Share

الفصل 19

last update publish date: 2026-07-16 09:03:35

لم تتمالك سارة نفسها.

ابتسمت ابتسامة واسعة، وقالت بصوت امتزجت فيه السعادة بالتأثر:

"هذا أسعد خبر سمعته منذ زمن."

أمسكت يده بكلتا يديها، وأضافت:

"وأنا موافقة... بكل قلبي.

ابتسم سيف ابتسامة هادئة، للمرة الأولى منذ خروجه من منزل جده.

كان يظن...

أن الطريق أصبح واضحًا أمامه.

لكن...

لم يكن يعلم أن القدر...

كان يخبئ له طريقًا آخر تمامًا.

في الجهة المقابلة..

كانت أجواء منزل الكيلاني مختلفة تمامًا.

الابتسامات لم تغادر الوجوه منذ أن أخبرت رزان عائلتها بنجاح أولى خطوات مشروعها، وتوقيع عقد التعاون مع شركة رأفت.

قال والدها وهو يرفع كوب الشاي مبتسمًا:

"كنت أعلم أن إصرارك سيقودك إلى هذا اليوم."

وأضافت والدتها بفخر:

"هذه مجرد البداية يا رزان... وأنا واثقة أن القادم أجمل."

ابتسمت رزان بخجل.

"ما زال أمامي طريق طويل."

قاطعها لؤي ضاحكًا:

"يكفي تواضعًا... بعد سنوات سأقول للناس إنني شقيق صاحبة أشهر علامة تجارية للعناية بالبشرة."

ضحك الجميع.

ثم نهض لؤي فجأة وقال بحماس:

"بما أن اليوم مناسبة سعيدة... ما رأيكم أن نخرج جميعًا؟"

ابتسم والده وهو يهز رأسه.

"اعذرنا يا بني... أنا ووالدتك مرهقان قليلًا."

وأضافت والدته:

"اذهبا أنتما واستمتعا بوقتكما."

نظر لؤي إلى رزان، ثم ابتسم بخبث.

"إذن اتصلي برشا أيضًا... حتى لا أتحمل حديثكما وحدي."

ضحكت رزان.

"فكرة جيدة."

أخرجت هاتفها، ولم تمض دقائق حتى وافقت رشا على الانضمام إليهما.

بعد نحو نصف ساعة...

وصل الثلاثة إلى أحد المقاهي الراقية المطلة على البحيرة.

كانت الأضواء تنعكس فوق سطح الماء، والمكان يعج بالزوار، بينما تعزف فرقة موسيقية مقطوعات هادئة في الخلفية.

دخلوا إلى الداخل، وما إن تقدم بهم النادل نحو الطاولة المحجوزة...

حتى توقفت خطوات رزان للحظة.

رفعت رأسها.

وفي الجهة المقابلة...

كان سيف يجلس إلى طاولة قريبة، وإلى جانبه سارة.

كانت سارة تبتسم وهي تتحدث، بينما كان سيف ينصت إليها بهدوء.

لم ينتبه أيٌّ منهما إلى دخول رزان.

أما رزان...

فاكتفت بنظرة عابرة، ثم تابعت سيرها وكأن شيئًا لم يكن.

جلست إلى طاولتها.

ولم تمض ثوانٍ حتى همست رشا وهي تميل نحوها:

"أليس هذا... سيف رأفت؟"

ألقت رزان نظرة سريعة، ثم أجابت بهدوء:

"بلى."

ابتسمت رشا بخفة وهي تنظر إلى سارة.

"يبدو أن الفتاة التي معه هي نفسها التي رأيتها في الشركة."

أومأت رزان.

"نعم."

تنهدت رشا مبتسمة.

"إنهما يبدوان منسجمين."

ارتسمت على شفتي رزان ابتسامة خفيفة.

"أتمنى لهما السعادة.

في تلك اللحظة...

كان لؤي منشغلًا بقراءة قائمة المشروبات، ولم ينتبه إلى أي شيء يدور حوله.

رفع رأسه وقال بحماس:

"بما أن المناسبة تخص رزان... فهي من سيدفع الحساب."

