تسجيل الدخولتنهد الجد بهدوء، ثم قال:
"لأنني أعرفك أكثر مما تعرف نفسك." انعقد حاجبا سيف. فأكمل الجد: "منذ وفاة والدك... وأنت لم تعش لنفسك يومًا واحدًا." خفض سيف بصره دون أن يجيب. أما الجد، فتابع بصوت امتزج فيه الحنان بالفخر "كنت لا تزال شابًا عندما حملت مسؤولية الشركة، وتحملت أعباء لم تكن سهلة حتى على رجال أكبر منك سنًا. لم أطلب منك يومًا أن تتراجع، لأنني كنت أعلم أنك قادر على حمل الأمانة." توقف لثوانٍ، ثم أكمل: "لكنني رأيتك، عامًا بعد عام، تؤجل حياتك الشخصية في سبيل العمل." رفع سيف عينيه إليه. "وهل الزواج قرار يُفرض يا جدي؟" ابتسم الجد ابتسامة خفيفة. "لا... لكنه أيضًا قرار لا ينبغي أن تؤجله إلى ما لا نهاية." أخذ سيف نفسًا عميقًا. "أنا لا أرفض الزواج، لكنني أرفض أن تحدد لي الوصية متى أتزوج." هز الجد رأسه بتفهم. "لم أحدد لك موعدًا." رفع سيف الملف. "لكنها تشترطه حتى تصبح الشركة باسمي." أجاب الجد بثبات: "صحيح." ساد الصمت بينهما للحظات. ثم قال سيف: "وهل يهمك من ستكون المرأة التي سأتزوجها؟" تأمله الجد طويلًا قبل أن يجيب: "حين يحين الوقت... سنتحدث في ذلك." توقف سيف عن الحركة. كانت تلك الإجابة كافية لتزيد حيرته. فسأل من جديد: "وماذا لو قررت ألا أتزوج؟" نظر إليه الجد بثبات لم يتغير. "ذلك حقك." ثم أضاف بهدوء: "لكن عندها... لن تنتقل إليك الشركة. اشتدت قبضة سيف على الملف. لم يكن يخشى خسارة المال... بل كان يشعر أن سنوات عمره التي قضاها في بناء الشركة أصبحت معلقة بشرط لم يختره بنفسه. نهض من مكانه ببطء. وقال وهو يتجه نحو الباب: "أحتاج إلى بعض الوقت." ابتسم الجد ابتسامة خفيفة. "خذ كل الوقت الذي تحتاجه." توقف سيف عند الباب. وقبل أن يخرج، سمع جده يقول بصوت منخفض: "ثق بي يا سيف..." "سيأتي يوم ستدرك فيه أنني لم أضع هذا الشرط عبثًا." لم يجب. فتح الباب وغادر الغرفة. وبقي الجد وحده. رفع بصره نحو النافذة، ثم همس لنفسه بابتسامة غامضة: "لقد أوشكت اللحظة يا صديقي القديم..." "وأخيرًا... سأفي لك بوعدٍ انتظر سنوات طويلة." انتهت الكلمات... لكن اسم ذلك الصديق... ظل مجهولًا. خرج سيف من غرفة جده، وقد بدت ملامحه أكثر جمودًا من المعتاد. أغلق باب غرفته خلفه، ثم مرر يده بين خصلات شعره محاولًا تهدئة الأفكار التي كانت تعصف برأسه. ألقى الملف فوق مكتبه، ثم التقط هاتفه. كان بحاجة إلى الخروج... إلى أي مكان يبعده قليلًا عن ذلك الضغط الذي أثقل صدره. ضغط على اسم شهاب. لم يتأخر الأخير في الرد. "مساء الخير، سيف." قال سيف مباشرة: "هل أنت مشغول؟" جاءه صوت شهاب يرافقه شيء من الضجيج. "للأسف نعم، أنا في عشاء عائلي مع والدي وأشقائي." ساد صمت قصير. ثم قال شهاب: "هل حدث شيء؟" تنهد سيف بخفة. "لا... لا شيء مهم." شعر شهاب أن صديقه يخفي شيئًا، لكنه لم يلح عليه. "غدًا نتحدث." أجاب سيف: "حسنًا... استمتع بوقتك." أنهى المكالمة، ثم ظل ينظر إلى شاشة الهاتف لثوانٍ. بعدها ضغط على اسم آخر... سارة. لم يكد يرن الهاتف حتى جاءه صوتها المفعم بالفرح. "سيف! لم أتوقع اتصالك بهذا الوقت." ابتسم ابتسامة خفيفة. "هل أنت مشغولة؟" "من أجلك؟ أبدًا." "إذن... هل نلتقي؟" أجابت دون تردد: "بالطبع." بعد أقل من ساعة... كانا يجلسان في مقهى ليلي هادئ يطل على البحيرة. أضواء المدينة انعكست فوق سطح الماء، بينما كانت الموسيقى الهادئة تملأ المكان. ما إن اقتربت سارة حتى ابتسم لها سيف، ثم طبع قبلة خفيفة على خدها، وعانقها للحظات قبل أن يجلسا. تأملت وجهه بصمت. كانت تعرفه جيدًا. وتعرف أن هدوءه اليوم يخفي شيئًا. قالت برفق: "ماذا حدث؟" نظر إليها للحظات، ثم زفر بهدوء. "تلقيت الليلة وصية جدي." انعقد حاجباها. "وصية؟" أومأ برأسه. "قرر نقل جميع أسهمه في الشركة باسمي." ابتسمت سارة. "أليس هذا خبرًا رائعًا؟" أجابها بابتسامة باهتة. "كان سيكون كذلك... لولا الشرط." نظرت إليه باستغراب. "أي شرط؟" ارتشف قليلًا من قهوته، ثم قال: "لن تصبح الوصية نافذة... إلا إذا تزوجت." ساد الصمت بينهما. ثم قالت سارة: "هذا كل ما في الأمر؟" هز رأسه. "حاولت إقناعه بأن الزواج قرار شخصي، لكنه متمسك برأيه." ثم أردف وهو ينظر إليها: "يعتقد أنني كرست حياتي للعمل، وأن الوقت حان لأبني أسرة." ابتسمت سارة بخفة. "ربما... لديه وجهة نظر. ابتسم سيف للمرة الأولى منذ بداية اللقاء. "ربما." مدت يدها وربتت برفق على يده. "وماذا ستفعل الآن؟" ظل صامتًا للحظات، ثم قال بنبرة هادئة لكنها حاسمة: "كنت أفكر منذ مدة أن أعرفك على جدي رسميًا." اتسعت عينا سارة. تابع سيف: "أنتِ تعلمين مكانتك عندي." "ولم أخفِ يومًا أنني أرى مستقبلي معك." ارتجف قلبها من السعادة. حاولت أن تخفي ابتسامتها، لكنها فشلت. "أتقصد..." أومأ سيف قبل أن تكمل سؤالها. "نعم." "إذا سارت الأمور كما أتمنى... فأنا أنوي أن تكوني شريكة حياتي."في الجهة الأخرى من المدينة... كان مازن يجلس في مكتبه الفخم. دخل عليه أحد مساعديه ووضع أمامه تقريرًا ماليًا. قال الرجل: "يبدو أن شركة رأفت تجاوزت الأزمة." أغلق مازن الملف بهدوء. ثم ابتسم ابتسامة خفيفة. "كنت أعلم أن عبد الرحمن سيتدخل." سأله مساعده باستغراب: "ألا يزعجك ذلك؟" هز مازن رأسه نافيًا. "في عالم الأعمال..." "كل إنسان يبحث عن مصلحة شركته." ثم نهض من مكانه متجهًا نحو النافذة. "لقد قدمت عرضًا، وهو رفضه." "وانتهى الأمر." توقف للحظة، ثم أردف بصوت منخفض: "لكن يبدو أن عبد الرحمن ما زال يؤمن بأن الصداقة أهم من المال." ولم يعلّق بعدها بكلمة. مرت الأعوام... وتوسعت شركة رأفت أكثر من أي وقت مضى. واستعادت مكانتها في السوق. وفي مساء أحد الأيام... كان حسن رأفت وعبد الرحمن الكيلاني يجلسان في حديقة المنزل، يحتسيان القهوة كالعادة. قال حسن وهو يبتسم: "أتعلم؟" "كلما نظرت إلى هذه الشركة..." "أتذكر اليوم الذي أنقذتني فيه." ضحك عبد الرحمن. "أما زلت تتذكر؟" نظر إليه حسن باستغراب. "وهل ينسى الإنسان من وقف معه حين أدار الجميع ظهورهم له؟" ساد بينهما صمت مريح. ثم قال حسن:
