Share

الفصل 20

last update publish date: 2026-07-18 23:05:48

توقفت عن الكلام للحظة.

ثم قالت بسعادة لم تستطع إخفاءها:

"حقًا؟"

"نعم."

"سأكون جاهزة خلال ساعة."

ابتسم سيف.

"سأمر لاصطحابك."

لم تستطع سارة إخفاء فرحتها.

وقفت أمام خزانة ملابسها وقتًا طويلًا، تبحث عن فستان يجمع بين الأناقة والبساطة.

كانت تعلم أن الانطباع الأول لا يتكرر.

اختارت فستانًا بلون أزرق هادئ، ونسقت معه حقيبة صغيرة وحذاءً بكعب منخفض، ثم اكتفت بحلي بسيطة ومكياج ناعم.

وقفت أمام المرآة، وأخذت نفسًا عميقًا.

كانت تشعر أن هذه الزيارة...

قد تكون بداية فصل جديد في حياتها.

وصل سيف في الموعد تمامًا.

فتح لها باب السيارة، ثم انطلقا نحو منزل آل رأفت.

طوال الطريق، كان الحديث بينهما هادئًا.

قالت سارة وهي تنظر من نافذة السيارة:

"هل جدك صارم كما يقول الجميع؟"

ابتسم سيف بخفة.

"صارم عندما يتعلق الأمر بالمبادئ."

ثم أردف:

"لكنه عادل."

هزت رأسها وهي تحاول طمأنة نفسها

بعد دقائق...

دخلت السيارة إلى بوابة القصر.

كان المنزل يعكس تاريخًا طويلًا من العراقة.

ساعدها سيف على النزول، ثم دخلا معًا.

استقبلهما كبير الخدم بابتسامة احترام.

"أهلًا بكما."

قادهما إلى الصالون الرئيسي.

ولم تمض سوى لحظات...

حتى دخل الجد.

كان يسير ببطء، مستندًا إلى عصاه الخشبية، لكن هيبته كانت تملأ المكان.

وقف سيف احترامًا.

أما سارة، فنهضت هي الأخرى.

ابتسمت بأدب.

"تشرفت بلقائك، سيد رأفت."

ابتسم الجد ابتسامة هادئة.

"وأنا أيضًا يا ابنتي."

رحب بها، ثم دعاها إلى الجلوس.

دار الحديث في بدايته حول الدراسة، والعمل، والهوايات.

كانت سارة تتحدث بثقة ولباقة.

وأجاب الجد على أسئلتها بابتسامته المعتادة.

ثم سألها:

"ما الذي تتمنينه بعد الزواج؟"

ابتسمت سارة وقالت بعفوية:

"أحب السفر كثيرًا... وأتمنى أن أزور أكبر عدد ممكن من دول العالم."

ثم ضحكت بخفة وأضافت:

"وأحب الحياة الاجتماعية، والحفلات الرسمية، والأعمال الخيرية... أشعر أن الحياة يجب أن تُعاش بكل تفاصيلها."

أومأ الجد برأسه.

ثم انتقل إلى سؤال آخر.

"ولو اضطر زوجك يومًا للاختيار بين عائلته وعمله..."

فكرت قليلًا، ثم قالت بثقة:

"سأدعمه في النجاح، فالرجل الناجح يصنع مستقبل عائلته."

ابتسم الجد ابتسامة صغيرة.

"إجابة جميلة."

استمر اللقاء قرابة الساعة.

وحين همّ سيف وسارة بالمغادرة...

وقف الجد يودعهما بنفسه.

قالت سارة باحترام:

"سعدت كثيرًا بلقائك."

ابتسم لها.

"سررت بمعرفتك يا ابنتي."

غادرا القصر.

وكانت الابتسامة لا تفارق وجه سارة.

أما سيف...

فكان يشعر أن كل شيء سار على أفضل ما يرام.

عاد إلى الداخل.

وجد جده جالسًا في الصالون يحتسي كوبًا من الشاي.

جلس أمامه مباشرة.

ثم قال بابتسامة واثقة:

"ما رأيك بها؟"

رفع الجد بصره إليه.

وصمت لثوانٍ.