ضحكت رشا.

أما رزان، فضربته بخفة على كتفه.

"ما زلت كما أنت... لا تفكر إلا في جيب أختك."

انفجر الثلاثة بالضحك، وعادت الأجواء المرحة إلى طاولتهم.

على الطاولة الأخرى...

وقعت عينا سيف مصادفة على رزان.

توقف للحظة.

ثم ألقى عليها تحية مقتضبة بإيماءة بسيطة من رأسه، بحكم علاقة العمل التي أصبحت تجمعهما.

بادلته رزان الإيماءة نفسها بابتسامة مجاملة لا أكثر.

وانتهى الأمر عند هذا الحد.

لكن سارة...

كانت تراقب المشهد بصمت.

لم يدم الأمر سوى ثانيتين...

إلا أن شيئًا مجهولًا انقبض في داخلها.

ولم تعرف لماذا.

في صباح اليوم التالي...

استيقظ سيف على غير عادته مبكرًا.

ورغم أن جدول أعماله كان مزدحمًا، إلا أن تفكيره كان منشغلًا بأمر واحد فقط.

سارة.

كان قد اتخذ قراره.

إذا كان الشرط الوحيد الذي يفصل بينه وبين تنفيذ وصية جده هو الزواج...

فسيكون زواجه ممن اختارها قلبه.

بعد انتهائه من عمله في الشركة، التقط هاتفه واتصل بسارة.

لم يكد الهاتف يرن حتى جاءه صوتها المفعم بالحيوية.

"مساء الخير."

ابتسم ابتسامة خفيفة.

"مساء الخير."

ساد صمت قصير، قبل أن يقول:

"هل ما زلتِ تتذكرين حديثنا البارحة؟"

ابتسمت سارة.

"وكيف أنساه؟"

قال بهدوء:

"أريدك أن ترافقيني اليوم إلى منزل جدي."

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • حين اختارك القدر   الفصل 22

    في الجهة الأخرى من المدينة... كان مازن يجلس في مكتبه الفخم. دخل عليه أحد مساعديه ووضع أمامه تقريرًا ماليًا. قال الرجل: "يبدو أن شركة رأفت تجاوزت الأزمة." أغلق مازن الملف بهدوء. ثم ابتسم ابتسامة خفيفة. "كنت أعلم أن عبد الرحمن سيتدخل." سأله مساعده باستغراب: "ألا يزعجك ذلك؟" هز مازن رأسه نافيًا. "في عالم الأعمال..." "كل إنسان يبحث عن مصلحة شركته." ثم نهض من مكانه متجهًا نحو النافذة. "لقد قدمت عرضًا، وهو رفضه." "وانتهى الأمر." توقف للحظة، ثم أردف بصوت منخفض: "لكن يبدو أن عبد الرحمن ما زال يؤمن بأن الصداقة أهم من المال." ولم يعلّق بعدها بكلمة. مرت الأعوام... وتوسعت شركة رأفت أكثر من أي وقت مضى. واستعادت مكانتها في السوق. وفي مساء أحد الأيام... كان حسن رأفت وعبد الرحمن الكيلاني يجلسان في حديقة المنزل، يحتسيان القهوة كالعادة. قال حسن وهو يبتسم: "أتعلم؟" "كلما نظرت إلى هذه الشركة..." "أتذكر اليوم الذي أنقذتني فيه." ضحك عبد الرحمن. "أما زلت تتذكر؟" نظر إليه حسن باستغراب. "وهل ينسى الإنسان من وقف معه حين أدار الجميع ظهورهم له؟" ساد بينهما صمت مريح. ثم قال حسن:

