شدّة الإرهاق. — لا تخافي. وبعد ذلك بقليل... غلبه النوم. لم يترك يدها. حتى وهو نائم، ظلّت أصابعه تحيط بأصابعها برفق. وأسند رأسه إلى طرف السرير، بينما بقي جسده منحنيًا قليلًا نحوها. كانت ملامحه مختلفة تمامًا عن الرجل الذي يعرفه الجميع. لا برود. ولا قسوة. بل تعب وخوف وحب صامت. مرّت ليلة كاملة وهو على تلك الحال. --- في الصباح... بدأ ضوء الشمس يتسلّل من بين الستائر. فتح لوكا عينيه ببطء. واستغرقه الأمر بضع ثوانٍ حتى تذكّر أين هو. ثم رفع رأسه بسرعة. ونظر إلى سولي. كانت لا