الرئيس التنفيذي للشركة آنذاك. رفع نظره ببطء نحو المجتمعين. ثم قال بثبات: "شركة رأفت لم تسقط طوال ثلاثين عامًا... ولن تسقط اليوم." ساد الصمت مجددًا. لكن الجميع كان يدرك أن الكلمات وحدها لم تعد تكفي في اليوم التالي... وصلت إلى مقر الشركة سيارة سوداء فاخرة. ترجل منها رجل في الأربعينيات من عمره، يرتدي بدلة أنيقة، تعلو وجهه ابتسامة يصعب تفسيرها. كان ذلك... مازن مازن. أحد أبرز رجال الأعمال في البلاد، وصاحب مجموعة استثمارية ضخمة توسعت بسرعة لافتة خلال السنوات الأخيرة. استقبله حسن رأفت بنفسه، ثم اصطحبه إلى مكتبه. جلس الاثنان متقابلين. وما إن قُدمت القهوة، حتى بادر مازن بالكلام. "سمعت بما تمر به شركتكم." أجابه حسن بهدوء. "أخبار السوق تنتشر بسرعة." ابتسم مازن ابتسامة خفيفة. "وأنا لا أحب أن أرى شركة بهذا الحجم تنهار." تعلق نظر حسن به. "هل لديك اقتراح؟" أخرج مازن ملفًا جلديًا من حقيبته، ووضعه أمامه. "لدي عرض." فتح حسن الملف. وما إن قرأ أولى الصفحات... حتى انعقد حاجباه. رفع بصره ببطء. "واحد وخمسون بالمئة من أسهم الشركة؟" أجاب مازن بكل هدوء
توقفت عن الكلام للحظة. ثم قالت بسعادة لم تستطع إخفاءها: "حقًا؟" "نعم." "سأكون جاهزة خلال ساعة." ابتسم سيف. "سأمر لاصطحابك." لم تستطع سارة إخفاء فرحتها. وقفت أمام خزانة ملابسها وقتًا طويلًا، تبحث عن فستان يجمع بين الأناقة والبساطة. كانت تعلم أن الانطباع الأول لا يتكرر. اختارت فستانًا بلون أزرق هادئ، ونسقت معه حقيبة صغيرة وحذاءً بكعب منخفض، ثم اكتفت بحلي بسيطة ومكياج ناعم. وقفت أمام المرآة، وأخذت نفسًا عميقًا. كانت تشعر أن هذه الزيارة... قد تكون بداية فصل جديد في حياتها. وصل سيف في الموعد تمامًا. فتح لها باب السيارة، ثم انطلقا نحو منزل آل رأفت. طوال الطريق، كان الحديث بينهما هادئًا. قالت سارة وهي تنظر من نافذة السيارة: "هل جدك صارم كما يقول الجميع؟" ابتسم سيف بخفة. "صارم عندما يتعلق الأمر بالمبادئ." ثم أردف: "لكنه عادل." هزت رأسها وهي تحاول طمأنة نفسها بعد دقائق... دخلت السيارة إلى بوابة القصر. كان المنزل يعكس تاريخًا طويلًا من العراقة. ساعدها سيف على النزول، ثم دخلا معًا. استقبلهما كبير الخدم بابتسامة احترام. "أهلًا بكما." قادهما إلى الصالون الرئيسي. ولم
لم تتمالك سارة نفسها. ابتسمت ابتسامة واسعة، وقالت بصوت امتزجت فيه السعادة بالتأثر: "هذا أسعد خبر سمعته منذ زمن." أمسكت يده بكلتا يديها، وأضافت: "وأنا موافقة... بكل قلبي. ابتسم سيف ابتسامة هادئة، للمرة الأولى منذ خروجه من منزل جده. كان يظن... أن الطريق أصبح واضحًا أمامه. لكن... لم يكن يعلم أن القدر... كان يخبئ له طريقًا آخر تمامًا. في الجهة المقابلة.. كانت أجواء منزل الكيلاني مختلفة تمامًا. الابتسامات لم تغادر الوجوه منذ أن أخبرت رزان