تسجيل الدخولالرئيس التنفيذي للشركة آنذاك.
رفع نظره ببطء نحو المجتمعين. ثم قال بثبات: "شركة رأفت لم تسقط طوال ثلاثين عامًا... ولن تسقط اليوم." ساد الصمت مجددًا. لكن الجميع كان يدرك أن الكلمات وحدها لم تعد تكفي في اليوم التالي... وصلت إلى مقر الشركة سيارة سوداء فاخرة. ترجل منها رجل في الأربعينيات من عمره، يرتدي بدلة أنيقة، تعلو وجهه ابتسامة يصعب تفسيرها. كان ذلك... مازن مازن. أحد أبرز رجال الأعمال في البلاد، وصاحب مجموعة استثمارية ضخمة توسعت بسرعة لافتة خلال السنوات الأخيرة. استقبله حسن رأفت بنفسه، ثم اصطحبه إلى مكتبه. جلس الاثنان متقابلين. وما إن قُدمت القهوة، حتى بادر مازن بالكلام. "سمعت بما تمر به شركتكم." أجابه حسن بهدوء. "أخبار السوق تنتشر بسرعة." ابتسم مازن ابتسامة خفيفة. "وأنا لا أحب أن أرى شركة بهذا الحجم تنهار." تعلق نظر حسن به. "هل لديك اقتراح؟" أخرج مازن ملفًا جلديًا من حقيبته، ووضعه أمامه. "لدي عرض." فتح حسن الملف. وما إن قرأ أولى الصفحات... حتى انعقد حاجباه. رفع بصره ببطء. "واحد وخمسون بالمئة من أسهم الشركة؟" أجاب مازن بكل هدوء: "مقابل ضخ رأس مال كافٍ لإنقاذها." ساد الصمت. ثم قال حسن بصوت ثابت: "هذا ليس إنقاذًا..." وأغلق الملف بهدوء. "...بل استحواذ." ابتسم مازن دون أن تتغير ملامحه. "سمّه كما تشاء." ثم أضاف وهو ينهض من مكانه: "أحيانًا... لا تترك الأزمات للإنسان خيارات كثيرة." وقبل أن يغادر المكتب، التفت إليه قائلًا: "أمامك ثلاثة أيام فقط." ثم خرج. بعد مغادرته... ظل حسن واقفًا أمام النافذة، يراقب المطر وهو يرتطم بالزجاج. كانت الشركة بالنسبة إليه أكثر من مجرد مشروع... كانت إرث والده... وتعب عمره... واسم العائلة الذي أفنى سنوات حياته في الحفاظ عليه. وفي تلك اللحظة... طرق الباب. دخل رجل طويل القامة، تعلو وجهه ابتسامة هادئة. كان يحمل مظلة بيده، وقد ابتلت أطراف معطفه بالمطر. ما إن وقع نظر حسن عليه... حتى ارتسمت أول ابتسامة حقيقية على وجهه منذ أيام. "عبد الرحمن..." اقترب الرجل منه وصافحه بحرارة. "وصلتني الأخبار." تنهد حسن. "إذن لم يعد هناك أحد يجهل ما نمر به." ابتسم عبد الرحمن الكيلاني وربت على كتفه. "وهل تنتظر مني أن أسمع بما يحدث لصديق عمري وأبقى في مكتبي؟" جلسا معًا. وحكى حسن كل ما جرى منذ بداية الأزمة. ثم دفع إليه ملف عرض مازن. قرأه عبد الرحمن بصمت. وأغلقه. ثم وضعه جانبًا. وقال بثقة لا تعرف التردد: "لن توقّع عليه." نظر إليه حسن باستغراب. "وما البديل؟" ابتسم عبد الرحمن ابتسامة هادئة. ثم أخرج من حقيبته ملفًا آخر. ووضعه أمامه. قال حسن وهو ينظر إليه باستغراب: "ما هذا؟" أجاب عبد الرحمن: "حل الأزمة." فتح حسن الملف بسرعة. واتسعت عيناه. "هذا..." ابتسم عبد الرحمن. "تمويل يكفي لتجاوز الأزمة." رفع حسن رأسه نحوه. "لكن..." قاطعه عبد الرحمن بابتسامة. "ليس قرضًا مجحفًا..." "ولا استحواذًا على شركتك..." "ولا استغلالًا لظرف تمر به." ساد الصمت. ثم قال حسن بصوت خافت: "ولماذا؟" نظر إليه عبد الرحمن بثبات، وقال: "لأن الصداقة لا تُقاس بحجم الأرباح..." ثم ابتسم ابتسامة دافئة. "...