مشاركة

الفصل 17

مؤلف: Hamida kassous
last update تاريخ النشر: 2026-07-14 06:47:42

في الطابق العلوي...

كان الهدوء يخيّم على مكتب سيف، بينما كان منشغلًا بمراجعة بعض الملفات الموضوعة أمامه.

قطع تركيزه طرقٌ خفيف على الباب.

"تفضل."

انفتح الباب، ودخل رجل وقور يحمل في ملامحه هيبة السنين.

وما إن رآه سيف حتى نهض من مقعده فورًا.

"جدي... لم تخبرني أنك ستأتي اليوم."

ابتسم الجد وهو يصافحه.

"وهل يجب أن أخبرك في كل مرة أنني سأزورك؟"

ضحك سيف بخفة، ثم اقترب ليساعده على الجلوس.

بعد أن استقر الجد في مكانه، أخذ يتأمل المكتب من حوله، قبل أن يسأل:

"كيف تسير أمور الشركة؟

جلس سيف في مقعده وأجاب بثقة:

"كل شيء يسير وفق الخطة الموضوعة. المشاريع الحالية تحقق نتائج جيدة، ونسب الأرباح في ارتفاع، كما بدأنا التعاون مع عدد من المشاريع الجديدة الواعدة."

أومأ الجد برضا.

"هذا ما كنت أريد سماعه."

ساد صمت قصير بينهما.

لكن ملامح الجد تغيرت قليلًا، وكأن هناك أمرًا آخر يشغل تفكيره.

رفع نظره إلى حفيده وقال:

"في طريقي إلى هنا... التقيت بفتاة من عائلة الكيلاني."

توقفت يد سيف عن تقليب الملفات.

رفع رأسه ببطء، وقد ظهر الاستغراب على ملامحه.

أما الجد، فاكتفى بابتسامة غامضة وهو يقول:

"يبدو أن الزمن... بدأ يعيد ترتيب أوراقه من جديد."

انعقد حاجبا سيف.

"ماذا تقصد يا جدي؟"

لكن الجد لم يجب.

بدلًا من ذلك، فتح حقيبته الجلدية القديمة وأخرج ظرفًا بنيًا سميكًا، وضعه فوق المكتب بهدوء.

تعلقت نظرات سيف به.

قال الجد بصوت هادئ:

"هناك أمر... حان الوقت لتعرفه."

بقي سيف ينظر إلى الظرف، وكأن شيئًا بداخله يخبره أن ما يحمله ليس أمرًا عاديًا.

غادر الجد الشركة بعد انتهاء زيارته، بينما عاد سيف إلى عمله، غارقًا بين الاجتماعات والملفات حتى ساعات المساء.

وقبل مغادرته المكتب، جمع أوراقه ووضعها داخل حقيبته، دون أن ينتبه إلى الظرف الذي بقي فوق الطاولة.

بعد يوم طويل، وصل سيف إلى منزله.

استقبله الخادم، ثم اتجه مباشرة إلى غرفته. بدل ملابسه، وجلس في مكتبه الخاص محاولًا إنهاء بعض التقارير قبل النوم.

فتح حقيبته، وأخرج الملفات واحدًا تلو الآخر.

وفجأة...

توقفت يده.

كان الظرف البني أمامه.

"الظرف..."

تذكر كلمات جده.

"هناك أمر... حان الوقت لتعرفه."

أمسكه بين يديه، وتأمله للحظات، قبل أن يفتحه بهدوء.

في داخله كان هناك ملف قانوني يحمل ختمًا رسميًا، ورسالة قصيرة مكتوبة بخط يد جده.

بدأ يقرأ:

«إلى حفيدي سيف...

إذا وصلت هذه الرسالة إلى يديك، فهذا يعني أنك أصبحت الرجل الذي كنت أراه دائمًا فيك.

لقد أثبتَّ أنك قادر على حمل اسم شركة رأفت، والحفاظ على ما بنيناه طوال سنوات طويلة من العمل والتعب.

لم أشك يومًا في قدرتك على قيادتها، ولهذا قررت أن أسلمك المسؤولية كاملة.

لكن تذكر يا بني...

فالإرث الحقيقي لا يُقاس بحجم الأموال ولا بعدد الممتلكات، بل بالعهود التي نحافظ عليها، والكلمات التي لا نتراجع عنها.