  • حين اختارك القدر   الفصل 21

    الرئيس التنفيذي للشركة آنذاك. رفع نظره ببطء نحو المجتمعين. ثم قال بثبات: "شركة رأفت لم تسقط طوال ثلاثين عامًا... ولن تسقط اليوم." ساد الصمت مجددًا. لكن الجميع كان يدرك أن الكلمات وحدها لم تعد تكفي في اليوم التالي... وصلت إلى مقر الشركة سيارة سوداء فاخرة. ترجل منها رجل في الأربعينيات من عمره، يرتدي بدلة أنيقة، تعلو وجهه ابتسامة يصعب تفسيرها. كان ذلك... مازن مازن. أحد أبرز رجال الأعمال في البلاد، وصاحب مجموعة استثمارية ضخمة توسعت بسرعة لافتة خلال السنوات الأخيرة. استقبله حسن رأفت بنفسه، ثم اصطحبه إلى مكتبه. جلس الاثنان متقابلين. وما إن قُدمت القهوة، حتى بادر مازن بالكلام. "سمعت بما تمر به شركتكم." أجابه حسن بهدوء. "أخبار السوق تنتشر بسرعة." ابتسم مازن ابتسامة خفيفة. "وأنا لا أحب أن أرى شركة بهذا الحجم تنهار." تعلق نظر حسن به. "هل لديك اقتراح؟" أخرج مازن ملفًا جلديًا من حقيبته، ووضعه أمامه. "لدي عرض." فتح حسن الملف. وما إن قرأ أولى الصفحات... حتى انعقد حاجباه. رفع بصره ببطء. "واحد وخمسون بالمئة من أسهم الشركة؟" أجاب مازن بكل هدوء

  • حين اختارك القدر   الفصل 20

    توقفت عن الكلام للحظة. ثم قالت بسعادة لم تستطع إخفاءها: "حقًا؟" "نعم." "سأكون جاهزة خلال ساعة." ابتسم سيف. "سأمر لاصطحابك." لم تستطع سارة إخفاء فرحتها. وقفت أمام خزانة ملابسها وقتًا طويلًا، تبحث عن فستان يجمع بين الأناقة والبساطة. كانت تعلم أن الانطباع الأول لا يتكرر. اختارت فستانًا بلون أزرق هادئ، ونسقت معه حقيبة صغيرة وحذاءً بكعب منخفض، ثم اكتفت بحلي بسيطة ومكياج ناعم. وقفت أمام المرآة، وأخذت نفسًا عميقًا. كانت تشعر أن هذه الزيارة... قد تكون بداية فصل جديد في حياتها. وصل سيف في الموعد تمامًا. فتح لها باب السيارة، ثم انطلقا نحو منزل آل رأفت. طوال الطريق، كان الحديث بينهما هادئًا. قالت سارة وهي تنظر من نافذة السيارة: "هل جدك صارم كما يقول الجميع؟" ابتسم سيف بخفة. "صارم عندما يتعلق الأمر بالمبادئ." ثم أردف: "لكنه عادل." هزت رأسها وهي تحاول طمأنة نفسها بعد دقائق... دخلت السيارة إلى بوابة القصر. كان المنزل يعكس تاريخًا طويلًا من العراقة. ساعدها سيف على النزول، ثم دخلا معًا. استقبلهما كبير الخدم بابتسامة احترام. "أهلًا بكما." قادهما إلى الصالون الرئيسي. ولم

  • حين اختارك القدر   الفصل 19

    لم تتمالك سارة نفسها. ابتسمت ابتسامة واسعة، وقالت بصوت امتزجت فيه السعادة بالتأثر: "هذا أسعد خبر سمعته منذ زمن." أمسكت يده بكلتا يديها، وأضافت: "وأنا موافقة... بكل قلبي. ابتسم سيف ابتسامة هادئة، للمرة الأولى منذ خروجه من منزل جده. كان يظن... أن الطريق أصبح واضحًا أمامه. لكن... لم يكن يعلم أن القدر... كان يخبئ له طريقًا آخر تمامًا. في الجهة المقابلة.. كانت أجواء منزل الكيلاني مختلفة تمامًا. الابتسامات لم تغادر الوجوه منذ أن أخبرت رزان عائلتها بنجاح أولى خطوات مشروعها، وتوقيع عقد التعاون مع شركة رأفت. قال والدها وهو يرفع كوب الشاي مبتسمًا: "كنت أعلم أن إصرارك سيقودك إلى هذا اليوم." وأضافت والدتها بفخر: "هذه مجرد البداية يا رزان... وأنا واثقة أن القادم أجمل." ابتسمت رزان بخجل. "ما زال أمامي طريق طويل." قاطعها لؤي ضاحكًا: "يكفي تواضعًا... بعد سنوات سأقول للناس إنني شقيق صاحبة أشهر علامة تجارية للعناية بالبشرة." ضحك الجميع. ثم نهض لؤي فجأة وقال بحماس: "بما أن اليوم مناسبة سعيدة... ما رأيكم أن نخرج جميعًا؟" ابتسم والده وهو يهز رأسه. "اعذرن