ثم قال بهدوء:

"فتاة مهذبة..."

"وجميلة..."

"وتستحق كل الاحترام."

ارتسمت ابتسامة ارتياح على وجه سيف.

لكنها اختفت في اللحظة التالية.

حين أكمل الجد بهدوء.

"لكنها ليست الزوجة التي أتمناها لك. "

تجمدت ملامح سيف.

وشعر أن الكلمات سقطت عليه كالصاعقة.

قال بعد لحظة صمت:

"لماذا؟"

وضع الجد كوب الشاي على الطاولة.

ثم نظر إليه بثبات وقال:

"لأن الزواج يا سيف..."

"لا يجمع شخصين فقط..."

"بل يجمع تاريخ عائلتين."

انعقد حاجبا سيف.

ولم يفهم ما يقصده جده.

أما الجد..

فاكتفى بالنظر إلى الحديقة من خلف النافذة.

وكأن ذكرياتٍ مضى عليها ثلاثون عامًا...

عادت لتقف أمامه من جديد.

قبل ثلاثين عامًا...

كان المطر يهطل بغزارة فوق شوارع المدينة...

والرياح تعصف بلا رحمة، وكأنها تعكس العاصفة التي كانت تضرب إحدى أكبر شركات الأدوية في البلاد.

داخل قاعة الاجتماعات الرئيسية لشركة رأفت...

ساد صمت ثقيل.

تكدست الملفات فوق الطاولة، بينما جلس أعضاء مجلس الإدارة بوجوه شاحبة، لا يجرؤ أحدهم على كسر ذلك الصمت.

كانت الأرقام التي أمامهم كفيلة بإسقاط إمبراطورية بُنيت على مدار عقود.

قال أحد الأعضاء بصوت متردد:

"إذا لم نجد سيولة مالية خلال أسبوع... فلن نستطيع الوفاء بالتزاماتنا."

وأضاف آخر وهو يقلب الأوراق بعصبية:

"البنوك رفضت منحنا أي تمويل إضافي."

أما الرجل الذي كان يجلس في صدر الطاولة...

فبقي صامتًا.

كانت ملامحه هادئة رغم العاصفة التي تدور من حوله.

إنه...

حسن رأفت.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • حين اختارك القدر   الفصل 22

    في الجهة الأخرى من المدينة... كان مازن يجلس في مكتبه الفخم. دخل عليه أحد مساعديه ووضع أمامه تقريرًا ماليًا. قال الرجل: "يبدو أن شركة رأفت تجاوزت الأزمة." أغلق مازن الملف بهدوء. ثم ابتسم ابتسامة خفيفة. "كنت أعلم أن عبد الرحمن سيتدخل." سأله مساعده باستغراب: "ألا يزعجك ذلك؟" هز مازن رأسه نافيًا. "في عالم الأعمال..." "كل إنسان يبحث عن مصلحة شركته." ثم نهض من مكانه متجهًا نحو النافذة. "لقد قدمت عرضًا، وهو رفضه." "وانتهى الأمر." توقف للحظة، ثم أردف بصوت منخفض: "لكن يبدو أن عبد الرحمن ما زال يؤمن بأن الصداقة أهم من المال." ولم يعلّق بعدها بكلمة. مرت الأعوام... وتوسعت شركة رأفت أكثر من أي وقت مضى. واستعادت مكانتها في السوق. وفي مساء أحد الأيام... كان حسن رأفت وعبد الرحمن الكيلاني يجلسان في حديقة المنزل، يحتسيان القهوة كالعادة. قال حسن وهو يبتسم: "أتعلم؟" "كلما نظرت إلى هذه الشركة..." "أتذكر اليوم الذي أنقذتني فيه." ضحك عبد الرحمن. "أما زلت تتذكر؟" نظر إليه حسن باستغراب. "وهل ينسى الإنسان من وقف معه حين أدار الجميع ظهورهم له؟" ساد بينهما صمت مريح. ثم قال حسن:

  • حين اختارك القدر   الفصل 21

    الرئيس التنفيذي للشركة آنذاك. رفع نظره ببطء نحو المجتمعين. ثم قال بثبات: "شركة رأفت لم تسقط طوال ثلاثين عامًا... ولن تسقط اليوم." ساد الصمت مجددًا. لكن الجميع كان يدرك أن الكلمات وحدها لم تعد تكفي في اليوم التالي... وصلت إلى مقر الشركة سيارة سوداء فاخرة. ترجل منها رجل في الأربعينيات من عمره، يرتدي بدلة أنيقة، تعلو وجهه ابتسامة يصعب تفسيرها. كان ذلك... مازن مازن. أحد أبرز رجال الأعمال في البلاد، وصاحب مجموعة استثمارية ضخمة توسعت بسرعة لافتة خلال السنوات الأخيرة. استقبله حسن رأفت بنفسه، ثم اصطحبه إلى مكتبه. جلس الاثنان متقابلين. وما إن قُدمت القهوة، حتى بادر مازن بالكلام. "سمعت بما تمر به شركتكم." أجابه حسن بهدوء. "أخبار السوق تنتشر بسرعة." ابتسم مازن ابتسامة خفيفة. "وأنا لا أحب أن أرى شركة بهذا الحجم تنهار." تعلق نظر حسن به. "هل لديك اقتراح؟" أخرج مازن ملفًا جلديًا من حقيبته، ووضعه أمامه. "لدي عرض." فتح حسن الملف. وما إن قرأ أولى الصفحات... حتى انعقد حاجباه. رفع بصره ببطء. "واحد وخمسون بالمئة من أسهم الشركة؟" أجاب مازن بكل هدوء

  • حين اختارك القدر   الفصل 20

    توقفت عن الكلام للحظة. ثم قالت بسعادة لم تستطع إخفاءها: "حقًا؟" "نعم." "سأكون جاهزة خلال ساعة." ابتسم سيف. "سأمر لاصطحابك." لم تستطع سارة إخفاء فرحتها. وقفت أمام خزانة ملابسها وقتًا طويلًا، تبحث عن فستان يجمع بين الأناقة والبساطة. كانت تعلم أن الانطباع الأول لا يتكرر. اختارت فستانًا بلون أزرق هادئ، ونسقت معه حقيبة صغيرة وحذاءً بكعب منخفض، ثم اكتفت بحلي بسيطة ومكياج ناعم. وقفت أمام المرآة، وأخذت نفسًا عميقًا. كانت تشعر أن هذه الزيارة... قد تكون بداية فصل جديد في حياتها. وصل سيف في الموعد تمامًا. فتح لها باب السيارة، ثم انطلقا نحو منزل آل رأفت. طوال الطريق، كان الحديث بينهما هادئًا. قالت سارة وهي تنظر من نافذة السيارة: "هل جدك صارم كما يقول الجميع؟" ابتسم سيف بخفة. "صارم عندما يتعلق الأمر بالمبادئ." ثم أردف: "لكنه عادل." هزت رأسها وهي تحاول طمأنة نفسها بعد دقائق... دخلت السيارة إلى بوابة القصر. كان المنزل يعكس تاريخًا طويلًا من العراقة. ساعدها سيف على النزول، ثم دخلا معًا. استقبلهما كبير الخدم بابتسامة احترام. "أهلًا بكما." قادهما إلى الصالون الرئيسي. ولم

  • حين اختارك القدر   الفصل 19

    لم تتمالك سارة نفسها. ابتسمت ابتسامة واسعة، وقالت بصوت امتزجت فيه السعادة بالتأثر: "هذا أسعد خبر سمعته منذ زمن." أمسكت يده بكلتا يديها، وأضافت: "وأنا موافقة... بكل قلبي. ابتسم سيف ابتسامة هادئة، للمرة الأولى منذ خروجه من منزل جده. كان يظن... أن الطريق أصبح واضحًا أمامه. لكن... لم يكن يعلم أن القدر... كان يخبئ له طريقًا آخر تمامًا. في الجهة المقابلة.. كانت أجواء منزل الكيلاني مختلفة تمامًا. الابتسامات لم تغادر الوجوه منذ أن أخبرت رزان عائلتها بنجاح أولى خطوات مشروعها، وتوقيع عقد التعاون مع شركة رأفت. قال والدها وهو يرفع كوب الشاي مبتسمًا: "كنت أعلم أن إصرارك سيقودك إلى هذا اليوم." وأضافت والدتها بفخر: "هذه مجرد البداية يا رزان... وأنا واثقة أن القادم أجمل." ابتسمت رزان بخجل. "ما زال أمامي طريق طويل." قاطعها لؤي ضاحكًا: "يكفي تواضعًا... بعد سنوات سأقول للناس إنني شقيق صاحبة أشهر علامة تجارية للعناية بالبشرة." ضحك الجميع. ثم نهض لؤي فجأة وقال بحماس: "بما أن اليوم مناسبة سعيدة... ما رأيكم أن نخرج جميعًا؟" ابتسم والده وهو يهز رأسه. "اعذرن