بل بالمواقف التي لا ينساها العمر." في تلك اللحظة..... لم يتمالك حسن نفسه. وقف من مكانه. واحتضن صديقه بقوة. بينما استمر المطر في الهطول خارج النافذة... وكأن السماء كانت تغسل بداية صفحة جديدة من تاريخ عائلة رأفت... عهد لا يموت مرّت الأسابيع التالية ثقيلة... لكنها كانت مختلفة. فمنذ أن مدّ عبد الرحمن الكيلاني يده إلى صديقه حسن رأفت، بدأت ملامح الأزمة تنحسر شيئًا فشيئًا. سُددت الديون الأكثر إلحاحًا. واستعادت المصارف ثقتها بالشركة. وعادت خطوط الإنتاج إلى العمل تدريجيًا. أما الموظفون الذين كانوا يخشون إغلاق أبواب الشركة... فقد عاد الأمل إلى وجوههم من جديد في أحد الصباحات... وقف حسن رأفت يتأمل المختبرات من خلف الزجاج، ثم التفت إلى عبد الرحمن الذي كان يقف إلى جواره. قال بابتسامة امتنان: "لولاك... لما بقي لهذا المكان وجود." ابتسم عبد الرحمن وهو يهز رأسه. "لا تقل ذلك." "أنت من بنى هذه الشركة، وأنا فقط من رفض أن أراك تخسرها." تنهد حسن. "لقد عرض عليّ مازن مبلغًا أكبر بكثير." ابتسم عبد الرحمن. "أعرف." "وكان بإمكاني أن أفعل مثله." نظر إليه حسن باستغراب. أكمل عبد الرحمن بهدوء: "لكن الصديق لا يشتري صديقه حين يضعفه الزمن." ساد الصمت. ثم أضاف وهو ينظر إلى العاملين داخل المختبر: "النجاح الحقيقي ليس أن تكبر شركتك..." "بل أن يبقى ضميرك أكبر منها." ابتسم حسن، ولم يجد ما يقوله. فبعض المواقف... تعجز الكلمات عن ردّ جميلها.في الجهة الأخرى من المدينة... كان مازن يجلس في مكتبه الفخم. دخل عليه أحد مساعديه ووضع أمامه تقريرًا ماليًا. قال الرجل: "يبدو أن شركة رأفت تجاوزت الأزمة." أغلق مازن الملف بهدوء. ثم ابتسم ابتسامة خفيفة. "كنت أعلم أن عبد الرحمن سيتدخل." سأله مساعده باستغراب: "ألا يزعجك ذلك؟" هز مازن رأسه نافيًا. "في عالم الأعمال..." "كل إنسان يبحث عن مصلحة شركته." ثم نهض من مكانه متجهًا نحو النافذة. "لقد قدمت عرضًا، وهو رفضه." "وانتهى الأمر." توقف للحظة، ثم أردف بصوت منخفض: "لكن يبدو أن عبد الرحمن ما زال يؤمن بأن الصداقة أهم من المال." ولم يعلّق بعدها بكلمة. مرت الأعوام... وتوسعت شركة رأفت أكثر من أي وقت مضى. واستعادت مكانتها في السوق. وفي مساء أحد الأيام... كان حسن رأفت وعبد الرحمن الكيلاني يجلسان في حديقة المنزل، يحتسيان القهوة كالعادة. قال حسن وهو يبتسم: "أتعلم؟" "كلما نظرت إلى هذه الشركة..." "أتذكر اليوم الذي أنقذتني فيه." ضحك عبد الرحمن. "أما زلت تتذكر؟" نظر إليه حسن باستغراب. "وهل ينسى الإنسان من وقف معه حين أدار الجميع ظهورهم له؟" ساد بينهما صمت مريح. ثم قال حسن:
الرئيس التنفيذي للشركة آنذاك. رفع نظره ببطء نحو المجتمعين. ثم قال بثبات: "شركة رأفت لم تسقط طوال ثلاثين عامًا... ولن تسقط اليوم." ساد الصمت مجددًا. لكن الجميع كان يدرك أن الكلمات وحدها لم تعد تكفي في اليوم التالي... وصلت إلى مقر الشركة سيارة سوداء فاخرة. ترجل منها رجل في الأربعينيات من عمره، يرتدي بدلة أنيقة، تعلو وجهه ابتسامة يصعب تفسيرها. كان ذلك... مازن مازن. أحد أبرز رجال الأعمال في البلاد، وصاحب مجموعة استثمارية ضخمة توسعت بسرعة لافتة خلال السنوات الأخيرة. استقبله حسن رأفت بنفسه، ثم اصطحبه إلى مكتبه. جلس الاثنان متقابلين. وما إن قُدمت القهوة، حتى بادر مازن بالكلام. "سمعت بما تمر به شركتكم." أجابه حسن بهدوء. "أخبار السوق تنتشر بسرعة." ابتسم مازن ابتسامة خفيفة. "وأنا لا أحب أن أرى شركة بهذا الحجم تنهار." تعلق نظر حسن به. "هل لديك اقتراح؟" أخرج مازن ملفًا جلديًا من حقيبته، ووضعه أمامه. "لدي عرض." فتح حسن الملف. وما إن قرأ أولى الصفحات... حتى انعقد حاجباه. رفع بصره ببطء. "واحد وخمسون بالمئة من أسهم الشركة؟" أجاب مازن بكل هدوء
توقفت عن الكلام للحظة. ثم قالت بسعادة لم تستطع إخفاءها: "حقًا؟" "نعم." "سأكون جاهزة خلال ساعة." ابتسم سيف. "سأمر لاصطحابك." لم تستطع سارة إخفاء فرحتها. وقفت أمام خزانة ملابسها وقتًا طويلًا، تبحث عن فستان يجمع بين الأناقة والبساطة. كانت تعلم أن الانطباع الأول لا يتكرر. اختارت فستانًا بلون أزرق هادئ، ونسقت معه حقيبة صغيرة وحذاءً بكعب منخفض، ثم اكتفت بحلي بسيطة ومكياج ناعم. وقفت أمام المرآة، وأخذت نفسًا عميقًا. كانت تشعر أن هذه الزيارة... قد تكون بداية فصل جديد في حياتها. وصل سيف في الموعد تمامًا. فتح لها باب السيارة، ثم انطلقا نحو منزل آل رأفت. طوال الطريق، كان الحديث بينهما هادئًا. قالت سارة وهي تنظر من نافذة السيارة: "هل جدك صارم كما يقول الجميع؟" ابتسم سيف بخفة. "صارم عندما يتعلق الأمر بالمبادئ." ثم أردف: "لكنه عادل." هزت رأسها وهي تحاول طمأنة نفسها بعد دقائق... دخلت السيارة إلى بوابة القصر. كان المنزل يعكس تاريخًا طويلًا من العراقة. ساعدها سيف على النزول، ثم دخلا معًا. استقبلهما كبير الخدم بابتسامة احترام. "أهلًا بكما." قادهما إلى الصالون الرئيسي. ولم
لم تتمالك سارة نفسها. ابتسمت ابتسامة واسعة، وقالت بصوت امتزجت فيه السعادة بالتأثر: "هذا أسعد خبر سمعته منذ زمن." أمسكت يده بكلتا يديها، وأضافت: "وأنا موافقة... بكل قلبي. ابتسم سيف ابتسامة هادئة، للمرة الأولى منذ خروجه من منزل جده. كان يظن... أن الطريق أصبح واضحًا أمامه. لكن... لم يكن يعلم أن القدر... كان يخبئ له طريقًا آخر تمامًا. في الجهة المقابلة.. كانت أجواء منزل الكيلاني مختلفة تمامًا. الابتسامات لم تغادر الوجوه منذ أن أخبرت رزان عائلتها بنجاح أولى خطوات مشروعها، وتوقيع عقد