تسجيل الدخولمرت الساعات بطيئة بشكل لم يعتده عبدالرحمن.كان يجلس خارج غرفة الفحص، يقوم من مكانه ثم يعود إليه، ينظر إلى الباب كل دقيقة، ويمسك هاتفه دون أن يعرف لماذا يفتحه.لم يكن هناك شيء يمكنه فعله.لأول مرة، لم تكن المشكلة تحتاج إلى قرار منه.كان عليه فقط أن ينتظر.خرجت الممرضة من الغرفة.وقف بسرعة."هي كويسة؟"ابتسمت."كويسة، بس محتاجة هدوء."تنفس براحة."والبيبي؟""كويس."أغمض عينيه للحظة.ثم قال:"الحمد لله."عاد إلى مقعده.وبعد دقائق، سمع صوت دولت من الداخل.لم يكن صوتًا مرتفعًا، لكنه كان يحمل ألمًا واضحًا.وقف مرة أخرى.اقترب من الباب.نادته الممرضة:"ممنوع تدخل دلوقتي.""أنا جوزها.""عارفة، بس استنى."ظل واقفًا.كان يريد أن يكون بجوارها.لكن هذه المرة، لم يستطع.---في الداخل، كانت دولت تحاول أن تتمسك بهدوئها.كلما اشتد الألم، كانت تغمض عينيها وتتذكر صوته."إحنا هنروح سوا.""سوا."كانت الكلمة تدور في رأسها.لم تكن تفكر في هشام.ولا في الماضي.ولا في الأيام التي بكت فيها بسبب عبدالرحمن.كانت تفكر في الرجل الذي يقف خلف الباب الآن، ينتظر خروجها.وكان ذلك وحده كافيًا لتشعر أنها ليست وحدها.---
لم تعد الأيام تشبه ما كانت عليه قبل أشهر.في البداية، كان الحمل مجرد خبر جعل عبدالرحمن ودولت يتوقفان للحظات، غير قادرين على استيعاب أن هناك حياة صغيرة بدأت تتشكل بينهما.لكن مع مرور الوقت، أصبح الحمل جزءًا من تفاصيل البيت.موعد الطبيب.الأدوية.الراحة.الأطعمة التي تحبها دولت والتي أصبحت فجأة لا تستطيع تحمل رائحتها.والأشياء الصغيرة التي كان عبدالرحمن يشتريها دون أن يخبرها، ثم يضعها أمامها وكأنه اكتشف كنزًا.حتى البيت نفسه تغير.أصبح هناك مكان صغير في الغرفة بدأت دولت تجمع فيه ملابس الطفل.كلما اشترت قطعة، وضعتها هناك بعناية.وكان عبدالرحمن يقف أمامها أحيانًا، ينظر إلى الملابس الصغيرة، ثم يضحك.قال لها ذات مساء:"هو إحنا متأكدين إن الطفل هيبقى بالحجم ده؟"ضحكت."أكيد.""حاسس إن إيده لو مسكت صباعي هتكسره.""لسه ماجاش وبدأت تخاف منه.""أنا خايف من مسؤولية تربيته."اقتربت منه."مش لوحدك."نظر إليها.كانت الجملة بسيطة، لكنها جعلته يشعر براحة كبيرة."عارف."---ومع تقدم الحمل، بدأت دولت تشعر بتعب أكبر.لم تعد تستطيع القيام بكل ما كانت تفعله سابقًا.وفي بعض الأيام، كانت تستيقظ دون طاقة لأي
ظل عبدالرحمن ينظر إلى الرسالة الموجودة على هاتفه لثوانٍ طويلة، ثم أغلق الشاشة ووضع الهاتف أمام دولت.لم يكن يريد أن يعطيها أكبر من حجمها.قال بهدوء:"أنا مش هرد."نظرت إليه."ولا أنا.""والرقم ده مش هنعرف صاحبه.""مش مهم."ابتسم عبدالرحمن."بدأنا نتعلم."ضحكت دولت بخفة."أخيرًا."ثم سكتت قليلًا."أنا تعبت."نظر إليها."من الرسالة؟"هزت رأسها."لأ... من كل حاجة."اقترب منها."إنتِ كويسة؟""آه، بس حاسة إن جسمي مرهق.""من إمتى؟""من كام يوم.""طب ما نروح للدكتور.""مش مستاهلة.""دولت."نظرت إليه."حاضر."لم يكن في صوتها هذه المرة اعتراض.وفي اليوم التالي، ذهب معها إلى الطبيب.كان عبدالرحمن طوال الطريق يحاول أن يجعلها تضحك، لكنها كانت هادئة أكثر من المعتاد.قال:"لو الدكتور قالك ترتاحي، همنعك من أي حاجة."ابتسمت."إنت أصلًا بتحب تمنعني.""زمان."نظرت إليه."دلوقتي؟""دلوقتي هطلب."ضحكت."أهو كده أحسن."---جلسا في العيادة ينتظران.كانت دولت تنظر إلى الباب كل دقيقة تقريبًا.قال عبدالرحمن:"خايفة؟""مش عارفة.""من إيه؟""من غير سبب."أمسك يدها."أنا معاكي."دخلت عند الطبيب.انتظر عبدالرحمن