جدك... رأفت.»

أنهى سيف قراءة الرسالة، ثم انتقل إلى الوثائق المرفقة.

كانت تنص على تنازل الجد عن جميع أسهمه وحقوقه في الشركة لصالحه.

لكن...

عندما وصل إلى الصفحة الأخيرة، توقفت عيناه عند بند مكتوب بخط واضح:

"لا تصبح هذه الوصية نافذة إلا بعد تنفيذ الشرط المرفق."

تجمد للحظة.

ثم بدأ يقرأ السطور التالية بسرعة.

كلما تحركت عيناه بين الكلمات...

تغيرت ملامحه تدريجيًا.

حتى اتسعت عيناه، وشدت أصابعه على الأوراق.

خرج صوته منخفضًا، يحمل صدمة لم يستطع إخفاءها:

"ما هذا...؟"

نهض من مكانه دفعة واحدة، وحمل الملف بين يديه.

كان يعلم أن ما قرأه للتو لم يكن مجرد شرط في وصية...

بل بداية أمر سيغير حياته بالكامل.

اتجه سيف بخطوات ثابتة نحو غرفة جده.

توقف أمام الباب، ثم طرق طرقات خفيفة.

"تفضل."

فتح الباب بهدوء.

كان الجد مستلقيًا على فراشه، مسندًا ظهره إلى الوسادة، بينما كان يدلك ركبته ببطء. ورغم آلام السنوات التي بدأت تظهر عليه، بقيت هيبته كما هي.

ما إن رأى سيف حتى ابتسم بهدوء.

"كنت أعلم أنك ستأتي."

أغلق سيف الباب خلفه، ثم تقدم حتى وقف أمام السرير.

كان الملف لا يزال بين يديه.

قال بصوت هادئ، لكنه يخفي خلفه الكثير من الأسئلة:

"قرأت الوصية."

أومأ الجد برأسه.

"إذن... عرفت."

ساد الصمت داخل الغرفة.

ثم قال سيف:

"أريد أن أفهم."

أشار الجد إلى المقعد المجاور.

"اجلس يا بني."

جلس سيف، لكنه لم يترك الملف من يده. أعاد النظر إلى الصفحات مرة أخرى، ثم رفع عينيه إلى جده.

"هناك شيء واحد لم أفهمه..."

توقف لحظة، ثم قال:

"لماذا جعلت انتقال شركة رأفت... مرتبطًا بزواجي؟"

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • حين اختارك القدر   الفصل 22

    في الجهة الأخرى من المدينة... كان مازن يجلس في مكتبه الفخم. دخل عليه أحد مساعديه ووضع أمامه تقريرًا ماليًا. قال الرجل: "يبدو أن شركة رأفت تجاوزت الأزمة." أغلق مازن الملف بهدوء. ثم ابتسم ابتسامة خفيفة. "كنت أعلم أن عبد الرحمن سيتدخل." سأله مساعده باستغراب: "ألا يزعجك ذلك؟" هز مازن رأسه نافيًا. "في عالم الأعمال..." "كل إنسان يبحث عن مصلحة شركته." ثم نهض من مكانه متجهًا نحو النافذة. "لقد قدمت عرضًا، وهو رفضه." "وانتهى الأمر." توقف للحظة، ثم أردف بصوت منخفض: "لكن يبدو أن عبد الرحمن ما زال يؤمن بأن الصداقة أهم من المال." ولم يعلّق بعدها بكلمة. مرت الأعوام... وتوسعت شركة رأفت أكثر من أي وقت مضى. واستعادت مكانتها في السوق. وفي مساء أحد الأيام... كان حسن رأفت وعبد الرحمن الكيلاني يجلسان في حديقة المنزل، يحتسيان القهوة كالعادة. قال حسن وهو يبتسم: "أتعلم؟" "كلما نظرت إلى هذه الشركة..." "أتذكر اليوم الذي أنقذتني فيه." ضحك عبد الرحمن. "أما زلت تتذكر؟" نظر إليه حسن باستغراب. "وهل ينسى الإنسان من وقف معه حين أدار الجميع ظهورهم له؟" ساد بينهما صمت مريح. ثم قال حسن:

  • حين اختارك القدر   الفصل 21

    الرئيس التنفيذي للشركة آنذاك. رفع نظره ببطء نحو المجتمعين. ثم قال بثبات: "شركة رأفت لم تسقط طوال ثلاثين عامًا... ولن تسقط اليوم." ساد الصمت مجددًا. لكن الجميع كان يدرك أن الكلمات وحدها لم تعد تكفي في اليوم التالي... وصلت إلى مقر الشركة سيارة سوداء فاخرة. ترجل منها رجل في الأربعينيات من عمره، يرتدي بدلة أنيقة، تعلو وجهه ابتسامة يصعب تفسيرها. كان ذلك... مازن مازن. أحد أبرز رجال الأعمال في البلاد، وصاحب مجموعة استثمارية ضخمة توسعت بسرعة لافتة خلال السنوات الأخيرة. استقبله حسن رأفت بنفسه، ثم اصطحبه إلى مكتبه. جلس الاثنان متقابلين. وما إن قُدمت القهوة، حتى بادر مازن بالكلام. "سمعت بما تمر به شركتكم." أجابه حسن بهدوء. "أخبار السوق تنتشر بسرعة." ابتسم مازن ابتسامة خفيفة. "وأنا لا أحب أن أرى شركة بهذا الحجم تنهار." تعلق نظر حسن به. "هل لديك اقتراح؟" أخرج مازن ملفًا جلديًا من حقيبته، ووضعه أمامه. "لدي عرض." فتح حسن الملف. وما إن قرأ أولى الصفحات... حتى انعقد حاجباه. رفع بصره ببطء. "واحد وخمسون بالمئة من أسهم الشركة؟" أجاب مازن بكل هدوء

  • حين اختارك القدر   الفصل 20

    توقفت عن الكلام للحظة. ثم قالت بسعادة لم تستطع إخفاءها: "حقًا؟" "نعم." "سأكون جاهزة خلال ساعة." ابتسم سيف. "سأمر لاصطحابك." لم تستطع سارة إخفاء فرحتها. وقفت أمام خزانة ملابسها وقتًا طويلًا، تبحث عن فستان يجمع بين الأناقة والبساطة. كانت تعلم أن الانطباع الأول لا يتكرر. اختارت فستانًا بلون أزرق هادئ، ونسقت معه حقيبة صغيرة وحذاءً بكعب منخفض، ثم اكتفت بحلي بسيطة ومكياج ناعم. وقفت أمام المرآة، وأخذت نفسًا عميقًا. كانت تشعر أن هذه الزيارة... قد تكون بداية فصل جديد في حياتها. وصل سيف في الموعد تمامًا. فتح لها باب السيارة، ثم انطلقا نحو منزل آل رأفت. طوال الطريق، كان الحديث بينهما هادئًا. قالت سارة وهي تنظر من نافذة السيارة: "هل جدك صارم كما يقول الجميع؟" ابتسم سيف بخفة. "صارم عندما يتعلق الأمر بالمبادئ." ثم أردف: "لكنه عادل." هزت رأسها وهي تحاول طمأنة نفسها بعد دقائق... دخلت السيارة إلى بوابة القصر. كان المنزل يعكس تاريخًا طويلًا من العراقة. ساعدها سيف على النزول، ثم دخلا معًا. استقبلهما كبير الخدم بابتسامة احترام. "أهلًا بكما." قادهما إلى الصالون الرئيسي. ولم

  • حين اختارك القدر   الفصل 19

    لم تتمالك سارة نفسها. ابتسمت ابتسامة واسعة، وقالت بصوت امتزجت فيه السعادة بالتأثر: "هذا أسعد خبر سمعته منذ زمن." أمسكت يده بكلتا يديها، وأضافت: "وأنا موافقة... بكل قلبي. ابتسم سيف ابتسامة هادئة، للمرة الأولى منذ خروجه من منزل جده. كان يظن... أن الطريق أصبح واضحًا أمامه. لكن... لم يكن يعلم أن القدر... كان يخبئ له طريقًا آخر تمامًا. في الجهة المقابلة.. كانت أجواء منزل الكيلاني مختلفة تمامًا. الابتسامات لم تغادر الوجوه منذ أن أخبرت رزان عائلتها بنجاح أولى خطوات مشروعها، وتوقيع عقد التعاون مع شركة رأفت. قال والدها وهو يرفع كوب الشاي مبتسمًا: "كنت أعلم أن إصرارك سيقودك إلى هذا اليوم." وأضافت والدتها بفخر: "هذه مجرد البداية يا رزان... وأنا واثقة أن القادم أجمل." ابتسمت رزان بخجل. "ما زال أمامي طريق طويل." قاطعها لؤي ضاحكًا: "يكفي تواضعًا... بعد سنوات سأقول للناس إنني شقيق صاحبة أشهر علامة تجارية للعناية بالبشرة." ضحك الجميع. ثم نهض لؤي فجأة وقال بحماس: "بما أن اليوم مناسبة سعيدة... ما رأيكم أن نخرج جميعًا؟" ابتسم والده وهو يهز رأسه. "اعذرن