  • حين اختارك القدر   الفصل 18

    تنهد الجد بهدوء، ثم قال: "لأنني أعرفك أكثر مما تعرف نفسك." انعقد حاجبا سيف. فأكمل الجد: "منذ وفاة والدك... وأنت لم تعش لنفسك يومًا واحدًا." خفض سيف بصره دون أن يجيب. أما الجد، فتابع بصوت امتزج فيه الحنان بالفخر "كنت لا تزال شابًا عندما حملت مسؤولية الشركة، وتحملت أعباء لم تكن سهلة حتى على رجال أكبر منك سنًا. لم أطلب منك يومًا أن تتراجع، لأنني كنت أعلم أنك قادر على حمل الأمانة." توقف لثوانٍ، ثم أكمل: "لكنني رأيتك، عامًا بعد عام، تؤجل حياتك الشخصية في سبيل العمل." رفع سيف عينيه إليه. "وهل الزواج قرار يُفرض يا جدي؟" ابتسم الجد ابتسامة خفيفة. "لا... لكنه أيضًا قرار لا ينبغي أن تؤجله إلى ما لا نهاية." أخذ سيف نفسًا عميقًا. "أنا لا أرفض الزواج، لكنني أرفض أن تحدد لي الوصية متى أتزوج." هز الجد رأسه بتفهم. "لم أحدد لك موعدًا." رفع سيف الملف. "لكنها تشترطه حتى تصبح الشركة باسمي." أجاب الجد بثبات: "صحيح." ساد الصمت بينهما للحظات. ثم قال سيف: "وهل يهمك من ستكون المرأة التي سأتزوجها؟" تأمله الجد طويلًا قبل أن يجيب: "حين يحين الوقت... سنتحدث في ذ

  • حين اختارك القدر   الفصل 17

    في الطابق العلوي... كان الهدوء يخيّم على مكتب سيف، بينما كان منشغلًا بمراجعة بعض الملفات الموضوعة أمامه. قطع تركيزه طرقٌ خفيف على الباب. "تفضل." انفتح الباب، ودخل رجل وقور يحمل في ملامحه هيبة السنين. وما إن رآه سيف حتى نهض من مقعده فورًا. "جدي... لم تخبرني أنك ستأتي اليوم." ابتسم الجد وهو يصافحه. "وهل يجب أن أخبرك في كل مرة أنني سأزورك؟" ضحك سيف بخفة، ثم اقترب ليساعده على الجلوس. بعد أن استقر الجد في مكانه، أخذ يتأمل المكتب من حوله، قبل أن يسأل: "كيف تسير أمور الشركة؟ جلس سيف في مقعده وأجاب بثقة: "كل شيء يسير وفق الخطة الموضوعة. المشاريع الحالية تحقق نتائج جيدة، ونسب الأرباح في ارتفاع، كما بدأنا التعاون مع عدد من المشاريع الجديدة الواعدة." أومأ الجد برضا. "هذا ما كنت أريد سماعه." ساد صمت قصير بينهما. لكن ملامح الجد تغيرت قليلًا، وكأن هناك أمرًا آخر يشغل تفكيره. رفع نظره إلى حفيده وقال: "في طريقي إلى هنا... التقيت بفتاة من عائلة الكيلاني." توقفت يد سيف عن تقليب الملفات. رفع رأسه ببطء، وقد ظهر الاستغراب على ملامحه. أما الجد، فاكتفى بابتسامة غامضة وهو يقول: "يبدو أ

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status