Masukكل ما أحتاجه منك الآن هو أن تستمر في تشجيعي."
ضحك والدها وهز رأسه برضا. "ستجدينني دائمًا أول من يشجعك." ثم وضع قطعة أخرى من السمك في طبقها. "لكن لا تنسي أن النجاح الحقيقي لا يأتي إلا بالصبر." ابتسمت له بامتنان. "لن أنسى." بعد انتهاء العشاء، خرجت إلى الحديقة الواسعة المحيطة بالمنزل. كان الهواء الليلي عليلًا، تتراقص معه أوراق الأشجار في هدوء، بينما انعكس ضوء القمر فوق نافورة الرخام في منتصف الحديقة. وضعت حاسوبها المحمول على الطاولة الخشبية، وأعدت فتح ملف خطة المشروع. بدأت أراجع البنود واحدًا تلو الآخر. الفئة المستهدفة...✓ دراسة السوق...✓ خطة التسويق...✓ التكاليف التقديرية...✓ الموردون...✓ الهوية التجارية...✓ ظللت أتصفح الصفحات حتى وصلت إلى آخر بند. توقفت يدي عن الحركة. اختبارات السلامة والجودة. تنهدت وهي تقرأ الملاحظات المكتوبة أمامها. "لا يزال امامي سوى هذه الخطوة الأخيرة لكنها صعبة قليلا" لكي يُسمح بطرح أي منتج للعناية بالبشرة في الأسواق، لا يكفي أن تكون تركيبته ناجحة. بل يجب أن يخضع لسلسلة من الاختبارات الدقيقة داخل مختبرات معتمدة، للتأكد من سلامته، وثبات مكوناته، وخلوه من أي مواد قد تسبب الحساسية أو الأضرار للمستخدمين. أغلقت الحاسوب للحظة، وأسندت ظهرها إلى الكرسي. "هذه هي العقبة الأخيرة..." كانت تحتاج إلى شركة تمتلك مختبرات بحث وتطوير معتمدة، وتتمتع بسمعة علمية قوية، حتى تستطيع اختبار منتجاتها وفق المعايير المطلوبة قبل التقدم بطلب الحصول على التراخيص. أعادت فتح الحاسوب، وكتبت في خانة البحث: أفضل الشركات المالكة لمختبرات معتمدة لاختبار المستحضرات التجميلية. ظهرت أمامها عدة أسماء. بدأت تقرأ عنها واحدًا تلو الآخر. الأول... لا يقدم خدمات للشركات الناشئة. الثاني... أسعاره مرتفعة جدًا مقارنة بميزانيتي الحالية. أما الثالث... جعلها تتوقف. ارتسمت الدهشة على وجهها الجميل وهي تحدق في الاسم المكتوب أمامي. شركة رأفت للأدوية. قرأت تفاصيل خدماتها بإمعان. تمتلك الشركة أحد أكثر المختبرات تطورًا في البلاد، وتوفر خدمات تحليل المواد الخام، واختبارات الثبات، وفحوصات السلامة، إضافة إلى دعم الشركات الناشئة في تطوير منتجاتها قبل طرحها في الأسواق. اتكأت إلى الخلف، وهي تبتسم بخفة. "يا للمصادفة..." لم يمضِ على لقائها بشهاب و بسيف سوى ساعات قليلة... ولم تكن تتوقع أن تجد اسم شركته مرة أخرى بهذه السرعة. لكن سرعان ما أبعدت الفكرة عن رأسها. "هذا مجرد عمل يا رزان." أغلقت الحاسوب، وهي تحسم قرارها. غدًا... سأتواصل مع شركة رأفت للأدوية، وأطلب موعدًا مع القسم المختص. ولم تكن تعلم أن ذلك القرار البسيط سيكون بداية سلسلة من الأحداث التي ستغير مجرى حياتها، ومشروعها. استيقظت