  • حين اختارك القدر   الفصل 18

    تنهد الجد بهدوء، ثم قال: "لأنني أعرفك أكثر مما تعرف نفسك." انعقد حاجبا سيف. فأكمل الجد: "منذ وفاة والدك... وأنت لم تعش لنفسك يومًا واحدًا." خفض سيف بصره دون أن يجيب. أما الجد، فتابع بصوت امتزج فيه الحنان بالفخر "كنت لا تزال شابًا عندما حملت مسؤولية الشركة، وتحملت أعباء لم تكن سهلة حتى على رجال أكبر منك سنًا. لم أطلب منك يومًا أن تتراجع، لأنني كنت أعلم أنك قادر على حمل الأمانة." توقف لثوانٍ، ثم أكمل: "لكنني رأيتك، عامًا بعد عام، تؤجل حياتك الشخصية في سبيل العمل." رفع سيف عينيه إليه. "وهل الزواج قرار يُفرض يا جدي؟" ابتسم الجد ابتسامة خفيفة. "لا... لكنه أيضًا قرار لا ينبغي أن تؤجله إلى ما لا نهاية." أخذ سيف نفسًا عميقًا. "أنا لا أرفض الزواج، لكنني أرفض أن تحدد لي الوصية متى أتزوج." هز الجد رأسه بتفهم. "لم أحدد لك موعدًا." رفع سيف الملف. "لكنها تشترطه حتى تصبح الشركة باسمي." أجاب الجد بثبات: "صحيح." ساد الصمت بينهما للحظات. ثم قال سيف: "وهل يهمك من ستكون المرأة التي سأتزوجها؟" تأمله الجد طويلًا قبل أن يجيب: "حين يحين الوقت... سنتحدث في ذ

  • حين اختارك القدر   الفصل 17

    في الطابق العلوي... كان الهدوء يخيّم على مكتب سيف، بينما كان منشغلًا بمراجعة بعض الملفات الموضوعة أمامه. قطع تركيزه طرقٌ خفيف على الباب. "تفضل." انفتح الباب، ودخل رجل وقور يحمل في ملامحه هيبة السنين. وما إن رآه سيف حتى نهض من مقعده فورًا. "جدي... لم تخبرني أنك ستأتي اليوم." ابتسم الجد وهو يصافحه. "وهل يجب أن أخبرك في كل مرة أنني سأزورك؟" ضحك سيف بخفة، ثم اقترب ليساعده على الجلوس. بعد أن استقر الجد في مكانه، أخذ يتأمل المكتب من حوله، قبل أن يسأل: "كيف تسير أمور الشركة؟ جلس سيف في مقعده وأجاب بثقة: "كل شيء يسير وفق الخطة الموضوعة. المشاريع الحالية تحقق نتائج جيدة، ونسب الأرباح في ارتفاع، كما بدأنا التعاون مع عدد من المشاريع الجديدة الواعدة." أومأ الجد برضا. "هذا ما كنت أريد سماعه." ساد صمت قصير بينهما. لكن ملامح الجد تغيرت قليلًا، وكأن هناك أمرًا آخر يشغل تفكيره. رفع نظره إلى حفيده وقال: "في طريقي إلى هنا... التقيت بفتاة من عائلة الكيلاني." توقفت يد سيف عن تقليب الملفات. رفع رأسه ببطء، وقد ظهر الاستغراب على ملامحه. أما الجد، فاكتفى بابتسامة غامضة وهو يقول: "يبدو أ

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status