التعاون مع شركة رأفت. قال والدها وهو يرفع كوب الشاي مبتسمًا: "كنت أعلم أن إصرارك سيقودك إلى هذا اليوم." وأضافت والدتها بفخر: "هذه مجرد البداية يا رزان... وأنا واثقة أن القادم أجمل." ابتسمت رزان بخجل. "ما زال أمامي طريق طويل." قاطعها لؤي ضاحكًا: "يكفي تواضعًا... بعد سنوات سأقول للناس إنني شقيق صاحبة أشهر علامة تجارية للعناية بالبشرة." ضحك الجميع. ثم نهض لؤي فجأة وقال بحماس: "بما أن اليوم مناسبة سعيدة... ما رأيكم أن نخرج جميعًا؟" ابتسم والده وهو يهز رأسه. "اعذرن
تنهد الجد بهدوء، ثم قال: "لأنني أعرفك أكثر مما تعرف نفسك." انعقد حاجبا سيف. فأكمل الجد: "منذ وفاة والدك... وأنت لم تعش لنفسك يومًا واحدًا." خفض سيف بصره دون أن يجيب. أما الجد، فتابع بصوت امتزج فيه الحنان بالفخر "كنت لا تزال شابًا عندما حملت مسؤولية الشركة، وتحملت أعباء لم تكن سهلة حتى على رجال أكبر منك سنًا. لم أطلب منك يومًا أن تتراجع، لأنني كنت أعلم أنك قادر على حمل الأمانة." توقف لثوانٍ، ثم أكمل: "لكنني رأيتك، عامًا بعد عام، تؤجل حياتك الشخصية في سبيل العمل." رفع سيف عينيه إليه. "وهل الزواج قرار يُفرض يا جدي؟" ابتسم الجد ابتسامة خفيفة. "لا... لكنه أيضًا قرار لا ينبغي أن تؤجله إلى ما لا نهاية." أخذ سيف نفسًا عميقًا. "أنا لا أرفض الزواج، لكنني أرفض أن تحدد لي الوصية متى أتزوج." هز الجد رأسه بتفهم. "لم أحدد لك موعدًا." رفع سيف الملف. "لكنها تشترطه حتى تصبح الشركة باسمي." أجاب الجد بثبات: "صحيح." ساد الصمت بينهما للحظات. ثم قال سيف: "وهل يهمك من ستكون المرأة التي سأتزوجها؟" تأمله الجد طويلًا قبل أن يجيب: "حين يحين الوقت... سنتحدث في ذ
في الطابق العلوي... كان الهدوء يخيّم على مكتب سيف، بينما كان منشغلًا بمراجعة بعض الملفات الموضوعة أمامه. قطع تركيزه طرقٌ خفيف على الباب. "تفضل." انفتح الباب، ودخل رجل وقور يحمل في ملامحه هيبة السنين. وما إن رآه سيف حتى نهض من مقعده فورًا. "جدي... لم تخبرني أنك ستأتي اليوم." ابتسم الجد وهو يصافحه. "وهل يجب أن أخبرك في كل مرة أنني سأزورك؟" ضحك سيف بخفة، ثم اقترب ليساعده على الجلوس. بعد أن استقر الجد في مكانه، أخذ يتأمل المكتب من حوله، قبل أن يسأل: "كيف تسير أمور الشركة؟ جلس سيف في مقعده وأجاب بثقة: "كل شيء يسير وفق الخطة الموضوعة. المشاريع الحالية تحقق نتائج جيدة، ونسب الأرباح في ارتفاع، كما بدأنا التعاون مع عدد من المشاريع الجديدة الواعدة." أومأ الجد برضا. "هذا ما كنت أريد سماعه." ساد صمت قصير بينهما. لكن ملامح الجد تغيرت قليلًا، وكأن هناك أمرًا آخر يشغل تفكيره. رفع نظره إلى حفيده وقال: "في طريقي إلى هنا... التقيت بفتاة من عائلة الكيلاني." توقفت يد سيف عن تقليب الملفات. رفع رأسه ببطء، وقد ظهر الاستغراب على ملامحه. أما الجد، فاكتفى بابتسامة غامضة وهو يقول: "يبدو أ