في صباح اليوم التالي، وكان يوم الثلاثاء. كعادتها ارتدت ملابسها الرياضية وخرجت للجري في الحي الهادئ قبل أن تستيقظ المدينة بالكامل. كانت تلك الساعة من اليوم تمنحنها صفاءً ذهنيًا لا تجده في أي وقت آخر. بعد انتهائها، عادت إلى المنزل، استحمت سريعًا، ارتدت ملابس انيقة ووضعت بعض مساحيق تجميل خفيفة كانت جميلة وجذابة لدرجة لم تحتج الى الكثير من المساحيق لزيادة جمالها، بعد تأنقها خرجت متجهة إلى الطابق السفلي لتناول الفطور مع عائلتي. وفي منتصف الدرج، صادفت لؤي وهو ينزل من غرفته. ابتسمت له. "صباح الخير." ابتسم بالمقابل. "صباح النور." توقفت أمامه وسألته باهتمام: "بالمناسبة... هل أفادتك المراجع التي أحضرناها لك أمس؟" أشرق وجهه فورًا. "أوه، نعم. كانت مفيدة جدًا، وقد وجدت فيها معلومات كنت أبحث عنها منذ أيام." ثم نظر إليها مبتسمًا. "شكرًا لك." ابتسمت وهي تعقد ذراعيها. "إذًا... مقابل مساعدتي، ستدعوني إلى العشاء الليلة." ضحك لؤي وقال بخبث. "حسنًا... لكن الحساب سيكون عليك." وقبل أن تتمكن من الرد، مد يده وعَبث بشعرها كعادته، ثم ركض مسرعًا نحو الأسفل. شهقت وهي تحاول ترتيب شعرها. "أيها الشقي!" وصلها صوته المليء بالضحك من الطابق السفلي، فلم تتمالك نفسها من الابتسام. مهما كبر... سيظل طفلًا في نظري.في الجهة الأخرى من المدينة... كان مازن يجلس في مكتبه الفخم. دخل عليه أحد مساعديه ووضع أمامه تقريرًا ماليًا. قال الرجل: "يبدو أن شركة رأفت تجاوزت الأزمة." أغلق مازن الملف بهدوء. ثم ابتسم ابتسامة خفيفة. "كنت أعلم أن عبد الرحمن سيتدخل." سأله مساعده باستغراب: "ألا يزعجك ذلك؟" هز مازن رأسه نافيًا. "في عالم الأعمال..." "كل إنسان يبحث عن مصلحة شركته." ثم نهض من مكانه متجهًا نحو النافذة. "لقد قدمت عرضًا، وهو رفضه." "وانتهى الأمر." توقف للحظة، ثم أردف بصوت منخفض: "لكن يبدو أن عبد الرحمن ما زال يؤمن بأن الصداقة أهم من المال." ولم يعلّق بعدها بكلمة. مرت الأعوام... وتوسعت شركة رأفت أكثر من أي وقت مضى. واستعادت مكانتها في السوق. وفي مساء أحد الأيام... كان حسن رأفت وعبد الرحمن الكيلاني يجلسان في حديقة المنزل، يحتسيان القهوة كالعادة. قال حسن وهو يبتسم: "أتعلم؟" "كلما نظرت إلى هذه الشركة..." "أتذكر اليوم الذي أنقذتني فيه." ضحك عبد الرحمن. "أما زلت تتذكر؟" نظر إليه حسن باستغراب. "وهل ينسى الإنسان من وقف معه حين أدار الجميع ظهورهم له؟" ساد بينهما صمت مريح. ثم قال حسن:
الرئيس التنفيذي للشركة آنذاك. رفع نظره ببطء نحو المجتمعين. ثم قال بثبات: "شركة رأفت لم تسقط طوال ثلاثين عامًا... ولن تسقط اليوم." ساد الصمت مجددًا. لكن الجميع كان يدرك أن الكلمات وحدها لم تعد تكفي في اليوم التالي... وصلت إلى مقر الشركة سيارة سوداء فاخرة. ترجل منها رجل في الأربعينيات من عمره، يرتدي بدلة أنيقة، تعلو وجهه ابتسامة يصعب تفسيرها. كان ذلك... مازن مازن. أحد أبرز رجال الأعمال في البلاد، وصاحب مجموعة استثمارية ضخمة توسعت بسرعة لافتة خلال السنوات الأخيرة. استقبله حسن رأفت بنفسه، ثم اصطحبه إلى مكتبه. جلس الاثنان متقابلين. وما إن قُدمت القهوة، حتى بادر مازن بالكلام. "سمعت بما تمر به شركتكم." أجابه حسن بهدوء. "أخبار السوق تنتشر بسرعة." ابتسم مازن ابتسامة خفيفة. "وأنا لا أحب أن أرى شركة بهذا الحجم تنهار." تعلق نظر حسن به. "هل لديك اقتراح؟" أخرج مازن ملفًا جلديًا من حقيبته، ووضعه أمامه. "لدي عرض." فتح حسن الملف. وما إن قرأ أولى الصفحات... حتى انعقد حاجباه. رفع بصره ببطء. "واحد وخمسون بالمئة من أسهم الشركة؟" أجاب مازن بكل هدوء
توقفت عن الكلام للحظة. ثم قالت بسعادة لم تستطع إخفاءها: "حقًا؟" "نعم." "سأكون جاهزة خلال ساعة." ابتسم سيف. "سأمر لاصطحابك." لم تستطع سارة إخفاء فرحتها. وقفت أمام خزانة ملابسها وقتًا طويلًا، تبحث عن فستان يجمع بين الأناقة والبساطة. كانت تعلم أن الانطباع الأول لا يتكرر. اختارت فستانًا بلون أزرق هادئ، ونسقت معه حقيبة صغيرة وحذاءً بكعب منخفض، ثم اكتفت بحلي بسيطة ومكياج ناعم. وقفت أمام المرآة، وأخذت نفسًا عميقًا. كانت تشعر أن هذه الزيارة... قد تكون بداية فصل جديد في حياتها. وصل سيف في الموعد تمامًا. فتح لها باب السيارة، ثم انطلقا نحو منزل آل رأفت. طوال الطريق، كان الحديث بينهما هادئًا. قالت سارة وهي تنظر من نافذة السيارة: "هل جدك صارم كما يقول الجميع؟" ابتسم سيف بخفة. "صارم عندما يتعلق الأمر بالمبادئ." ثم أردف: "لكنه عادل." هزت رأسها وهي تحاول طمأنة نفسها بعد دقائق... دخلت السيارة إلى بوابة القصر. كان المنزل يعكس تاريخًا طويلًا من العراقة. ساعدها سيف على النزول، ثم دخلا معًا. استقبلهما كبير الخدم بابتسامة احترام. "أهلًا بكما." قادهما إلى الصالون الرئيسي. ولم
لم تتمالك سارة نفسها. ابتسمت ابتسامة واسعة، وقالت بصوت امتزجت فيه السعادة بالتأثر: "هذا أسعد خبر سمعته منذ زمن." أمسكت يده بكلتا يديها، وأضافت: "وأنا موافقة... بكل قلبي. ابتسم سيف ابتسامة هادئة، للمرة الأولى منذ خروجه من منزل جده. كان يظن... أن الطريق أصبح واضحًا أمامه. لكن... لم يكن يعلم أن القدر... كان يخبئ له طريقًا آخر تمامًا. في الجهة المقابلة.. كانت أجواء منزل الكيلاني مختلفة تمامًا. الابتسامات لم تغادر الوجوه منذ أن أخبرت رزان عائلتها بنجاح أولى خطوات مشروعها، وتوقيع عقد التعاون مع شركة رأفت. قال والدها وهو يرفع كوب الشاي مبتسمًا: "كنت أعلم أن إصرارك سيقودك إلى هذا اليوم." وأضافت والدتها