عائلتها بنجاح أولى خطوات مشروعها، وتوقيع عقد التعاون مع شركة رأفت. قال والدها وهو يرفع كوب الشاي مبتسمًا: "كنت أعلم أن إصرارك سيقودك إلى هذا اليوم." وأضافت والدتها بفخر: "هذه مجرد البداية يا رزان... وأنا واثقة أن القادم أجمل." ابتسمت رزان بخجل. "ما زال أمامي طريق طويل." قاطعها لؤي ضاحكًا: "يكفي تواضعًا... بعد سنوات سأقول للناس إنني شقيق صاحبة أشهر علامة تجارية للعناية بالبشرة." ضحك الجميع. ثم نهض لؤي فجأة وقال بحماس: "بما أن اليوم مناسبة سعيدة... ما رأيكم أن نخرج جميعًا؟" ابتسم والده وهو يهز رأسه. "اعذرن
تنهد الجد بهدوء، ثم قال: "لأنني أعرفك أكثر مما تعرف نفسك." انعقد حاجبا سيف. فأكمل الجد: "منذ وفاة والدك... وأنت لم تعش لنفسك يومًا واحدًا." خفض سيف بصره دون أن يجيب. أما الجد، فتابع بصوت امتزج فيه الحنان بالفخر "كنت لا تزال شابًا عندما حملت مسؤولية الشركة، وتحملت أعباء لم تكن سهلة حتى على رجال أكبر منك سنًا. لم أطلب منك يومًا أن تتراجع، لأنني كنت أعلم أنك قادر على حمل الأمانة." توقف لثوانٍ، ثم أكمل: "لكنني رأيتك، عامًا بعد عام، تؤجل حياتك الشخصية في سبيل العمل." رفع سيف عينيه إليه. "وهل الزواج قرار يُفرض يا جدي؟" ابتسم الجد ابتسامة خفيفة. "لا... لكنه أيضًا قرار لا ينبغي أن تؤجله إلى ما لا نهاية." أخذ سيف نفسًا عميقًا. "أنا لا أرفض الزواج، لكنني أرفض أن تحدد لي الوصية متى أتزوج." هز الجد رأسه بتفهم. "لم أحدد لك موعدًا." رفع سيف الملف. "لكنها تشترطه حتى تصبح الشركة باسمي." أجاب الجد بثبات: "صحيح." ساد الصمت بينهما للحظات. ثم قال سيف: "وهل يهمك من ستكون المرأة التي سأتزوجها؟" تأمله الجد طويلًا قبل أن يجيب: "حين يحين الوقت... سنتحدث في ذ
في الطابق العلوي... كان الهدوء يخيّم على مكتب سيف، بينما كان منشغلًا بمراجعة بعض الملفات الموضوعة أمامه. قطع تركيزه طرقٌ خفيف على الباب. "تفضل." انفتح الباب، ودخل رجل وقور يحمل في ملامحه هيبة السنين. وما إن رآه سيف حتى نهض من مقعده فورًا. "جدي... لم تخبرني أنك ستأتي اليوم." ابتسم الجد وهو يصافحه. "وهل يجب أن أخبرك في كل مرة أنني سأزورك؟" ضحك سيف بخفة، ثم اقترب ليساعده على الجلوس. بعد أن استقر الجد في مكانه، أخذ يتأمل المكتب من حوله، قبل أن يسأل: "كيف تسير أمور الشركة؟ جلس سيف في مقعده وأجاب بثقة: "كل شيء يسير وفق الخطة الموضوعة. المشاريع الحالية تحقق نتائج جيدة، ونسب الأرباح في ارتفاع، كما بدأنا التعاون مع عدد من المشاريع الجديدة الواعدة." أومأ الجد برضا. "هذا ما كنت أريد سماعه." ساد صمت قصير بينهما. لكن ملامح الجد تغيرت قليلًا، وكأن هناك أمرًا آخر يشغل تفكيره. رفع نظره إلى حفيده وقال: "في طريقي إلى هنا... التقيت بفتاة من عائلة الكيلاني." توقفت يد سيف عن تقليب الملفات. رفع رأسه ببطء، وقد ظهر الاستغراب على ملامحه. أما الجد، فاكتفى بابتسامة غامضة وهو يقول: "يبدو أ