  • حين اختارك القدر   الفصل 18

    تنهد الجد بهدوء، ثم قال: "لأنني أعرفك أكثر مما تعرف نفسك." انعقد حاجبا سيف. فأكمل الجد: "منذ وفاة والدك... وأنت لم تعش لنفسك يومًا واحدًا." خفض سيف بصره دون أن يجيب. أما الجد، فتابع بصوت امتزج فيه الحنان بالفخر "كنت لا تزال شابًا عندما حملت مسؤولية الشركة، وتحملت أعباء لم تكن سهلة حتى على رجال أكبر منك سنًا. لم أطلب منك يومًا أن تتراجع، لأنني كنت أعلم أنك قادر على حمل الأمانة." توقف لثوانٍ، ثم أكمل: "لكنني رأيتك، عامًا بعد عام، تؤجل حياتك الشخصية في سبيل العمل." رفع سيف عينيه إليه. "وهل الزواج قرار يُفرض يا جدي؟" ابتسم الجد ابتسامة خفيفة. "لا... لكنه أيضًا قرار لا ينبغي أن تؤجله إلى ما لا نهاية." أخذ سيف نفسًا عميقًا. "أنا لا أرفض الزواج، لكنني أرفض أن تحدد لي الوصية متى أتزوج." هز الجد رأسه بتفهم. "لم أحدد لك موعدًا." رفع سيف الملف. "لكنها تشترطه حتى تصبح الشركة باسمي." أجاب الجد بثبات: "صحيح." ساد الصمت بينهما للحظات. ثم قال سيف: "وهل يهمك من ستكون المرأة التي سأتزوجها؟" تأمله الجد طويلًا قبل أن يجيب: "حين يحين الوقت... سنتحدث في ذ

  • حين اختارك القدر   الفصل 17

    في الطابق العلوي... كان الهدوء يخيّم على مكتب سيف، بينما كان منشغلًا بمراجعة بعض الملفات الموضوعة أمامه. قطع تركيزه طرقٌ خفيف على الباب. "تفضل." انفتح الباب، ودخل رجل وقور يحمل في ملامحه هيبة السنين. وما إن رآه سيف حتى نهض من مقعده فورًا. "جدي... لم تخبرني أنك ستأتي اليوم." ابتسم الجد وهو يصافحه. "وهل يجب أن أخبرك في كل مرة أنني سأزورك؟" ضحك سيف بخفة، ثم اقترب ليساعده على الجلوس. بعد أن استقر الجد في مكانه، أخذ يتأمل المكتب من حوله، قبل أن يسأل: "كيف تسير أمور الشركة؟ جلس سيف في مقعده وأجاب بثقة: "كل شيء يسير وفق الخطة الموضوعة. المشاريع الحالية تحقق نتائج جيدة، ونسب الأرباح في ارتفاع، كما بدأنا التعاون مع عدد من المشاريع الجديدة الواعدة." أومأ الجد برضا. "هذا ما كنت أريد سماعه." ساد صمت قصير بينهما. لكن ملامح الجد تغيرت قليلًا، وكأن هناك أمرًا آخر يشغل تفكيره. رفع نظره إلى حفيده وقال: "في طريقي إلى هنا... التقيت بفتاة من عائلة الكيلاني." توقفت يد سيف عن تقليب الملفات. رفع رأسه ببطء، وقد ظهر الاستغراب على ملامحه. أما الجد، فاكتفى بابتسامة غامضة وهو يقول: "يبدو أ

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status