بفخر: "هذه مجرد البداية يا رزان... وأنا واثقة أن القادم أجمل." ابتسمت رزان بخجل. "ما زال أمامي طريق طويل." قاطعها لؤي ضاحكًا: "يكفي تواضعًا... بعد سنوات سأقول للناس إنني شقيق صاحبة أشهر علامة تجارية للعناية بالبشرة." ضحك الجميع. ثم نهض لؤي فجأة وقال بحماس: "بما أن اليوم مناسبة سعيدة... ما رأيكم أن نخرج جميعًا؟" ابتسم والده وهو يهز رأسه. "اعذرن
تنهد الجد بهدوء، ثم قال: "لأنني أعرفك أكثر مما تعرف نفسك." انعقد حاجبا سيف. فأكمل الجد: "منذ وفاة والدك... وأنت لم تعش لنفسك يومًا واحدًا." خفض سيف بصره دون أن يجيب. أما الجد، فتابع بصوت امتزج فيه الحنان بالفخر "كنت لا تزال شابًا عندما حملت مسؤولية الشركة، وتحملت أعباء لم تكن سهلة حتى على رجال أكبر منك سنًا. لم أطلب منك يومًا أن تتراجع، لأنني كنت أعلم أنك قادر على حمل الأمانة." توقف لثوانٍ، ثم أكمل: "لكنني رأيتك، عامًا بعد عام، تؤجل حياتك الشخصية في سبيل العمل." رفع سيف عينيه إليه. "وهل الزواج قرار يُفرض يا جدي؟" ابتسم الجد ابتسامة خفيفة. "لا... لكنه أيضًا قرار لا ينبغي أن تؤجله إلى ما لا نهاية." أخذ سيف نفسًا عميقًا. "أنا لا أرفض الزواج، لكنني أرفض أن تحدد لي الوصية متى أتزوج." هز الجد رأسه بتفهم. "لم أحدد لك موعدًا." رفع سيف الملف. "لكنها تشترطه حتى تصبح الشركة باسمي." أجاب الجد بثبات: "صحيح." ساد الصمت بينهما للحظات. ثم قال سيف: "وهل يهمك من ستكون المرأة التي سأتزوجها؟" تأمله الجد طويلًا قبل أن يجيب: "حين يحين الوقت... سنتحدث في ذ
في الطابق العلوي... كان الهدوء يخيّم على مكتب سيف، بينما كان منشغلًا بمراجعة بعض الملفات الموضوعة أمامه. قطع تركيزه طرقٌ خفيف على الباب. "تفضل." انفتح الباب، ودخل رجل وقور يحمل في ملامحه هيبة السنين. وما إن رآه سيف حتى نهض من مقعده فورًا. "جدي... لم تخبرني أنك ستأتي اليوم." ابتسم الجد وهو يصافحه. "وهل يجب أن أخبرك في كل مرة أنني سأزورك؟" ضحك سيف بخفة، ثم اقترب ليساعده على الجلوس. بعد أن استقر الجد في مكانه، أخذ يتأمل المكتب من حوله، قبل أن يسأل: "كيف تسير أمور الشركة؟ جلس سيف في مقعده وأجاب بثقة: "كل شيء يسير وفق الخطة الموضوعة. المشاريع الحالية تحقق نتائج جيدة، ونسب الأرباح في ارتفاع، كما بدأنا التعاون مع عدد من المشاريع الجديدة الواعدة." أومأ الجد برضا. "هذا ما كنت أريد سماعه." ساد صمت قصير بينهما. لكن ملامح الجد تغيرت قليلًا، وكأن هناك أمرًا آخر يشغل تفكيره. رفع نظره إلى حفيده وقال: "في طريقي إلى هنا... التقيت بفتاة من عائلة الكيلاني." توقفت يد سيف عن تقليب الملفات. رفع رأسه ببطء، وقد ظهر الاستغراب على ملامحه. أما الجد، فاكتفى بابتسامة غامضة وهو يقول: "يبدو أ