ظل عبدالرحمن جالسًا في مكانه بعد انتهاء المكالمة.لم يكن أكثر ما أزعجه هو أن هشام اتصل.بل الطريقة التي قال بها:"في موضوع جديد يخص دولت."كان يمكنه أن يغضب.كان يمكنه أن يتصل بدولت فورًا ويسألها.وكان يمكنه أن يعود إلى نفس الدائرة القديمة التي قضى وقتًا طويلًا يحاول الخروج منها.لكنه لم يفعل.وضع الهاتف على الطاولة، وأخذ نفسًا طويلًا.قال لنفسه:"مش هحكم قبل ما أعرف."كانت الجملة التي اتفق عليها مع دولت.ولأول مرة، شعر أن عليه أن يطبقها هو قبل أن يطلب منها أن تطبقها.بعد دقائق، اتصل بدولت.أجابت بسرعة."عبدالرحمن؟""أيوه.""في حاجة؟""هشام كلمني."سكتت."قال إيه؟""قال إن في موضوع جديد يخصك."تغير صوتها."أنا؟""أيوه.""بس أنا معرفش حاجة.""أنا مصدقك."صمتت قليلًا.ثم قالت:"قال إيه غير كده؟""ولا حاجة. قفل المكالمة."تنفست ببطء."إذن ما نسمحلوش يخوفنا."ابتسم رغم توتره."إنتِ اللي بتقولي كده؟""أيوه.""زمان كنتِ هتقلقي.""زمان كنت هصدق أي حاجة تخوفني.""ودلوقتي؟""دلوقتي هسألك الأول."ساد الصمت بينهما.ثم قال عبدالرحمن:"أنا راجع بكرة.""ليه؟""عايز أشوفك.""مش عشان هشام؟""عشانك."
ظل خبر السفر لشهر كامل معلقًا بين عبدالرحمن ودولت طوال الليلة.لم يكن أي منهما يريد أن يبدأ الحديث.كانت دولت تعرف أن عبدالرحمن يحتاج إلى العمل، وهو يعرف أنها تخشى من طول الغياب.وفي النهاية قالت:"هتسافر إمتى؟""بعد أربعة أيام."سكتت.ثم سألت:"والشغل هيبقى طول الشهر؟""آه.""هترجع في النص؟""مش متأكد."خفضت عينيها.لم يكن عبدالرحمن يريد أن يرى الحزن في وجهها، لكنه كان يعرف أنه موجود.قال:"أنا ممكن أرفض."رفعت رأسها بسرعة."لأ.""دولت...""لأ. ما ترفضش.""شهر كتير.""عارفة.""وممكن يبقى أصعب من المرة اللي فاتت.""عارفة."ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة."بس إحنا لازم نعرف إننا نقدر."ظل ينظر إليها.قالت:"لو رفضت عشان خايف عليا، هحس إنك لسه مش واثق فيا."لم يجب.كانت تعرف أنه فهم.أكملت:"وأنا مش عايزة أعيش طول عمري وأنا بحاول أثبتلك إني اتغيرت."قال:"وأنا مش عايز أعيش وأنا شاكك.""يبقى نسافر."ضحك رغمًا عنه."إحنا الاتنين؟""أنت اللي هتسافر.""آه.""وأنا هفضل هنا."---في الأيام الأربعة التالية، حاول الاثنان الاستعداد للفراق بطريقة مختلفة.لم يتحدثا عن الخوف كثيرًا.بدلًا من ذلك، رتبا تفا
عاد عبدالرحمن إلى البيت وهو يحمل في داخله ضيقًا لم يستطع إخفاءه.كانت دولت تعرف من ملامحه أن الحديث الذي دار مع والده لم يكن عاديًا.قالت فور أن دخل:"حصل إيه؟"وضع مفاتيحه جانبًا وجلس."أبويا عايزني أسيب الشغل الجديد."تغير وجهها."ليه؟""بيقول إن السفر مش مناسب."سكتت قليلًا.ثم قالت:"بسببي؟"نظر إليها."هو ما قالش كده صراحة.""بس ده السبب.""ممكن."خفضت رأسها."أنا كنت عارفة إن ده هيحصل.""إنتِ عارفة إيه؟""إن الناس مش هتنسى."قال عبدالرحمن:"الناس مشكلتها إنها شايفة إن اللي حصل بينا بقى حق ليها.""وأهلك خايفين عليك.""وأهلك كمان."تنهدت."أنا مش عايزة أكون سبب في خلافك مع أهلك.""إنتِ مش السبب.""بس لو كنت مكاني، هتعمل إيه؟"فكر قليلًا."هختار حياتي."رفعت عينيها إليه."يعني هتكمل في الشغل؟""آه.""حتى لو أبوك زعل؟""هو أبويا، وهفضل أحترمه. لكن القرار ده يخصني."سكتت دولت.كانت تريد أن تفرح، لكنها شعرت بثقل القرار.قالت:"وأنا كمان لازم أعمل حاجة.""إيه؟""لازم أتكلم مع أهلي."نظر إليها."مش لازم.""لأ، لازم.""دولت..."قاطعته:"طول الفترة اللي فاتت كنت ساكتة، وكل واحد بيتكلم عني







